خيوط كثيرة تربط بين روسيا والشرق الأوسط

التداخل بين الحسابات الروسية الخارجية والداخلية كبير، وغالباً ما يرجح الرئيس فلادمير بوتين كفة المصالح الداخلية على كفة المصالح الخارجية، على ما فعل حين تصفية وحدات الاستخبارات الروسية سليم خان يندرباييف في العاصمة القطرية في فبراير(شباط)2004.

فلاديمير بوتين (غيتي)

منذ بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا في سبتمبر (أيلول) 2015، يدور الكلام على سعي موسكو إلى استعادة مكانتها قوة عظمى تبسط نفوذها إلى ما وراء حديقتها الخلفية، أي الجمهوريات السوفياتية السابقة. وقيل إن الشرق الأوسط هو "مختبر" أو ساحة تجارب هذه العودة، على قول الباحث والمحلل، ديمتري ترينين. ويرى بعض المراقبين، أن الدور الروسي في سوريا هو المؤشر إلى انبعاث مكانتها السالفة. و"تتمدد" روسيا في الشرق الأوسط، فهي تبرم صفقات سلاح ونفط. وعلى سبيل المثل، تستثمر الملايين في مشروع خط نفطي من كردستان العراق إلى تركيا. وتشير تقارير صحافية استناداً إلى وزارة الدفاع الروسية، إلى أن عدد القوات الروسية المتناوبة في سوريا بلغ في السنوات الثلاث الأخيرة 60 ألف جندي. وهذا رقم يفوق عديدَ القوات الأميركية، وتقدر مؤسسة هيريتج أنه يبلغ 45 ألفاً، في الشرق الأوسط، بما فيها دول الخليج.

ويرى المؤرخ الروسي روبرت سرفيس في كتابه "روسيا وعالمها الإسلامي: من الفتح المغولي إلى التدخل العسكري في سوريا" (هوفر إنستيتيوشن بريس 2017)، أن للحملة الروسية العسكرية في سوريا وجهاً داخلياً. فالتداخل بين الحسابات الروسية الخارجية والداخلية كبير، وغالباً ما يرجح الرئيس فلادمير بوتين كفة المصالح الداخلية على كفة المصالح الخارجية، على ما فعل حين تصفية وحدات الاستخبارات الروسية سليم خان يندرباييف في العاصمة القطرية في فبراير (شباط) 2004. فأكثر ما أقلق بوتين ووزراءه حينها، هو قدرة يندرباييف على مدّ النزاع في الشيشان بمصادر تمويل إسلامية يجمعها في الدول العربية الثرية. وفي سعيها إلى حماية مصالحها، يبدو أن روسيا لا تتوانى عن محاكاة العشائر والميليشيات. فإثر الاغتيال هذا، أخذت السلطات الروسية رهينتين قطريتين في مطار شيريميتيفو وتذرّعت بارتباطهما بالمتمردين الشيشان. وقايضت موسكو الرهينتين بعميلين روسيين كانت الدوحة اعتقلتهما إثر اغتيال يندرباييف، وسلمتهما إلى موسكو في ديسمبر (كانون الأول) 2004. وتعيد هذه الحادثة إلى الأذهان أزمة الرهائن القطرية في عام 2015 في العراق.

ويتتبع المؤرخ تحولات السياسة الخارجية الروسية، ومرآة هذه التحولات، هو موقف موسكو في مجلس الأمن حين امتناعها عن نقض قرار أممي في مارس (آذار) 2011 يدعو "إلى فرض منطقة حظر الطيران على الطائرات العسكرية الليبيـة وإنـشاء منـاطق آمنة في الأماكن المعرّضـة للقـصف". ويعزو سرفيس الامتناع هذا إلى قلق الرئيس الروسي، ديمتري ميدفيديف، من الإقدام على ما يطيح التقارب مع الولايات المتحدة. وهو تقارب بدأ مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض في عام 2009، وإعلانه ما عُرف بسياسة "إعادة الإطلاق" reset مع روسيا. فالإدارة الأميركية مدت اليد إلى الكرملين، وسعت إلى تخفيف التوتر بين البلدين والتعاون. وأعلن أوباما أن أيام التدخل العسكري من أجل "تغيير نظام" و"بناء الأمة"، ولّت، وبدأ بسحب القوات الأميركية من العراق وخفض عديدها في أفغانستان. ورحّب ميدفيديف بتغير السياسة الأميركية. ولكن ما آل إليه التدخل الغربي في ليبيا وسقوط القذافي في أغسطس (آب)2011 ومقتله في أكتوبر (تشرين الأول)، حمل ميدفيديف على موافقة فلادمير بوتين والتنديد بالمطامع الأميركية في الشرق الأوسط الكبير. وكان بوتين حذر إبان فرض سلاح الجو الفرنسي والبريطاني منطقة حظر جوي في ليبيا، من أن قوى الناتو (حلف شمال الأطلسي) تسعى إلى الهيمنة على دول مستقلة متذرعة بالتفويض الأممي. وحين بلغ "الربيع العربي" سوريا في آذار (مارس) 2011، أجمع ميدفيديف وبوتين على إجهاض سعي الدول الغربية إلى قرار أممي يسهم في إسقاط نظام بشار الأسد. ودعا كل منهما إلى احترام السيادة السورية. على خلاف سرفيس، قلّما يعزو المحللون الغربيون الموقف الروسي في مجلس الأمن في 2011 إلى تباين بين ميدفيديف وبوتين، وغالباً ما يرون أن التباين هذا، هو توزيع أدوار وحسب. وإلى الدعم السياسي في مجلس الأمن، مدّت روسيا حكومة دمشق بعتاد عسكري متطور. ومع تردد أوباما وخشيته الانزلاق إلى الحرب الأهلية السورية، كانت السياسة الروسية تزداد ثقة.

ويشير روبرت سرفيس، إلى ترجيح روسيا كفة مصالحها الداخلية على مصالح سوريا. فعلى مشارف الألعاب الشتوية الأولمبية في سوتشي في يناير (كانون الثاني) 2014، سعت السلطات الروسية إلى "تنظيف" شمال القوقاز من الإرهابيين الإسلاميين. وينبه إلى تقارير راجت عن توجه الاستخبارات الروسية إلى البلدات الشيشانية ودعوة المتطرفين إلى السفر إلى الشرق الأوسط والالتحاق بصفوف داعش. ويقول إن الاستخبارات الروسية أنشأت "ممرات خضر" تنقل الإسلاميين هؤلاء إلى تركيا، ومنها إلى الأراضي السورية. وتقول صحيفة "نوفايا غازيتا" الروسية المعارضة، إن واحداً في المئة من سكان نوفوساسيتلي في داغستان غادروا إلى سوريا منذ 2011. فالروس سعوا إلى حماية أراضيهم في الألعاب الأولمبية، فغادر حوالى ثلاثة آلاف مقاتل إسلامي روسي للالتحاق بداعش. ولكن مهما كانت حسابات روسيا، يخلص روبرت سرفيس الى أن ما تزعمه من عداء مطلق لداعش ضعيف، ويقيم أوجه شبه بين التباس الموقف الروسي من داعش وبين موقف نظام الأسد نفسه. وبعد انتهاء الألعاب الشتوية في سوتشي، اجتاحت القوات الروسية القرم في أوكرانيا وضمته إلى روسيا. فعلى الرغم من انهيار أسعار النفط وتراجع موارد الموازنة الروسية، لم يتراجع بوتين عن حماية المصالح الروسية في الخارج. ويقول سرفيس أن التراجع ثمنه خسارة السلطة، على نحو ما حصل مع نيكيتا خروتشوف حين تراجع في أزمة الصواريخ الكوبية في 1962.

المزيد من آراء