إلغاء عرض فيلم "دم النخل" لنجدت أنزور بسبب "الإساءة إلى دروز السويداء"

رقابة الطوائف توقف العروض الجماهيرية للفيلم والكاتبة والمخرج يعتذران

نجدت انزور خلال تصوير فيلم "دم النخل" (اندبندنت عربية)

أوقفت المؤسسة العامة للسينما العروض الجماهيرية للفيلم الذي انتجته "دم النخل" والتي كان مقرراً انطلاقها في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) ي في دار الأوبرا السورية، والسبب سيل من انتقادات حادة طاولت كاتبته ديانا كمال الدين ومخرجه نجدت إسماعيل أنزور؛ جراء ظهور جندي في أحد مشاهد الفيلم يتحدث بلهجة أبناء السويداء، وهو خائف ومرعوب من مواجهة رجال تنظيم الدولة "داعش" بعد دخولهم إلى تدمر في (مايو) أيار 2015، فيما يظهر رفاق له يتحدثون لهجات شامية وساحلية ينهرونه لجبنه وتخاذله!

المشهد ذاته بدا في العرض الخاص للإعلاميين والصحافيين في "مسرح الدراما" بدار الأوبرا في التاسع من الحالي، بحجم كرة اللهب التي أشعلت سجالاً على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي تفاقم بقوة، ولاسيما من جمهور أبناء السويداء الذين اعتبر كثيرٌ منهم هذا المشهد بمثابة "إهانة" لتاريخ أحفاد سلطان باشا الأطرش. فكتب الأديب والإعلامي داود أبو شقرة على صفحته في فيسبوك منتقداً بشدة "دم النخل" قائلاً: "لم أتحدث عن الوقوع في مطب الطائفية في توزيع اللهجات وهو مرفوض من كل الشرفاء في الشعب السوري. وما زاد الطين بلة أنه عندما نبّه أحد الصحافيين إلى الخطأ في هذه المسألة: أجابه المخرج بشيء من التواضع فعلاً: "إن الأبطال عادة يعيشون، وقد ارتأينا هنا أن نميت الجميع. هكذا ارتأينا". جميل هو رأي قابل للخطأ والصواب، لكن تدّخل الكاتبة، وإجابتها بقدر غير قليل من الغرور؛ هو الذي قوّض المسألة برمتها، إذ أبدت أن الصحافيين لا يفهمون حقيقة إبداعها وكأنه معضلة فنية عصية على الفهم".

نايف الغضبان أحد وجهاء جبل العرب كتب أيضاً منتقداً في "الموقع الأزرق": "دم النخل سيوصل الدم للركب"...  وهذا مما حدا بالمؤسسة العامة للسينما "الجهة المنتجة للفيلم" بإعادة منتجة الفيلم، وبإصدار بيان أول أمس بتأجيل العروض الجماهيرية للشريط الروائي الطويل، والذي يتناول حكاية ثلاثة مقاتلين يذودون عن المدينة الأثرية، ويقضون في الدفاع عنها وعن تراثها الحضاري الشهير، إضافةً لإطلالة على المصير الدموي الذي لقيه خالد الأسعد على أيدي رجال التنظيم، وكيف تحدى عالم الآثار ومدير متحف تدمر "لعب دوره "محمد فلفلة" كل المغريات والترهيب في سبيل حماية آثار تدمر من النهب والسرقة.

مواقف مختلفة

البيان الذي صدر عن مؤسسة السينما ومكتب المخرج أنزور جاء فيه: "نعتذر ممن ينتظرون مشاهدة الفيلم بلهفة، وممن شاهدوه وكان لديهم ملاحظة أو نقد بناء فإن واجبنا الفني والوطني يحتّم علينا الاستماع إلى آراء كل أبناء المجتمع السوري والأخذ بها، خصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريتنا الحبيبة."

بالمقابل نشرت كاتبة الفيلم ديانا كمال الدين التي لمع نجمها في سنوات الحرب ككاتبة حصرية لأفلام نجدت أنزور ومسلسلاته، بياناً على صفحتها الشخصية على فيسبوك، محمّلة الممثل الشاب نبيل سروج مسؤولية ما وقع. ونقتطف منه ما يلي: "المكتوب في السيناريو أنّ حوار هذا الجندي هو باللهجة البيضاء، أي أنه من الممكن أن ينتمي إلى أي محافظة، وإلى أي منطقة، بقصد أننا بالنهاية كلنا بشر نخاف ونحزن، نفرح ونتألم، ولا يمكن أن نصف شعور من يواجه الموت. وفي المشهد ذاته يظهر جميع الجنود شجاعة وبأساً وتضحية، ولكن احتراماً لعقلي ككاتبة، واحتراماً لعقل المشاهد لا يُمكن أن نظهر جميع البشر أقوياء وأبطالاً وشجعاناً ومخلصين وشرفاء. الذي حدث هو أن الممثل الذي قام بدور هذا الجندي هو من السويداء وقد تحدث بلهجته بعفوية، ولأنّ ليس بيننا أحد في فريق العمل من فنيين وفنانين يفكر بعقلية ضيقة طائفية أو مناطقية، فلم نتوقف عند لهجته أثناء التصوير، خصوصاً في وجود تنوّع في اللهجات في الفيلم".

بيان الكاتبة كمال الدين لم يوقف الجدل، بل ذهب نقاد سينمائيون وفنيون إلى أن الفن عموماً والسينما خصوصاً قادرة على نمذجة مجتمعات أو شرائح حين لا تفرق بين الواقع الموضوعي والواقع الفني. لكن آخرين اعتبروا أن مشهد الجندي لا يستحق كل هذا السجال، إذ كتب المخرج جود سعيد على صفحته هو الآخر معلقاً: "نحن نقول لا للرقابة، ولا للمنع تحت أي بند كان سياسياً أم غيره. لا لمنع عرض أي منجز فني تحت أي حجة. أكان يتوافق مع آرائنا أم لا. ما أن نصل لرقابات الطوائف جميعها، فتلك سابقة سندفع جميعاً ثمنها لاحقاً. هل سيكون علينا لاحقاً عرض الفيلم على جميع مكونات وأفراد الشعب لنرى إن كان يزعجهم".

الفيلم الذي لعب بطولته كل من جوان خضر ولجين إسماعيل ومصطفى سعد الدين، إلى جانب جهاد الزغبي وعامر علي وعدنان عبد الجليل ومجد نعيم، التي ادت او قدمت طيف زنوبيا ملكة تدمر، ضمن لعب بصري بين الواقعي والمتخيل، بينما وضع الموسيقار العراقي رعد خلف الموسيقى التصويرية للشريط الذي يطرح مسألة "الحلم التلمودي" والذي يقول: "كم سيكون سعيداً ذاك الذي يشهد خراب تدمر".   

اللافت أن ابنة الراحل خالد الأسعد؛ كانت حاضرة في العرض الخاص للفيلم، فلم تتمالك نفسها حين شاهدت لقطة تحاكي مشهد سوق أبيها للإعدام ذبحاً من قبل رجال داعش، عن اطلاق صرخة "لاااا" مدوّية ملأت أصداؤها القاعة الكبرى لدار الأوبرا، واعتبر البعض صرختها العفوية تلك أبلغ مما جاء في الشريط الممنوع حتى إشعارٍ آخر!

المزيد من سينما