المرأة قاضية بحكم الدستور... والمجتمع المصري يطعن في صلاحيتها للمنصة

عائشة راتب وأمنية جاد الله وفاطمة لاشين أبرز المصريات اللاتي أحبطهن الواقع

الشارع المصري لم يستوعب بعد أحقية المرأة في العمل قاضية (حسام علي. إندبندنت عربية)

حكمت المحكمة بالأشغال الشاقة المؤبدة، لكن حكم المجتمع جاء متعاطفاً متفهماً متقبلاً دوافع المحكوم عليه، فبرأه. رأت الدولة أن بين المؤهلين لتقلد مناصب الوزارات وشغل أماكن صناعة القرار نساء، ففعلت. لكن المجتمع لم ير ذلك، بل رأى انتقاصاً من حقوق الرجال، وتشبهاً بثقافات وبلاد لا تعي دور المرأة ولا تمانع في اختلاط الحابل بالنابل. الكتّاب والساسة والمنظرون يتغنون بريادة البلاد في ملفات تمكين المرأة ودفعها للأمام ونبذ غبار الرجعية والتخلف عنها، لكن رجل الشارع وامرأته يعتبران تمكين المرأة حراماً، ودفعها للأمام ضرراً بالدين، والرجعية التزام، والتخلف بُعدٌ عن الحرام، وحماية لمصالح الناس.

الناس في مصر استقبلوا خبر انعقاد جلسة محاكمة نجلي الرئيس السابق جمال وعلاء مبارك في قضية التلاعب في البورصة في محكمة الجنايات منتصف مايو (أيار) الماضي بعضوية عدد من المستشارين، بينهم مستشارة هي فاطمة قنديل بخليط عجيب من عدم الاكتراث واعتبار المسألة أمراً لا يخصهم مع مكون شعبوي رافض لاعتلاء المرأة منصة القضاء.

قضية موسمية

اعتلاء المرأة منصة القضاء قضية موسمية. تظهر فجأة فتشحذ الهمم وتستنفر الأفكار بين مؤيد ورافض، ومشجع ومحذر. ثم تختفي فجأة وكأنها لم تشغل بال أحد. تطفو على السطح أخبار قرارات رسمية بتعيينات قضائية تشمل النساء، فيشتد الهرج ويحتد المرج، ثم يمضي الجميع إلى حال سبيله. شد وجذب، وانفتاح وانغلاق، وتعيينات وصراعات، وبقاء الحال على ما هو عليه.

المادة 11 من الدستور المصري، وتحديداً الفقرة الثانية تتحدث عن تعيين المرأة في الجهات والهيئات القضائية، "على أن تكفل الدولة للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية". تقول المحامية المهتمة بتمكين المرأة في المناصب العامة نيهال عبد القدوس، "إن كمّ المواد المنصوص عليها في الدستور والقوانين كثير جداً. لكن الكم المطبق في حياتنا صغير جداً، ولنا في الشارع والنساء عبرة".

وتشير عبد القدوس إلى أن وضع الشارع في مصر يعد نموذجاً لعدم تطبيق القوانين بدءاً من المرور مروراً بالإشغالات والاعتداء على الأملاك وانتهاء بالسلوكيات الخاطئة. والشارع في ذلك شأنه شأن حقوق النساء، ومنها التعليم والصحة وعدم التحرش وأيضاً المناصب العامة. تقول: "الدستور يحمي الحقوق والقوانين تدعم، لكن لا التطبيق كافٍ ولا المجتمع مستعد".

استعداد المجتمع لتقبل المرأة القاضية تتجاذبه قوى عدة. فمن جهة، تشير الأعراف والعادات والتقاليد إلى أن المرأة تصلح لمهام دوناً عن غيرها. ومن جهة أخرى، جاءت موجة التدين والتطرف التي هبت على مصر في أواخر سبعينيات القرن الماضي لتضفي هالة دينية على العادات الرجعية فتكسبها شرعية وقبولاً مجتمعياً تحول خلال السنوات إلى مقاومة من الشارع للتطور، ودفاع مستميت من أجل دفع المرأة مراحل إلى الوراء.

وراء كل عظيم

"وراء كل عظيم امرأة. لم يقل أحد أمامه أو إلى جواره"، هكذا استهل المهندس الشاب مروان خضر، 38 عاماً، حديثه عن تعيين المرأة قاضية. يقول: "زوجتي كانت زميلتي في كلية الهندسة، لكنها اتخذت القرار الصحيح وهو التفرغ للبيت ورعاية الأولاد، وهو ما حقق النجاح لنا كأسرة ولي كمهندس. أما ماعدا ذلك من خروج المرأة للعمل، خصوصاً في وظائف غير مناسبة له سواء من حيث التكوين البدني أو النفسي مثل أعمال البناء أو قيادة الحافلات أو تقرير مصائر بشر عبر منصة القضاء، فهذا غير مقبول. ويمكن أن نقبله في أوقات الحروب أو الطوارئ مثلاً حيث لا وجود لرجال للقيام بهذه الأدوار".

هذه الأدوار النمطية التي ظنت الأجيال الأكبر من المصريين إنها تعدتها إلى غير رجعة تعود لتفرض نفسها بقوة في المجتمع. تقول السيدة عزة فتحي، 73 عاماً، محاسبة متقاعدة، "إنها وبنات جيلها كن ينظرن إلى الراحلة عائشة راتب باعتبارها نموذجاً يحتذى للنساء المصريات، فهي جاهدت وحاربت من أجل حقها في خوض سلك القضاء. صحيح لم تدخله، لكنها رسخت لنفسها مكانة، أشك أن تصل إليها نساء كثيرات اليوم بعد مرور ما يزيد على ستة عقود".

 

عائشة راتب

عائشة راتب تخرجت في كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1949، وسافرت بعدها لتستكمل دراساتها العليا لتحصل على الدكتوراه في القانون عام 1955. ولدى عودتها، تقدمت للعمل كقاضية في مجلس الدولة، لكن طلبها قوبل بالرفض، فرفعت دعوى ضد الحكومة آنذاك تتهمها فيها بانتهاك حقوقها. وقتها قال رئيس الوزراء المصري حسين سري "إن عمل المرأة قاضية ضد تقاليد المجتمع".

وقال رئيس مجلس الدولة وأحد أشهر وأبرز رجال القانون العرب المستشار عبد الرازق السنهوري "إن راتب خسرت القضية لأسباب سياسية وثقافية، وليس لأن القانون أو الشرع يحولان دون تعيين قاضية".

لكن هذه الأيام يحول الشرع دون ذلك، أو بمعنى أدق يقول مهيمنون على الشرع ومحتكرون للتفسير أن تعيين المرأة قاضية مناهض للشرع. "إندبندنت عربية" سألت رجل دين سؤالا غير صحافي قوامه "هل يجوز تعيين المرأة قاضية؟" فجاء الرد سريعاً: "لا يجوز تولي المرأة القضاء. والله سبحانه وتعالى ميز الرجل على المرأة بدرجة زائدة، ولو سمحنا للمرأة بتولي منصب القضاء، فنكون بذلك قد خالفنا كلام الله، وأعطيناه حقاً لا تملكه ألا وهو الفصل بين المتخاصمين، وهو حق لا يقدر عليه إلا الرجال لأنهم أصحاب درجة أعلى ممنوحة لهم من الله سبحانه وتعالى". وبالطبع فإن هذا الرأي "الشرعي" لا يقال من على المنبر، بل بعد الترجل منه. لكن من أعلى المنبر وبعلو الصوت هتف الخطباء بجواز تقلد المرأة منصب القضاء مؤكدين عدم وجود موانع شرعية تحول دون ذلك. كان ذلك في عام 2007 تزامناً مع تعيين الدفعة الأولى من القاضيات في مصر. وقتها أدت 30 قاضية اليمين الدستورية أمام مجلس القضاء الأعلى. هذه الخطوة التي هلل لها داعمو المرأة والمؤمنون بقدراتها العقلية والعلمية والنفسية للعمل في سلك القضاء، سبقتها قفزة هائلة في عام 2003 حين صدر قرار جمهوري بتعيين المستشارة تهاني الجبالي نائباً لرئيس المحكمة الدستورية العليا.

مقاومة داخلية

لكن المقاومة كثيراً ما تأتي من الداخل والرفض ينبع أحياناً من أهل القضاء ذاته. فبعد ثماني سنوات من تعيين الجبالي، رفضت الجمعية العمومية لمجلس الدولة تعيين المرأة قاضية. صحيح أن الاجتماع التالي شهد موافقة، إلا أن الرفض كان يعني الكثير.

وبحسب تفسير الجبالي نفسها، فإن المجتمع برمته وبكل فئاته الثقاقية شهد حالة من الارتداد والتشدد الديني المفرط. تقول الجبالي "إن عدداً من قضاة مجلس الدولة استشهد بفتاوى دينية متشددة رافضة لدخول المرأة مجال القضاء، لتبرير رفضهم الذي تزامن حينها ومرور 100 عام على دخول المرأة المصرية مجال القانون".

أمنية جاد الله

لكن قوانين المجتمع وقواعده والمواقف والآراء التي تعصف به وتتحكم فيه حاكمة. وفي ساحات المحاكم تتحرك شابة اسمها أمنية جاد الله، حاملة هدف العمل كقاضية أينما ذهبت. ترى جاد الله "أن هناك تعسفا واضحاً في تطبيق المادة 11 من الدستور المصري، التي تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة".

جاد الله تخرجت في كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وكانت بين أوائل الدفعة. بعدها حصلت على ثلاث شهادات في القانون العام والتجارة الدولية والقانون الخاص. وفي عام 2014، حاولت التقدم لشغل وظيفة مندوب مساعد في مجلس الدولة، لكن محاولتها وشابات أخريات قوبلت بالتجاهل، إذ لم يسمح لهن بسحب أوراق التقديم من الأصل عكس زملائهن من الذكور. وفي عام 2015 صدر قرار عن رئيس الجمهورية رقم 356 بتعيين الخريحين من دفعة عام 2013 ولم يشتمل قرار التعيين على اسم خريجة واحدة، فطعنت على القرار.

قضيتان لا يزال القضاء ينظر فيهما حول حق جاد الله في التعيين. تحولت جاد الله من انتظار حكم المحكمة إلى تحريك المجتمع في الاتجاه الذي تراه صحيحاً. ندوات توعوية، حملات توضيحية، مراسلات لا تتوقف للتعريف بالقضية، وشرح مبسط لما تفعل. "ليست قضية شخصية بقدر ما هي قضية النساء. كل النساء، وقضية انتصار للقانون ".

ستة أعوام كاملة، وساحات القضاء تنظر في قضيتي أمنية جاد الله وحقها في الالتحاق بسلك القضاء في مجلس الدولة، وتفعيل الحق الدستوري للنساء في الوصول للمناصب القضائية. وفي كل مرة تنظر القضيتان يتم التأجيل. عدد من المنظمات الحقوقية القانوية والنسوية على رأسها مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، ومؤسسة قضايا المرأة المصرية، وجمعية بنت الأرض، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات العامة أصدرت بيانا هذا العام اعتبرت فيه قضية أمنية جاد الله "أحدث محطات معركة المصريات الممتدة منذ أكثر من 70 عاما، تضمنت سعي الدكتورة عائشة راتب للتعيين في مجلس الدولة عام 1949، والمحامية فاطمة لاشين للتعيين في النيابة العامة عام 1992، بالإضافة إلى عشرات خريجات القانون المتفوقات اللاتي أحبطت آمالهن في العمل بالقضاء".

مطالبة بالالتزام بالدستور

وأشار البيان إلى أنه "على الرغم من التحسن الطفيف في ضم عدد من القاضيات وإحالتهن من النيابة الإدارية إلى سلك القضاء العادي، فإنه لا يزال  أغلب الجهات القضائية فيما عدا النيابة الإدارية يرفض تعيين المتقدمات صاحبات الكفاءة إلى منصب القضاء سواء في القضاء العادي أو النيابة العامة أو مجلس الدولة".

وطالب الموقعون أن يتحول الالتزام الدستوري إلى واقع ملموس دون التحجج بمبررات عفا عليها الزمن، عسى أن تتمكن النساء من الوصول لمنصب القضاء في جميع الهيئات القضائية وفقا للتدابير والطرق العادية المتاحة للجنسين دون تمييز، والمنصوص عليها في القانون والدستور.

رئيس المجلس القومي للمرأة السيدة مايا مرسي من أكثر الداعمين لحق المرأة المصرية في دخول مجال القضاء واعتباره مجالاً كغيره من حق المرأة الكفء أن تدخله مثلها مثل الرجل دون صخب في كل مرة. تقول إن نحو 43% من أعضاء النيابة الإدارية نساء، وأنهن حققن نجاحات كبيرة بشهادة الجميع. كما أن نسبة القاضيات في هيئة قضايا الدولة بلغت 20% ونحو 12.5% في هيئات أخرى".

تسير الجهود الرسمية والإحصاءات المبشرة في اتجاه، لكن أرقاماً أخرى تكشف عن الوجه الآخر. المركز المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة" أعلن قبل أيام أن 37% من المصريين يرون أن المرأة يجب ألا تعمل إذا كان لديها أسرة وأبناء. وقال 12% أنه يمكن للمرأة أن تعمل في حال كانت أسرتها تحتاج المال فقط، وهو ما يعني أن نحو نصف المصريين لا يحبذون عمل المرأة من الأصل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أصل المسألة

أصل المسألة يكمن في المجتمع بشرائحه وطوائفه، والتغيير الذي يأتي في كل مرة من أعلى متجهاً نحو القاعدة دون أن تصحبه جهود وخطوات لتعديل ثقافة القاعدة يكون مصيره الفشل، أو بقاؤه قاصراً على سياسات الدولة وتوجهات البعض من مثقفيها. استشارية قضايا النوع الاجتماعي السيدة دعاء حسين تقول "إن المجتمع برمته لا يزال ذكوري الهوى والسيطرة، بما في ذلك سلك القضاء نفسه، صحيح أن الرئيس وبعض الجهات في الدولة تدعم المرأة دعماً شديداً، لكن الدعم وحده لا يكفي والاكتفاء بالقرارات الفوقية لا تكتب له الاستدامة الشعبية".

تضيف "الغالبية المطلقة من المصريين حالياً منغمسة تماماً في تفاصيلها الاقتصادية والحياتية اليومية. هذه الغالبية نظرت إلى تعيين امرأة قاضية في مجال الجنايات وهي المستشارة فاطمة قنديل – في حال علمت بها - دون اكتراث. هم مهمومون بمستوى المعيشة وكيفية التعامل مع الأوضاع الاقتصادية المتأزمة. وواقع الحال يشير إلى أننا لم نصل بعد لثقافة اعتبار تمكين المرأة ضلعاً من ضلوع التنمية المستدامة بعد".

وتشير حسين إلى المزج الذي حدث في المجتمع المصري في العقود الأخيرة بين الثقافة الذكورية والتدين المظهري المتشدد، وفي خضم هذه الفوضى أصبح البعض ينظر إلى الثقافة باعتبارها دينا. ووجدت هذه الفوضى في المرأة لقمة سائغة، فهذا يحرم وجودها في الشارع، وذاك يجرّم عملها على منصة القضاء، والكل يتحدث باسم الدين. وأصبحت المرأة المصرية في السنوات الثماني الماضية (منذ ثورة يناير 2011) حبيسة التنميط بشكل متنامٍ. هي تصلح لكذا ولا تصلح لكذا بما في ذلك مجال القضاء نفسه، حيث نجد من يقول إنها تصلح للنظر في قضايا الأسرة والطفل فقط، أو في مستويات بعينها من القضاء دون أخرى، وجميعها محاولات تنميط لا تستند إلى أدلة علمية أو عملية أو نفسية تبرهن على أن التركيبة النفسية أو العاطفية للمرأة تحول دون جلوسها على منصة القضاء".

يشار إلى أن محكمة جنايات القاهرة حكمت قبل أيام بمعاقبة "سايس" قتل زوج خالته طعناً بالسكين بالإعدام شنقاً. وكانت المستشارة فاطمة قنديل ضمن هيئة المحكمة.