ملخص
بينت الشهادات أن أسرى فلسطينيين تعرضوا لكسور في أجسادهم أثناء التحقيقات ولم يقدم لهم العلاج، وأجبر آخرون على تقبيل العلم الإسرائيلي
"أجبروني على العواء طوال الليل ورموا لي طعاماً متعفناً لأتناوله كما الحيوانات، وأنا مقيد ومعصوب العينين، وعند التفتيش أتعرض لإهانات وإذلال لا يوصف، تم ضربي بشكل مبرح وعزلي، وشارك بذلك عدد من السجانين، كل ذلك لأني رفعت رأسي وابتسمت".
لم يكن هذا الوصف من أحد الشبان المفرج عنهم من سجن إسرائيلي قبل أيام، جديداً على مسامع لجنة مناهضة التعذيب وجمعيات حقوقية أخرى، وثقت من بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقائع مرعبة وجرائم وانتهاكات هي الأكثر خطورة التي تمارسها إسرائيل في حق الفلسطينيين في السجون منذ عقود. فالضرب والتعذيب اليومي والمعاملة غير الإنسانية وظروف اعتقال لا تليق بالبشر، هي كل ما أجمعت عليه شهادات فلسطينيين خرجوا بعد تحقيقات قاسية من داخل السجون الإسرائيلية، سواء من الضفة الغربية أو القدس أو من قطاع غزة. بعض الشهادات الموثقة ذكرت أن عديداً من الأسرى الفلسطينيين تعرضوا أثناء التحقيقات لكسور في أجسادهم ولم يقدم لهم العلاج، وأجبر آخرون على تقبيل العلم الإسرائيلي، والوقوف لساعات أثناء بث النشيد الوطني الإسرائيلي، فيما أفادت شهادات أخرى من أسيرات مفرج عنهن، بأنهن هددن بالاغتصاب وتعرضن للضرب المبرح على يد سجانات وهن نصف عاريات داخل غرفة الاعتقال.
ضرب مبرح
ووفقاً للتقرير السنوي الصادر عن مؤسسات الأسرى الفلسطينيين، فإن نصف عدد حالات الاعتقال التي نفذها الجيش الإسرائيلي خلال العام الماضي في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، والتي بلغت نحو 11 ألف حالة اعتقال، تمت بعد السابع من أكتوبر الماضي، بينها أكثر من 355 طفلاً و184 من النساء. وبينت الأرقام الرسمية أن نصف عدد أوامر الاعتقال الإداري (من دون تهمة أو محاكمة) التي بلغت العام الماضي أكثر من 5500 أمر، جاءت بعد بدء الحرب، فيما بلغ عدد الفلسطينيين الذين قتلوا داخل السجون خلال الفترة نفسها، ثمانية أسرى، ستة منهم بعد أحداث السابع من أكتوبر. وبحسب حقوقيين، اعتقلت إسرائيل منذ مطلع العام الحالي 300 امرأة فلسطينية، أكثر من نصفهن تم اعتقالهن منذ بدء الحرب، وتعرضن لعمليات تعذيب وتنكيل وضرب مبرح وتفتيش معيب وتهديدات بالاغتصاب. كما طاولت سياسة الاعتقال بحسب مراكز ومنظمات حقوقية 1085 طفلاً منهم 355 جرى اعتقالهم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، وتركزت بصورة أساسية في مدينة القدس، حيث يورد تقرير لهيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية أن عدد حالات الاعتقال بين صفوف الأطفال في المدينة بلغ 696 طفلاً، نحو 40 منهم تعرضوا للاعتقال الإداري.
ظروف مأسوية
وما إن اشتعلت الحرب، حتى نفذ الجيش الإسرائيلي حملة اعتقالات واسعة ومكثفة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وداخل إسرائيل، وعرضهم على محاكم عسكرية قائمة منذ عام 1967. وأدى إعلان المجلس الإسرائيلي الوزاري المصغر لقضايا الأمن القومي (الكابينت الأمني السياسي) حالة الطوارئ إلى تمديد فترات التحقيق وفترات احتجاز المشتبه فيهم قبل عرضهم على المحاكم العسكرية، من أربعة إلى ثمانية أيام، وتمديد مدة إصدار أمر الاعتقال من 72 ساعة إلى ستة أيام، وكذلك تمديد المراجعة القضائية لأوامر الإداري من ثمانية أيام إلى 12 يوماً. ومضاعفة هذه المدة تفقد المعتقل الذي تعرض للضرب أو أي معاملة مهينة للكرامة، فرصة المثول أمام القاضي للشكوى. كما أقرت أنظمة جديدة تجيز اعتقال المتهم بمخالفات أمنية من سكان خارج إسرائيل، والمقصود الغزيين، لمدة 45 يوماً، وهذه المدة غير قابلة للنقاش، بمعنى أنه لا توجد صلاحية للقاضي النظر فيها وتخفيضها حسب خطورة التهمة وحاجات التحقيق. كما يحق للشرطة والنيابة أو الاستخبارات طلب تمديدها 45 يوماً أخرى لتصل المدة إلى 90 يوماً. وبإمكانهم حسب قانون "المقاتل غير الشرعي" احتجاز أي معتقل من غزة مدة ستة أشهر من دون أن تلتزم المحكمة وجود محام للدفاع عن المعتقل، إذ تعقد المحكمة بحضور النيابة والملف السري والمعتقل ذاته. ووفقاً لمتخصصين في شؤون الأسرى فإن مجمل الانتهاكات التي انتهجتها إدارة مصلحة السجون منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر الماضي في حق الفلسطينيين، من عمليات تعذيب وتنكيل وإطلاق نار عليهم واستخدامهم كرهائن، واحتجازهم لاحقاً في السجون والمعسكرات في ظروف قاسية ومأسوية، كلها تستوجب فتح تحقيقات دولية بخاصة أن إدارة مصلحة السجون ترفض بصورة قاطعة حتى اليوم، إعطاء أية معلومات عن عدد المعتقلين وأماكن احتجازهم أو أية تفاصيل عنهم، حتى إن المحكمة العليا الإسرائيلية رفضت التماساً تقدمت به جمعيات حقوقية للحصول على مثل هذه المعلومات، بل وغرمت الملتمسين بمبلغ 5 آلاف شيكل (1350 دولاراً) مصاريف محكمة.
عدم معرفة أسماء وتفاصيل المعتقلين بحسب هيئة شؤون الأسرى والمحررين يجعل إمكانية التوجه إلى المحاكم وطلب تمثيلهم من قبل جمعيات حقوقية ومحامين متطوعين مهمة مستحيلة. واعتبر رئيس الهيئة قدورة فارس أن إسرائيل تشن عملية انتقام شرسة ضد الأسرى الفلسطينيين في ظروف قاهرة لم يشهدوا "مثيلاً لها من قبل". وأضاف "الحرب الشعواء لم تقتصر على قطاع غزة بل فتحها بن غفير اليميني المتطرف داخل السجون قبل أشهر من السابع من أكتوبر"، محذراً أن "تصاعد عمليات الضرب والتنكيل واتباع سياسة التجويع والحرمان والإذلال، ستؤدي بلا شك لانفجار السجون واشتعال جبهة جديدة بوجه إسرائيل".
من جانبه، أكد مدير مركز حريات لحقوق الإنسان حلمي الأعرج، أن ما يجري في حق الأسرى في ظل غياب تام لدور الصليب الأحمر "جريمة حرب"، مرجحاً أن "التعذيب وحجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى والأسيرات أكبر وأعمق مما يتم نشره". وأضاف "نأمل في أن يكون هناك تحرك دولي سريع من منظمات حقوق الإنسان لكشف جرائم إدارة مصلحة السجون تجاه الأسرى، التي تتفاقم يومياً بأوامر من بن غفير".
شهادات قاسية
بدورها، أشارت اللجنة لمناهضة التعذيب إلى أنها جمعت "21 شهادة قاسية بعد السابع من أكتوبر، جميعها مبنية على شهادات حية من الأسرى أو من محامي الدفاع عنهم، وعلى أثره تم تسليم المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية رسالة خاصة حول قضية التعذيب في السجون، وتعامل سلطة السجون مع الأسرى الفلسطينيين". وحذرت اللجنة في بيان المستشارة القضائية، ومديرة سلطة السجون، من أن السجون الإسرائيلية "أصبحت مكاناً تتعرض فيه حياة الأسرى الفلسطينيين المحتجزين فيها للخطر". وأكدت أنها ومنذ بداية الحرب "حصلت على أدلة لعمليات ضرب وعنف غير مبرر، وسوء المعاملة والإذلال والعنف الجنسي أسباب أدت لوفاة ستة أسرى منذ بدء الحرب". وأبدت اللجنة قلقها الحقيقي وفقاً للبيان "من أن سلطة السجون تتحول من هيئة سجن مهنية إلى قوة انتقامية عقابية"، داعية إلى "فتح تحقيق فوري في جميع الحالات من سوء المعاملة وحالات الوفاة، ومحاكمة المسؤولين عن هذه الحالات وإخراجهم من الخدمة". وطالبت السماح للمحامين وموظفي جمعية "الصليب الأحمر" بالوصول الكامل إلى السجون لتفقد أوضاع الأسرى. وفي شهادة مؤلمة، قال الناشط السياسي والمحامي أحمد خليفة من مدينة أم الفحم بعد الإفراج عنه، "الكل سمع صوت صراخ أسرى يستنجدون ويستغيثون من شدة الضرب"، مؤكداً في شهادته داخل قاعة المحكمة المركزية في حيفا أن "أحد الأسرى فقد الوعي جراء التعذيب". أضاف "تلك الصرخات تحولت لكابوس لدى الأسرى الذين وقفوا عاجزين، لقد ضربوه بالعصي وأدوات حادة لساعات متواصلة، حتى فارق الحياة". من جانبه، أكد الناشط السياسي محمد جبارين خلال الجلسة نفسها أن "الطعام الذي قدم للأسرى كان عفناً وملوثاً لدرجة أنهم وضعوا فأراً في طبق الأرز". وأضاف "يحاولون من خلال الإهانة والإذلال وسياسة التجويع تعذيب الأسرى بأبشع الطرق من دون رادع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحديات وتهديدات
كشفت القناة "12" الإسرائيلية أن وحدة التحقيق 433 الخاصة بالتحقيق مع السجانين، فتحت تحقيقاً ضد 14 متهماً، بعضهم يشتبه في قيامهم بضرب الأسير الفلسطيني ثار أبو عصب (38 سنة) والتسبب في وفاته، و"بعضهم يشتبه في تورطهم بحادثة العنف، ثم أطلق سراحهم وتم منحهم إجازة حتى إشعار آخر". ومقابل كل تلك الاتهامات والشهادات المروعة من فلسطينيين تعرضوا للتعذيب والضرب وأسيرات تعرضن للتهديد بالاغتصاب، ردت إدارة سلطة مصلحة السجون على المحكمة بقولها إنه "منذ بداية الحرب، استقبلت سلطة السجون آلاف السجناء الأمنيين مما أدى إلى رفع مستوى التحديات والتهديدات التي تواجهها عناصر الأمن في السلطة داخل السجون". وأكدت أنه حتى في ظل الواقع الأمني الصعب، فإن "سلطة السجون تحرص على الحفاظ على المهنية والمبادئ لحقوق الإنسان"، مشيرة إلى أنه" سيتم التحقيق في الأحداث التي تتطلب ذلك، إن وجدت، بالتعاون الكامل مع وحدة التحقيق حتى انتهاء الإجراءات".
على أثر ذلك، توجهت هيئة الأسرى والمحررين الشهر الماضي إلى الوسيطين القطري والمصري واللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة، بطلب للضغط على إسرائيل لوقف "هجمتها الانتقامية والجرائم الممنهجة التي تشنها داخل السجون بعد السابع من أكتوبر الماضي". وقالت في بيان أصدرته آنذاك نقلاً عن "الحركة الوطنية الأسيرة" التي تمثل الأسرى في السجون الإسرائيلية، إن "الاحتلال الصهيوني أخضعنا لظروف اعتقال خطرة، وحول السجون إلى مقابر حديدية قاتلة، وشن عمليات اغتيال وإعدام ممنهج في حق الأسرى، أدت إلى سقوط ضحايا منهم".