لماذا لا أستطيع التعبير عن حبي لموسيقى لانا ديل راي بأريحية

من السهل فهم كلمات الألبوم الجديد للفنانة الأميركية بوصفها معادية للنسوية، لكنها تمنح الأمل في أجواء الدمار الذاتي

المغنية والملحنة الأميركية لانا دل راي

أثناء رحلة ليلية طويلة بالسيارة خلال الأسبوع الماضي، كنت أستمع مطولاً وتكراراً إلى الأغاني الجديدة من الألبوم السادس للفنانة لانا ديل راي. إذ يحتوي ألبوم "نورمان فاكينغ روكويل!" على صرير آلات الغيتار أكثر قليلاً من تسجيلاتها السابقة، لكن صوت الحنين الذي يجعلك تغيب عن الوعي هو بلا ريب صوت ديل راي.

في وقت سابق في تلك الرحلة، وَجَّهتُ إبرة الراديو بعيداً عن أخبار حرائق الغابات وبريكست. كانت موسيقى البلوز الرائعة إنقاذاً خالصاً. التصاعد المتكرر، التموج والهبوط في الألحان، وصوتها الملطّف بطريقة حزينة وحلوة كانت تغسل روحي مثل أمواج البحر. شعرت بأنفاسي تتباطأ مع أنفاسها التي تواصل الغوص في كلمات أغنيتها "السوداوية والعمق / كل الأشياء التي تحدد مَنْ أنا". لم أنته بعد من سماع الألبوم كاملاً بالكامل، لكن ألبوم "نورمان فاكينغ روكويل!" يبدو للتو بوصفه المجموعة الموسيقية التي سترافقني في 2019.

في المقابل، ما زلت أشعر بعدم الارتياح إلى حد ما عندما أعلن حبي لديل راي. ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن وضع الأبطال الموسيقيين يتبدل بسرعة فائقة، من مايكل جاكسون إلى موريسي، ودرجة ارتباطي العاطفي بالموسيقى لا يزال في حالة غريبة من الانجراف، إضافة إلى أن ديل راي شخصية مثيرة للخلاف.

لقد كتبت ألبوماتها الأربعة الأولى، المصممة كي تبدو كأنها ملاحظة عبوسة من عالم أميركي أسطوري تحت الأرض، من منظور نساء لا يحلمن بشيء أكثر من مجرد فتح زجاجات الجعة وتقديمها إلى رجال سيئين يلعبون ألعاب الفيديو. لقد أضافت طابعاً رومانسياً إلى "العنف المنزلي المفرط"، وظهرت في فيديوهات الأغاني وهي تتعرض للخنق،  وأعادت استخدام مقطع من أغنية ناجحة تعود إلى العام 1962 لفرقة "ذا كريستالز"، يقول "لقد ضربني وشعرت أنها كانت مثل قبلة".

ألاحظ أن أصدقائي الذكور مستعدون للاحتفاء بتبنيها تلك المازوشية أكثر من صديقاتي الإناث. إذ تكرهها إحدى صديقاتي (الإناث) التي تعمل مع ضحايا العنف المنزلي، كذلك تعتقد إن الامتيازات المشتركة التي أتمتع به أنا وديل راي (المولودة في عائلة من البشرة البيضاء، جيدة الدخل، وذات مستوى تعليمي جيد)، تشكل السبب الذي يجعلني أستمتع بأغنياتها. لفترة طويلة، زعمت ديل راي أنها غير مهتمة بالحركة النسائية، ولم يكن ذلك الأمر في صالحي عندما كنت أدافع عنها أثناء النقاشات.

لدي أيضاً صديقتان (من النساء، مرّة أخرى) تشعران أن ديل راي تفتقر إلى الأصالة التي تتوقان إليها في الموسيقى. كذلك تشيران إلى شخصيات موسيقى البوب المختلفة ​​التي جربتها، بما في ذلك استخدامها الاسم الفني "سباركل روب جمب كوين"، قبل أن تخلق شخصية استطاعت تسويقها. وتتفاخران أيضاً باستخدام اقتباس من تقييم نشرته مجلة "بيتشفورك" الفنية، وأساءت فيه الناقدة ليندسي زولادز فهم ألبوم ديل ري المبتكر "بورن تو داي" (صدر في2012)، إذ شبّهته بـ"رعشة جماع كاذبة".

حسناً، دحضُ اتهامات التلفيق أمر سهل. لا يوجد نجم بوب حالياً ​​لم يبتكر شخصية فنيه. لا يهمني أن لانا ديل راي ليس اسمها الحقيقي، ولا يعنيني أنها ربما تعلمت حيلة أو اثنتين حول تسويق الخيال من كونها إبنة لوالدين يعملان في مجال صناعة الإعلان. لم تكن ديل راي نفسها مكترثة أيضاً. وذكرت في مقابلة حديثة، "لحسن الحظ، كنت أقول لنفسي دائماً: فلتذهبوا إلى الجحيم". وتعاملت مع الاتهامات بأن حبيبها الذي يعمل في الصناعة الموسيقية قد ساعدها في صعود السلم، عِبْرَ الفظاظة الظاهرة في أغنيتها "فاكد ماي واي أب تو ذا توب" (بمعنى أن الأغنية كأنها اعتراف خشن بصحة الاتهامات عن استخدامها جسدها كي تصل الى القمة).

ماذا بشأن الحديث عن "مناهضتها الحركة النسوية"؟ يبدو ذلك الأكر أشد تعقيداً وأخشى أنه قد يساء فهمه، بوصفي شخصاً حاجج لفترة طويلة أن أغنية "ناشيونال فرونت ديسكو" لموريسي كانت بكل وضوح استهزائية، على الرغم من خشيتي أن يساء فهم تلك المحاججة.

ولكنني أرى أن ثمة نسوية فعليّة في حكاية ​​لانا ديل ري. إذ حملت اسم إليزابيث وودوارد غرانت عندما ولدت في نيويورك في 1985، وذكرت ذات مرة إن المونولوج في أغنية "رايد" الصادرة في 2012، "يشبه سيرة ذاتية"، ما يجعل كلماته مستحقة الاقتباس.

يرد في ذلك المونولوج، "كنت دائماً فتاة غير عادية ... أخبرتني أمي أن لدي روح حرباء. ولا توجد لدي بوصلة أخلاقية تشير نحو الشمال الصحيح، ولا شخصية ثابتة. ليس لدي سوى تردد داخلي كان واسعاً ومتموجاً مثل المحيط". وتضمنت طفولتها الغناء في الكنيسة وإرسالها إلى مدرسة داخلية في عمر الرابعة عشرة كي تتعافى من إدمانها على الكحول.

في سن الثامنة عشرة، حملت الغيتار وبدأت العزف في النوادي الليلية تحت أسماء مثل ليزي غرانت وذا فينومينا وغيرها من الشخصيات. وقّعت عقداً مع علامة فنية تجارية مستقلة في عام 2007، لكن ألبومها الأول بقي موضوعاً على الرف. وأقحمت نفسها بالعمل مع المشردين ومشاريع التوعية عن المخدرات والكحول. ليست مجرد طفلة ثرية تتخيل شخصيات التدمير الذاتي في أغانيها، فلقد أمضت خمس سنوات في الاستماع إليهم قبل أن تخرج أصواتهم من العتمة. في الألبوم الجديد، ما زالت تتحسر، "البوح بأسراري للمشردين، هو الحب الوحيد الذي عرفته على الإطلاق/ باستثناء خشبة المسرح التي أسميها أيضاً بيتي".

وعندما وجدت غرانت طريقها نحو الصوت الذي تريد أن تقدمه، ساعدها والدها في إعادة شراء حقوق ملكية ألبومها المركون على الرف. ويزعم الرافضون أن شخصية لانا ديل ري قد أنشأها عشاقها السابقون الذين كانوا يعملون في شركات التسجيل الموسيقية (إذ كيف يمكن لامرأة أن تعيد تقديم نفسها كعلامة تجارية؟). وفي المقابل، دأبت ديل راي على القول بوضوح دائماً إنها صنعت تلك الشخصية بنفسها. في التفاصيل أن مصطلح ديل راي مستوحى من سيارة فورد قديمة، واسم لانا يحمل وفاءً لـلمثلة لانا تيرنر الفاتنة والمضطربة للغاية ونجمة أفلام الـ"نوار" السينمائية التي تتمحور حول الجريمة والانحراف السلوكي والجنس.

يبدو افتتان ديل راي بأفلام الـ"نوار" أمراً صائباً. وصعد ذلك النوع إلى الصدارة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، عندما غيّرت الحرب العالمية الثانية مكانة المرأة في الثقافة. وبينما كان رسام المجلات نورمان روكويل يرسم صوراً وطنية لعاملات المصانع الحماسيات مثل "روزي ذا ريفيتر"، كانت هوليود تعرض أفلاماً تصور أولئك النساء الطموحات والمستقلات حديثاً بأنهن خطر على الرجال (مثل الشخصية التي أدتها تيرنر في فيلم "ساعي البريد يقرع الجرس مرتين دائماً").  وجابهت أولئك النساء اللواتي يضعن السجائر بين شفاههن ويحملن أسلحة في حقائبهن، الأدوار التقليدية للمرأة كزوجات وأمهات جيدات. وكذلك عاقبتهن الأفلام بحالات موت وحشية. إضافة إلى ذلك، فقد تجاوز ذكاؤهن وقوتهن وسحرهن تلك الشخصيات الخيالية في الذاكرة الثقافية.

واستطراداً، ومع تأمّل النساء في القرن الحادي والعشرين، عملت ديل راي  على ابتكار شخصية مغنية بوب لها مظهر وهيئة بطلة خطيرة من أفلام الـ"نوار"، لكنها تبنّت الموقف الخاضع الذي مثّلته ربات المنازل التقليديّات في مرحلة الأربعينيات من القرن العشرين. وعلى الرغم من تصريحها بأن الحركة النسائية لا تهمها، إلا أنها أثارت جدلاً مزعجاً حول الطرق التي ما زال المجتمع يقسّمنا بها، نحن النساء، إلى قديسات وعاهرات، سواء على "تويتر" حاضراً أو كما كان يفعل في الأفلام الكلاسيكية. لقد وضّحت أغانيها تماماً الإغواءات الخطيرة للخيارين كليهما. لقد كانت صارمة وفكاهية من دون تردد حول كيفية إعادة تسويق هوياتنا الجنسية إلينا، عندما غنّتْ "إن طعم عسلي يشبه مذاق البيبسي كولا ...".

في أغنيتها المنفردة "فيديو غيمز" التي صدرت في 2011، بدت غارقة في استسلامها لرجل تجاهلها. واستخدمت قيثارات وأجراس موسيقى جنائزية. وقبل ذلك ببضعة أعوام، على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، عمدت نجمة بريطانيا  أيمي واينهاوس إلى فعل شيء مماثل، إذ استعارت الميلودراما المجنونة بالرجال من مرحلة ستينيات القرن العشرين، عندما كانت تترنح أمام الحانات خالعة حذائها، بينما تقول للصحافة إن جُلّ ما كانت تريده هو أن تصبح زوجة وأما صالحة. توفيت قبل ثلاثة أشهر من إصدار أغنية "فيديو غيمز".

وضمن تلك السياقات، ابتكرت المغنيتان الموسيقى المثالية المناسبة لفترة مربكة، كانت النساء خلالها يشترين مآزر المطبخ الإباحية التي تكشف المؤخرات من تصميم كاث كيدستون، ويقرأن بنهم رواية "خمسون درجة من غراي" للكاتب إيل جيمس الصادرة في 2011 التي تتحدث عن مجموعة الأشكال والأنشطة والممارسات الجنسية المتمحورة على الاستمتاع بالذكورية المسيطرة. وبالاسترجاع، ربما شكّلت تلك الآونة نفسها زمناً شعرت فيه المرأة بأمان كافٍ كي تستكشف تخيلاتها المازوشية الطبيعية بنفس الطريقة تماماً التي كان الرجل قادراً على فعل ذلك. (فكروا في أغنية رايان آدامز، "تعالي لاصطحابي /واعبثي بي /واسرقي أغنياتي..." ، على الرغم من أن أدامز بطل موسيقي آخر أنا مجبرة على إعادة تقييمه). وكذلك كان ذلك زمناً لم تعلم فيه نساء كثيرات من جيل ديل ري ويتمتعن بنفس امتيازاتها، وبطريقة مفهومة ربما، ماذا يمكنهن أن يفعلن بالحركة النسوية أو يأخذن منها. وفي الـ2014 تحديداً، صرّحت ديل راي إنّ الحركة النسوية لا تهمها. 

في مقلب اخر من المشهد نفسه، أخذ ذلك المزاج يتغيّر في عام 2016، عندما كشفت حركة #مي تو #MeToo أن المتحرشين ما زالوا يسيطرون على الثقافة، وكذلك انتُخِبَ دونالد ترمب رئيساً. وأطلقت النجمة الواثقة من قوّتها بيونسي، بَعْدَ أن أمضتْ عقداً من الزمان في مطالبة الرجال بـ"وضع خاتم فوق الأمر كله!"، أغنية "ليمونيد" واقفة عند شاهد قبر إيمانها بالحب الخالي من الألم، منشِدَةً "من الرماد إلى الرماد، من التراب إلى العلاقات الجانبية". ومع استخدامها فيلماً بالأبيض والأسود ونماذج قديمة، لم تبد بيونسي أبداً قريبة الشبه بديل راي أكثر من تلك المرّة.

وكذلك بدّلت ديل راي موقفها أيضاً. إذ وضعتْ نفسها بمحاذاة شعر الهوية الأميركية، إذ استخدمت المقطع الذي يتحدث فيه والت ويتمان عن احتواء الجموع في سيرتها الذاتية على "تويتر"، وتحدّثت بصوت مرتفع ضد رئيس يعمل على تعطيل الحريات التي كانت تستثيرها. وأزالت الأعلام من أعمالها الفنية. وبصفتها موسيقية دأبت دوماً على دمج أفكارها مع إيقاعات موسيقى الراب ليكونا خلفية صوتها الحالم، انتقدت كاني ويست بسبب دعمه لإدارة ترمب. "لا يمكنني سوى أن أفترض وجود رابط بين شخصيتيكما على مستوى ما... إذا كنت تعتقد أنه لا بأس في دعم شخص يظن أن إجبار المرأة على المضاجعة لمجرد كونه شخصاً مشهوراً هو أمر مقبول، فأنت بحاجة إلى تدخّل بقدر ما يحتاجه هو"، وفق كلماتها.

وفي سياق مشابه، وعلى غرار مجموعة من فنانين غير متوقعين عملوا على ابتكار شخصياتهم قبلها، مثل بيلي هوليدي (اسمها الحقيقي إلينورا فاغان) أو بوب ديلان (المولود باسم روبرت زيمرمان)، برزت ديل راي كمطربة احتجاجية هذا الشهر عندما أصدرت أغنية "لوكينغ فور أميركا" (= "البحث عن أميركا")، في رد على عمليات إطلاق النار الجماعية في تكساس وأوهايو. غنّت عن بلد تحلم به "من دون سلاح، وحيث يمكن للأعلام أن ترفرف بحرية/ ولا توجد قنابل في السماء، ولا يوجد سوى الألعاب النارية عندما نتصادف أنت وأنا". وذكرت قائمة بالأماكن التي لم تعد تشعر بالأمان عند الذهاب إليها كالمنتزهات وسينما الهواء الطلق حيث يمكن مشاهدة الأفلام من داخل السيارة.

كنت قلقة من أن تكون هناك أيضاً أماكن شِعرية، قد لا تشعر بالأمان عند الذهاب إليها في عام 2019. هل ستفقد الشجاعة التي تطلبها التعبير عن ضعفها؟ والحقائق الصعبة حول الجانب المظلم من حياتها الجنسية؟

حسناً، هناك بالتأكيد حضور أقل لتلك المعطيات في ألبوم "نورمان فاكينغ روكويل!". في المقابل، من الواضح أن الألبوم صادق وهش بطرق اخرى. إذ لا تزال تمتلك ازدواجيتها الخاصة، في الأغنية الرائعة التي تختم الألبوم بكلمات "الأمل شيء خطير كي تمتلكه امرأة مثلي، ولكنني أمتلكه... لقد كنت أتسكع في أرجاء البلدة بثوبي الأبيض اللعين/ مثل شخص لعين هارب من المجتمع/ الرقص هو الشيء الوحيد الذي/ استطاع إزاحة تلك النرجسية السوداء عن ظهري/ لم يكن بإمكانها أن تكون أكثر لا مبالاة، لكنني لم أكن أبداً أكثر اهتماماً".

لقد غنيت مع تلك الكلمات بهدوء خالص أثناء رحلتي الليلية الطويلة بالسيارة. كنت مستمتعة جداً حتى عندما كنت أعذب نفسي لأن الانبعاثات الغازيّة التي تطلقها سيارتنا تساهم في نهاية العالم. كانت ديل ري تعرف كيف شعرْتُ. وفي أغنية "ذا غريتيست"، تشدو بكلمات "لوس أنجلوس تحترق، يزداد الجو حرارة/ كاني ويست صار أشقراً وقد اختفى/ لم تعد "الحياة على المريخ" مجرد أغنية/ أوه، يكاد البث المباشر أن يبدأ..". حالة تدمير الذات التي كانت تصفها دائماً باتت الآن على مستوى الكوكب كله. وبالاستماع إليها، تشعر كأنك تشاهد ما يحدث من الفضاء، فترى إنه مرعب وجميل.

وبمجرد أن تفكر في أن شخصاً مثل ديل راي قد يرفع يديه ويقترح أن نحاول الاستمتاع طالما نستطيع ذلك، فإن ذلك يبعث الأمل. في الأغنية الجميلة "مارينرز أبارتمنت كومبليكس"، تخبرنا المرأة التي تغزلت ذات مرة بالإثارة التي يشعلها الاستسلام، أننا أخطأنا فهمها. إذ تغني "لقد أخرجتم حزني من السياق/ في "مجمّع شقق مارينرز"/ أنا لست شمعة في مهب الريح... أنا طاقم السفينة، أنا البرق، أنا الرعد... يا حبيبي، أنا رَجُلك". نراها في هذه الأغنية تمد يدها إلى حبيب ضائع في البحر. وأنا أمد يدي بالمقابل. تحياتي يا لانا، وشكراً لك.

ألبوم "نورمان فاكينغ روكويل!" متوفر الآن.

© The Independent

المزيد من موسيقى وأغان