ملخص
شرح الحروب وتبريرها للرأي العام يختلف عن شرحها وتبريرها للأطفال.
عادت الوجوه المألوفة في عوالم التنظير السياسي والتحليل العسكري والشرح الاقتصادي والتعليل الاستراتيجي لتتوسط شاشات القنوات التلفزيونية الإخبارية على مدى ساعات اليوم الـ24 منذ اندلعت حرب قطاع غزة.
إنها الوجوه العربية والغربية التي تطل على جموع المتلقين في مواسم الحروب وذروات الصراعات وأوقات الأزمات، وأيضاً في مناسبة عقد المؤتمرات والفعاليات، لا سيما المتعلقة بمصائر الشعوب والدول.
وعادت الوجوه وعادت سيطرتها على معظم ساعات البث، تارة ضمن تعليق على خبر في النشرة، وأخرى في فقرات المواجهة والصراخ وتبادل الاتهامات بين خبراء يمثلون هذا الفريق ومظلوميته، ومنظرين يعتنقون فكر ذلك الفريق وما يمثله ظالماً كان أو مظلوماً، وإن بقي نسبياً بحسب هوى القناة وانتماء المتلقي وفكر خبراء التنظير.
منظومة التنظير
لكن منظومة التنظير التلفزيوني العتيدة الأبية التي يحسب لها الإسهام في توجيه دفات الرأي العام والتأثير في صناعة القرار في دوائره وصناعة حقيقة بألوان الأيديولوجيا والأجندة والثقافة في حروب وصراعات وأزمات عدة، تشهد تغيرات جذرية وتتعرض لمنافسات حقيقية في تغطيات حرب القطاع.
تغطيات الحرب، أي حرب، لا تعد مكتملة من دون مكون التنظير والتحليل والتفسير، هكذا جرت عادة الحروب الحديثة، لا سيما في زمن الفضائيات. الحرب تعني قناة تلفزيونية تنقل وقائعها على الهواء مباشرة ومعها شرح الشارحين وتفسير المفسرين، وفي القلب منها توجيه الرأي العام المتابع للحرب إما صوب اليمين حيث تأييد الحرب ومباركة أسبابها ودعم نتائجها، أو ذات اليسار حيث معارضة الحرب ورفض أسبابها والنقمة على نتائجها.
تغطية الحروب وشرحها
وعلى رغم أن حرب فيتنام (1955-1975) كانت أول حرب متلفزة في التاريخ المعاصر، إلا أن بث وقائع القتال لم يكن على الهواء مباشرة. ويحسب لشبكة "سي إن إن" الأميركية أنها بثت وقائع حرب الخليج الثانية 1990 على الهواء مباشرة، لتفتح آفاق نقل الحروب للشعوب بينما تحدث. وبينما تحدث الحروب، كان الخبراء أيضاً والمتخصصون في شؤون الحرب والدفاع والسياسة والدبلوماسية والاقتصاد والاجتماع والنفس يواكبون الحرب بتحليل كل قصف وشرح كل قرار.
قرارات الحروب ووقائعها وأسبابها وتوقعاتها عادة تمضي من دون مناقشة أو مراجعة من قبل جموع المشاهدين والمتلقين للقنوات في ضوء تحليلات كتيبة المحللين والمنظرين، وهي الكتيبة التي تختلف من قناة لأخرى بحسب توجهاتها، فلكل قناة تلفزيونية توجه وجمهور وكتيبة محللين ومنظرين وشروح بعينها تشكل الرأي العام وتحدد توجهه.
شرح الحروب وتبريرها للرأي العام يختلف عن شرحها وتبريرها للأطفال. الأكاديميون والخبراء والكبار بصورة عامة يهتمون دائماً بشرح الحرب وتبريرها للصغار، لا سيما حين تشتد حدة القتل والخراب، لكن أحداً لا يكترث كثيراً بشرح الحرب وتبريرها للكبار، وهو الدور الذي بزغ وظهر وساد في حرب القطاع، ولكن قام به خبراء ومنظرو منصات التواصل الاجتماعي الذين ينافسون منظري القنوات الإخبارية بصورة غير مسبوقة.
خبراء الـ"سوشيال ميديا"
سبقت حرب القطاع مواقف وحروب وصراعات عدة رسخت ودعمت دور الـ"سوشيال ميديا" كمصدر رئيس، وأحياناً الرئيس، للجموع في معرفة الأخبار وكذلك تكوين الآراء والموقف، فخبراء الـ"سوشيال ميديا" يتحدثون بلغة المتابعين ويشرحون ما يود المتابعون شرحه ويحللون الأحداث من وجهة نظر يفهمها ويبتغيها المتلقي. وطبيعة الـ"سوشيال ميديا" تدفع ملايين المتلقين إلى تتبع أصحاب الآراء الذين يشبهونهم، لا في محتوى الرأي فقط، بل في المظهر وأسلوب الكلام ونوع التشبيهات واختيار المفردات.
أعوام، وربما عقود طويلة مضت، منذ أيقن العالم أن شبكات التواصل الاجتماعي تقوم بدور مؤثر لا في الحصول على الأخبار والمعلومات فقط، ولكن في تكوين وتشكيل وتوجيه الرأي العام، وشرح ما استعصى من أمور. كما أيقنت قطاعات كثيرة أن أخبار الــ"سوشيال ميديا" ليست دائماً صادقة أو حقيقية، لكنها تبقى ذات شعبية، وبات معروفاً أن الآراء والتحليلات والتنظيرات التي يتم بثها وتشاركها على المنصات العنكبوتية لا تستند بالضرورة إلى علم ومعرفة وأمانة، ولكنها تظل تكتسب شعبية وانتشاراً.
شعبية الآراء والتحليلات العنكبوتية تضطلع بأدور يصعب قياسها، وأقصى ما وصل إليه القياس في هذا الشأن ما جرى في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 التي خضعت لكثير من البحث والتحليل، وخرج كثير منها ليؤكد أنه تم توجيه ملايين الناخبين للتصويت لمرشح بعينه عبر التلاعب في التوجهات والقناعات.
توجيه المتلقين
لكن في حرب القطاع لا يتوقف الأمر عند حدود توجيه المتلقين، ولكن تشكيل وتحليل وشرح ما يحدث من قبل كتائب المنظرين المجهلين. الغالبية المطلقة ممن يشرحون ما يجري في غزة ويحللون أبعاد الحرب ويتوقعون ما هو مقبل بعدها أشخاص غير معروفين. لم يسمع عن معظمهم أحد من قبل، أو يعرف عنهم العلم ببواطن السياسة أو الإلمام بأمور اقتصاد الحروب أو التبحر في شؤون الخطط الأمنية والأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسية لحرب القطاع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حرب القطاع تتخذ من التكنولوجيا مكوناً رئيساً لها، ويعتقد كثيرون بأن المسألة تتعلق فقط بالأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة والفيديوهات المفبركة، لكن الأثر التكنولوجي في حرب القطاع يبدو واضحاً جلياً في الرأي العام الجاري تشكيله وتكوينه، أو في الأقل تقويته وتعضيده، عن طريق خبراء "فيسبوك" و"تيك توك" و"يوتيوب" و"تويتر" و"إنستغرام".
ويصفهم بعض الأشخاص بأنهم "خبراء عصاميون"، بنوا خبرتهم بأنفسهم وكوّنوا قاعدتهم الجماهيرية بسمات وصفات لا تتعلق بالضرورة بالخبرة أو المعرفة، بقدر ما تتعلق بالـ"كاريزما" والقدرة على الانفعال وإظهار قدر وافر من الشغف بالقضية والولع بالجوانب الإنسانية الكامنة في الأحداث ومهارة القدرة على استثارة الجوانب العاطفية لدى المتلقي.
وفي حرب القطاع، يجلس المتلقي مشحوناً من دون مجهود. فالحدث جلل والحرب شعواء والضرر فادح، لذلك لم يبذل منظرو المنصات، وجانب غير قليل منهم متلقون ومستخدمون عاديون، مجهوداً كبيراً في الجذب وخارقاً للاحتفاظ بقاعدة المتابعين.
متابعة عقائدية
متابعو الحرب تقدر أعدادهم بالملايين، والغالبية تتابع من منطلق عقائدي أو قومي أو وطني، وجانب يتابعون ما يجري لأسباب إنسانية، مما يعني أن مكون الانحياز موجود مسبقاً. فعشرات من المؤثرين والمؤثرات، لا سيما الفلسطينيين من أهل غزة، قاموا بدور رئيس في نقل وقائع الحرب من وجهة نظر أهل القطاع. وتفاصيل الحياة اليومية تحت القصف وطريقة الحصول على الخبز وأماكن الإقامة ولعب الأطفال على رغم أنف المأساة وطريقة البحث عن ناجين أو انتشال الجثامين عقب كل قصف بأيدي وأذرع شباب ورجال القطاع وغيرها من هوامش الحرب غير التقليدية نقلها مؤثرون على مدى الساعة، لا سيما خلال الشهر الأول من اندلاع الحرب. وهذا النقل أسهم إلى حد كبير في زحزحة هؤلاء المؤثرين، ومنهم من اكتسب شهرته العنكبوتية من هوايات الطهي أو فيديوهات التجميل والموضة أو مقاطع الدعابة، صوب فئة المحللين والمنظرين. لماذا؟ لأنهم وجدوا أنفسهم ينقلون ما يجري بكثير من العاطفة والتحيز لأهله وأقاربه وأصدقائه الواقعين تحت أخطار الحرب وأهوالها.
كذب وحقيقة
تقول مها حامد (55 سنة)، وهي ربة منزل، "أتابع حرب القطاع عبر شاشات القنوات الإخبارية، ثم أهرع إلى منصات الـ’سوشيال ميديا‘ بحثاً عن التحليل والتفسير. أعرف أنها مليئة بالأخبار الكاذبة والفيديوهات المفبركة، لكن وجدت في عدد من الفيديوهات التي يصنعها أشخاص عاديون، سواء في غزة أو خارجها، ما يشرح الخبر".
ترى حامد أن هذه الشروح وافية وشاملة، إذ تفسر حقيقة ما يتعرض له أهل غزة من أهوال والمعايير المزدوجة في الغرب تجاه ما يجري. لكن هل تتابع الفيديوهات التي تنقل شروحاً غربية لما يجري في غزة؟ فتقول "بالطبع لا. أتابع الشرح الحقيقي فقط، أما البروباغندا وتشويه العقول فلا أتوقف عنده". وماذا عن التحليلات والشروح التي تقدمها الفضائيات الإخبارية العربية عبر الخبراء والمحللين؟ تجيب أنه "لا أثق بها كثيراً. كلها مقيدة بتوجهات بعينها، حتى لو كانت التوجهات متضامنة مع القضية الفلسطينية، لكن تظل محكومة بسيناريو مسبق. أما مَن أتابعهم، فالسماء حدودهم ولا شيء يوجههم إلا قناعاتهم ومبادئهم".
قناعات بنكهات
القناعات والمبادئ، مع قليل من هوامش الأرباح التي تتناسب وعدد المتابعين، تهيمن على قطاع عريض من المحللين المستقلين على منصات الـ"سوشيال ميديا"، لا سيما في حرب القطاع. هذه الهيمنة لم تتوقف عند حدود المتلقين في هذه الحرب، بل يلاحظ أن عدداً من محللي الشاشات التلفزيونية ينقلون أو يتأثرون أو يستعيرون من أقرانهم العنكبوتيين، لكن العكس قليل.
يقول الباحث في العلوم السياسية في جامعة "زيوريخ" جوناثان كلوزر في ورقة عنوانها "المؤثرون على إنستغرام: صناعة الخطاب حول الصراع بين إسرائيل وغزة" إن المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي الذين كانوا في السابق لاعبين غير سياسيين يصيغون روايات مقنعة، لكنه يدعو إلى الحذر من هذه الروايات خوفاً من نشر أجندات سياسية متحيزة.