Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما وراء لقاء حميدتي وآبي أحمد رسائل تتجاوز الحدود

تبدو الفشقة وتيغراي والنيل الأزرق أجزاء من حزام أمني واحد وحدود متنازع عليها وقوات متحركة ومسيرات وممرات إمداد وسكان يعبرون الحدود تحت ضغط الحرب

تتداخل الجغرافيا العسكرية السودانية مع العمق الأمني لإثيوبيا (وكالة السودان للأنباء)

ملخص

هناك ثلاثة مسارات محتملة، الأول أن ينجح "الدعم السريع" في تثبيت وجوده في قيسان والكرمك وفتح خطوط إمداد مستدامة. والثاني أن يستعيد الجيش المبادرة ويغلق الممرات الحدودية، أما الثالث، فهو أن تتزامن حرب النيل الأزرق مع تصعيد تيغراي، فتتحول الحدود إلى جبهة ممتدة تتبادل فيها الأطراف الضغط العسكري عبر مساحات مترابطة.

في وقت تشهد فيه العلاقات السودانية - الإثيوبية توتراً متصاعداً، وتحيط بالنشاط العسكري على الحدود روايات واتهامات متبادلة، بينها اتهامات سودانية باستخدام الأراضي الإثيوبية في تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة داخل السودان، واتهامات إثيوبية بدعم الحكومة السودانية لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي"، استقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي) الجمعة، في زيارة تأتي بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب السودانية، وفي وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية والسياسية على جانبي الحدود، فيما يتقدم إقليم النيل الأزرق إلى واجهة المشهد الميداني.

وصل حميدتي إلى العاصمة الإثيوبية على رأس وفد من قيادات "الدعم السريع"، وكان في استقباله نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونن، قبل أن ينتقل إلى لقاء آبي أحمد. وبحسب ما أعلن، تناول الاجتماع تطورات الوضع في السودان وقضايا السلام والاستقرار.

وتأتي هذه الزيارة إلى أديس أبابا، التي تتقاطع عندها جغرافيا السودان مع حسابات القرن الأفريقي، بينما تشهد جبهة النيل الأزرق تطورات عسكرية متلاحقة، مع تقدم قوات "الدعم السريع" وحلفائها في بعض المناطق القريبة من الحدود الإثيوبية، في مقابل تحركات وتعزيزات للجيش السوداني في الإقليم. وهي منطقة شديدة الحساسية بحكم موقعها الجغرافي واتصالها المباشر بالحدود الإثيوبية وبمجال الأمن الإقليمي.

تقع هذه الزيارة، ضمن سلسلة زيارات خارجية متفرقة وفق سجل تحركات حميدتي منذ اندلاع الحرب، إذ بدأ ظهوره الخارجي منذ أواخر 2023 بجولة أفريقية شملت أوغندا وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا وجنوب أفريقيا، ثم تواصلت تحركاته الخارجية في السنوات التالية. ومن ثم فإن زيارة أديس أبابا الأخيرة تستمد أهميتها من ترتيبها الزمني بين زياراته وموقعها في مسار الحرب السودانية، ومن طبيعة اللحظة التي انعقد فيها اللقاء.

امتداد متشابك

ترتبط إثيوبيا والسودان بحدود طويلة لم تكن يوماً مجرد خط فاصل بين دولتين، بل امتداداً متشابكاً لجبهات القتال وممرات الحركة ومجالات النفوذ والتداخلات الأمنية. وفي عهد آبي أحمد، أخذت العلاقة منحى أكثر تعقيداً، إذ تداخل النزاع على الفشقة، والخلاف حول سد النهضة، وحرب تيغراي، ثم الحرب السودانية، مع صراع النفوذ، فباتت أديس أبابا تتعامل مع رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، وقائد قوات "الدعم السريع" حميدتي، ولكن كل على حدة، ووفق مسارين مختلفين في معادلة سودانية واحدة.

 حافظ آبي أحمد في علاقته مع الفريق البرهان، على قناة رسمية ظلت قائمة على رغم التوترات المتراكمة. وكان البرهان قد اتخذ، خصوصاً خلال حرب تيغراي، موقفاً أكثر تشدداً في ملف الحدود، إلى أن استعاد الجيش السوداني مناطق في الفشقة. كذلك تقاطعت مواقف الرجلين على نحو متوتر في ملف سد النهضة، فيما ارتبط موقف السودان ومصر بوصفهما دولتي مصب. ومع ذلك، ظل آبي أحمد حريصاً على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع القيادة السودانية، حيث زار الخرطوم في يناير (كانون الثاني) 2023، واستقبل البرهان في أديس أبابا في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، قبل أن يلتقيه مرة أخرى في بورتسودان في يوليو (تموز) 2024، في مسعى إلى المساعدة في دفع جهود السلام، إلا أن هذه التحركات لم تفض، حتى الآن، إلى فتح مسار سياسي جديد.

أما مع حميدتي، فقد نشأت علاقة مختلفة في طبيعتها، إذ سعى آبي أحمد، في مرحلة ما قبل الحرب، إلى بناء قناة مباشرة مع قائد "الدعم السريع"، في وقت كان فيه الأخير يطور علاقاته مع مؤسسات الدولة الإثيوبية ويزور أديس أبابا بصورة متكررة. وتزامن ذلك مع حاجة آبي أحمد إلى موازنة نفوذ المؤسسة العسكرية السودانية، التي يعتقد أنها ارتبطت بصورة أوثق بالملف المصري وبالحدود. وقد ذهب الإعلام الإثيوبي في الترويج إلى أن البرهان وحميدتي انحازا، خلال حرب تيغراي، إلى طرفين مختلفين من الصراع الإثيوبي، الجيش السوداني اقترب من جبهة تيغراي، بينما حافظ حميدتي على علاقة أكثر انفتاحاً مع حكومة آبي أحمد.

ظروف محيطة

تشكلت الظروف المحيطة بزيارة حميدتي إلى أديس أبابا من بيئة سودانية وإثيوبية شديدة الاضطراب، ففي السودان تتجه الحرب إلى مرحلة أكثر اتساعاً وتعدداً في الجبهات، فيما برز النيل الأزرق خلال أغسطس (آب) كونه أحد محاورها الأكثر حساسية، بعد تقدم "الدعم السريع" وحلفائه نحو مدن الكرمك وقيسان ومناطق أخرى قريبة من الحدود الإثيوبية. فقد أعلن الجيش السوداني الخميس إسقاط مسيرة ذكر أنها عبرت إلى النيل الأزرق من اتجاه الأراضي الإثيوبية، في ثالث حادثة مماثلة خلال أيام، من دون أن يحدد الجهة التي أطلقتها أو هدفها.

وفي المقابل، شهد الجانب الإثيوبي نشاطاً عسكرياً لافتاً، فقد أظهر تحليل مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل الأميركية، في الـ28 من أغسطس، وصول نحو 100 مركبة خفيفة إلى قاعدة الجيش الإثيوبي في أصوصا خلال خمسة أيام، إلى جانب ناقلات جنود ومقطورات وشاحنات وحاويات، في تراكم قدر المختبر أنه يوفر قدرة نقل على مستوى لواء، وربط التوقيت بالتطورات في النيل الأزرق، مع تحفظ المختبر على عدم وجود دليل يثبت الغرض العملياتي النهائي لهذه المعدات.

 ومنذ مطلع الشهر تجدد القتال بين الجيش الإثيوبي وقوات تيغراي في شيرارينا قرب الحدود السودانية، باستخدام المدفعية والمسيرات، وعبر مئات المدنيين إلى السودان. وكانت قوات الطرفين راكمت وجودها العسكري منذ أشهر، بما أعاد احتمال انهيار ترتيبات بريتوريا للواجهة.

لهذا تبدو الفشقة وتيغراي والنيل الأزرق أجزاء من حزام أمني واحد، وحدود متنازع عليها، وقوات متحركة، ومسيرات، وممرات إمداد، وسكان يعبرون الحدود تحت ضغط الحرب. وفي هذا الحزام تتجاور حربان سودانية وإثيوبية من دون أن تبقيا منفصلتين تماماً، فأي اختراق عسكري في إحداهما يملك، بحكم الجغرافيا، قدرة سريعة على إنتاج أثر أمني في الأخرى.

أسباب الدعم

ثمة أسباب عدة تدفع أديس أبابا إلى دعم قوات "الدعم السريع"، وتتصل في معظمها بحسابات الأمن القومي الإثيوبي وموازين القوة في السودان والمنطقة.

أولاً، لا تريد أديس أبابا أن تكون خارج أي ترتيب سياسي أو أمني يحدد مستقبل جارها الغربي، وأي اتفاق بين الجيش و"الدعم السريع" لن يكون مستقراً إذا تجاهل مصالح الدول المحيطة بالسودان، وترى إثيوبيا أنها في مقدمتها. ومن ثم فإن الاحتفاظ بعلاقة وثيقة مع أحد طرفي النزاع يمنح آبي أحمد موقعاً داخل المعادلة السودانية، ولا يترك مستقبل الحدود والأمن الإثيوبي رهناً بتفاهمات تصاغ بعيداً منه.

ثانياً، تنظر أديس أبابا بقلق إلى عودة الجيش لموقع السيطرة بعد استعادته أقاليم ومناطق من "الدعم السريع"، وتتحسب إلى أي تقارب محتمل مع الموقف المصري في قضايا النيل وسد النهضة، بينما يتيح وجود "الدعم السريع" قوة مقابلة تحول دون احتكار المؤسسة العسكرية للقرار الاستراتيجي في الخرطوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثالثاً، يمثل النزاع على الفشقة أحد أكثر ملفات العلاقة حساسية، فقد استعاد الجيش السوداني أخيراً مناطق واسعة منها منذ 2020. لذلك فإن صعود قوة سودانية منافسة للجيش يحد من قدرة الخرطوم على فرض أمر واقع عسكري على الحدود، ويمنح أديس أبابا مجالاً أوسع للمناورة في هذا الملف، لا سيما أن النيل الأزرق وبني شنقول - قمز والفشقة كلها تمثل حزاماً أمنياً مترابطاً.

رابعاً، تركت الحرب في تيغراي إرثاً أمنياً ثقيلاً لدى الحكومة الإثيوبية، فقد اتهمت أديس أبابا الخرطوم بتوفير الدعم والملاذ لعناصر مرتبطة بتيغراي، وباتت الحدود الغربية جزءاً من حسابات الأمن الداخلي الإثيوبي. ومع تجدد القتال في إقليم تيغراي، تصبح أية قوة سودانية يمكن أن تضغط على الجيش السوداني أو تشغله بعيداً من الحدود الإثيوبية ذات قيمة استراتيجية أكبر.

خامساً، لا تريد إثيوبيا سوداناً منهاراً تتحرك عبره الجماعات المسلحة واللاجئون وشبكات التهريب، ولا سوداناً تهيمن عليه مؤسسة عسكرية واحدة مرتبطة بتحالفات إقليمية لا تتوافق مع مصالحها، لذلك يخدمها وجود توازن بين القوى السودانية أكثر من حسم الحرب سريعاً لمصلحة طرف واحد.

مسارات محتملة

قد يكون النيل الأزرق الجبهة الأكثر دلالة على الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه الحرب السودانية خلال المرحلة المقبلة، فانتقال القتال إلى قيسان والكرمك، والضغط المتزايد على الدمازين، يفتحان ممراً جديداً للحرب باتجاه الحدود الإثيوبية، إذ تتداخل الجغرافيا العسكرية السودانية مع العمق الأمني لإثيوبيا. ومع تصاعد النشاط العسكري في قاعدة أصوصا، بالتزامن مع التطورات الميدانية في النيل الأزرق، لم تعد الحدود مجرد خلفية للصراع، بل باتت جزءاً من مسرحه العملياتي.

ويزيد تجدد القتال في تيغراي من تعقيد المشهد، فأي استنزاف للجيش الإثيوبي في الشمال يعيد ترتيب أولويات أديس أبابا على حدودها الغربية، ويدفعها إلى تأمين المجال الحدودي بأدوات غير مباشرة، والحفاظ على قوى سودانية قادرة على منع تشكل تهديد عسكري متصل من السودان. ومن هذه الزاوية، يكتسب استقبال آبي أحمد لحميدتي أهمية تتجاوز المجاملة السياسية، فهو يأتي في لحظة تحتاج فيها أديس أبابا إلى إبقاء قنواتها مفتوحة مع القوة التي تتحرك ميدانياً في المنطقة الأقرب إلى حدودها.

وفي المدى المنظور، تبدو ثلاثة مسارات محتملة. الأول أن ينجح "الدعم السريع" في تثبيت وجوده في قيسان والكرمك وفتح خطوط إمداد مستدامة، بما يضع الدمازين تحت ضغط متدرج، ويجبر الجيش على توزيع قواته بين النيل الأزرق وكردفان. والثاني أن يستعيد الجيش المبادرة ويغلق الممرات الحدودية، فتتحول المكاسب الحالية إلى مواقع متقدمة يصعب إسنادها. أما الثالث، فهو أن تتزامن حرب النيل الأزرق مع تصعيد تيغراي، فتتحول الحدود إلى جبهة ممتدة تتبادل فيها الأطراف الضغط العسكري عبر مساحات مترابطة.

في هذه الحالة، لن يكون سقوط الدمازين هو المؤشر الوحيد، الأهم هو قدرة أي طرف على إدامة القوة والإمداد بعد السيطرة على الأرض. فإذا استطاع "الدعم السريع" تحويل الحدود الإثيوبية إلى عمق لوجستي وسياسي ثابت، فقد ينتقل السودان من حرب على مراكز المدن إلى صراع طويل على هذه المنطقة. أما إذا بقي الدعم الخارجي محدوداً ومتقطعاً، فستظل مكاسب النيل الأزرق قابلة للعكس. وهنا تكمن أهمية العلاقة مع آبي أحمد، ليس في قدرته على حسم الحرب، وإنما في قدرته على التأثير في شروط استمرارها واتجاهها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير