ملخص
في الشوارع وبين أزقة الطرق يعيش النازحون الذين وصلوا إلى رفح
على قارعة الطريق بجانب حائط مدرسة إيواء في محافظة رفح أقصى جنوب قطاع غزة، افترش الجد سعدي أغطيته ونام في الشارع تحت أزيز الطائرات المسيرة وضجيج المقاتلات الإسرائيلية.
فور أن سمع الجد أوامر إسرائيل بضرورة إخلاء مراكز الإيواء في مدينة خان يونس جنوب القطاع استجاب للنداء وحمل حقيبة علاجه ووثائقه الشخصية وغادر متجهاً إلى المناطق التي حددها الجيش الإسرائيلي في محافظة رفح.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم أن سعدي كان أول الأشخاص الذين استجابوا للأوامر ووصل إلى محافظة رفح مع فوج النازحين الأول، فإنه لم يجد أي مركز إيواء فارغ، إذ كانت جميع المدارس التي لجأ إليها الفارون من القصف مكتظة عن آخرها.
يقول سعدي، "بحثت على مدار خمس ساعات عن مكان يأويني فلم أجد، توجهت للمدارس وكانت مكتظة بنازحيها، ذهبت إلى مقار مؤسسات الأمم المتحدة فوجدتها جميعاً مزدحمة بالخيام، حاولت البحث عن شقة سكنية أستأجرها لكن لم يدلني أحد".
بقي الجد الذي يصطحب أسرته معه متجولاً في الشوارع حتى حل عليه الظلام، وحينها قرر البقاء في الشارع ينظر إلى السماء التي تحلق بها الطائرات ويشاهدها وهي تلقي قنابلها المتفجرة. يقول، "حتى خيمة تحميني من البرد لم تتوفر".
إخلاء خان يونس
منذ أربعة أيام بدأ الجيش الإسرائيلي معركة برية في مدينة خان يونس جنوب القطاع، واستمر بالتوازي مع ذلك في القتال بمدينة غزة شمالاً، وعلى أثر الهجوم الجديد أصدرت تل أبيب تحذيرات تطلب فيها إخلاء محافظة خانيونس.
في بداية الحرب أمرت إسرائيل سكان مدينة غزة والشمال بإخلاء منازلهم والنزوح إلى مناطق الجنوب (خان يونس ورفح)، وتدفق الهاربون من القصف على مراكز الإيواء في هذه المدن بكثافة عالية حتى أصبحت جميعها مكتظة بالنازحين.
وعندما أصدرت إسرائيل تعليماتها الجديدة، أجبرت النازحين إلى مدينة خان يونس وسكانها الأصليين على الإخلاء والتوجه إلى محافظة رفح أقصى الجنوب بالقرب من الحدود مع مصر، لكن هذه المدينة لا تستطيع أن تستوعب جميع أعداد المجبرين على النزوح.
يقول المتحدث باسم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" كاظم أبو خلف، إن "عدد النازحين الذين غادروا الشمال وصل إلى 1.5 مليون نسمة، منهم 915 ألف موجودين في 156 مرفقاً نشرف على إداراتها".
ويضيف، "في مدينة خان يونس وحدها هناك 670 ألفاً من النازحين، وفي مركز إيواء واحد يعد أكبر منشآت الأمم المتحدة يوجد 21.700 نازح، وعلى جميع هؤلاء بمن فيهم الذين يسكنون عند أقاربهم أو مضيفيهم الإخلاء لمحافظة رفح".
في الواقع، كانت مدينة خانيونس التي تبلغ مساحتها 108 كيلومترات مربعة تستطيع أن تستوعب أعداد النازحين، لكن محافظة رفح ذات المساحة الصغيرة التي تقدر بـ64 كيلومتراً مربعاً لا تحتمل أفواج الهاربين من القصف.
بحسب أبو خلف، فإن رفح هي الأخرى مكتظة بالنازحين، ولا يوجد بها أي متسع، جميع المدارس مزدحمة بالمشردين، ومراكز ومنشآت الأمم المتحدة مكتملة، وحتى الشقق السكنية المفروشة باتت نادرة للغاية.
يؤكد أبو خلف أن النازحين باتوا في الشوارع من دون إيواء، وهؤلاء أعدادهم تقارب المليون، بخاصة بعد أن أنذرت إسرائيل منطقة "المواصي" الإنسانية التي خصصتها كمأوى بالإخلاء والتوجه إلى محافظة رفح أقصى الجنوب.
نزوح ثان
في الشارع كان يجلس الجد سعدي وهو لا يصدق أن مأساة النزوح القسري تكررت معه من جديد. يقول، "أنا من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة، أجبرني القصف على النزوح للجنوب في مدينة خانيونس، وما إن تعايشت مع الوضع حتى تكررت المأساة، وبعد أن هاجمت قوات الجيش المنطقة التي لجأت إليها نزحت من جديد".
سعدي غاضب كثيراً بسبب قضاء ليلته في الشارع. يقول، "لا أعرف أين نذهب، قصفوا بيوتنا في البداية وطلبوا منا النزوح من منازلنا، والآن يعيدون الكرّة ويطلبون منا التوجه إلى رفح".
مثل آلاف النازحين الذين باتوا في الشوارع بعد قصف لم يختبروا مثله في الماضي يكمل سعدي، "لا يوجد مكان يتسع لنا، ولا نفهم ماذا يريدون منا، على كل حال، لم يعد هناك مكان نذهب إليه، سنموت هنا".
أحدثت أوامر الجيش الإسرائيلي الجديدة موجة نزوح غير مسبوقة شملت كذلك جميع طواقم الأمم المتحدة، وفاقمت الأوضاع الصحية والبيئية والمعيشية للهاربين.
تؤكد إسرائيل أن ما تقوم به يأتي في إطار استخلاص العبر من المرحلة الأولى للحرب، وأن الطلب من السكان الخروج من منازلهم هدفه الحفاظ على حياتهم، ومنع تكرار ما جرى في بعض مناطق الشمال.
ويقول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، "سنسمح بدخول المساعدات والمياه والوقود إلى منطقة رفح فقط. على سكان خان يونس إخلاء منازلهم حفاظاً على سلامتهم".
ويضيف، "مطالبات الإخلاء ليست بهدف دفع سكان غزة لمغادرة القطاع، بل مغادرة الأماكن التي تجري فيها عمليات عسكرية، والإخلاء من مناطق القتال يتم من أجل التمييز بين المدنيين والمسلحين".
وجاءت الخطة الإسرائيلية الجديدة غير المفهومة حتى اللحظة، بعد أن طلبت الإدارة الأميركية من إسرائيل محاولة تجنب إيذاء المدنيين، وعدم السماح بتهجيرهم، وتحديد أماكن واضحة لعمليات الجيش العسكرية.