Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإنسان المعاصر ينهار في قصص باتريك زوسكيند   

نصوص قصيرة عن الهشاشة البشريّة والاضطرابات التي يسببها عدم اليقين

الروائي الألماني باتريك سوزكيند (دار المدى)

يبدو أنّ الكاتب الألمانيّ باتريك زوسكيند هو من الكتّاب الذين يلتزمون في عيشهم ما يكتبونه في مؤلّفاتهم. فزوسكيند الذي يمجّد العزلة الفرديّة ويقول في روايته "العطر": "سبب تعاسة الإنسان يكمن في أنّه لا يريد الركون إلى حجرته حيث يجب أن يكون"، هو كاتب يركن إلى حجرته وعزلته في شكل قاطع وحاسم بعيداً من الصحافة والمجتمع الأدبيّ ومعارض الكتب. يرفض زوسكيند قبول الجوائز منذ تسعينيّات القرن الماضي، أي منذ أن لمع نجمه في عالم الأدب، ويرفض المشاركة في أيّ حدث في الحياة العامّة، فلا هو يعطي رأياً في شأن سياسيّ راهن ولا هو يظهر في الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعيّ الحديثة. يقيم زوسكيند في عزلة تامّة وكاملة منذ سنوات طويلة، فلا يشارك في أيّ حدث أدبيّ ولا يمنح أحداً أيّ مقابلة أو صورة، ولا تعرف الصحافة الثقافيّة شيئاً عنه هي التي يجب أن تتواصل مع دار نشره في حال الضرورة القسوة.

والجدير ذكره أنّ زوسكيند البالغ من العمر حوالى 74 عاماً كاتب ذائع الصيت على الرغم من أنّه مقلّ، فعدد أعماله لا يتخطّى أصابع اليد، ومنها ما هو قصير بالغ القصر. فمؤلّفات باتريك زوسكيند تتوزع بين مسرحيّة وحيدة بعنوان "عازف الكونترباس" (1981)، وهي تُعتبر من أكثر الأعمال المسرحيّة الألمانيّة التي تمّت تأديتها على خشبات المسرح؛ تليها روايته الرهيبة والرائجة جدا في اللغات العالمية "العطر" (1985) والتي حوّلت فيلماً سنة 2006 ونال شهرة هائلة. وتلت هذين النصّين أعمال قصيرة أخرى، هي القصّة القصيرة "الحمامة" (1988)؛ القصّة القصيرة "حكاية السيّد زومّر" (1991)؛ "ثلاث قصص" وهي ثلاثة نصوص قصيرة (1996)؛ ومقالة عن القوّتين الأكثر تأثيراً في الوجود البشريّ بعنوان "عن الحب والموت" (2006).

يقع القارئ على مؤلّفات زوسكيند بترجمات متعدّدة في المكتبة العربيّة، ومن الذين ترجموا زوسكيند، المترجم المصريّ سمير جريس والسوريّ نبيل الحفار والسوريّ المقيم في ألمانيا كاميران حوج وسواهم. وأحدث الترجمات صدرت عن دار المدى وهي "ثلاث قصص ولحظة تأمّل" وقصّة "الصراع" التي تتضمّن رسوماً لجان جاك سامبه ، وقد انجز الترجمة كاميران حوج.

تتّسم أعمال زوسكيند القصيرة عموماً بالالتفات إلى تفاصيل النفس البشريّة والحياة اليوميّة والضغوط التي يتعرّض لها المرء في المجتمع. فنصوصه لا تتضمن أحداثاً كثيرة بل تتوقّف عند الخلجات النفسيّة ووصف غزير للمشاعر البشريّة، مما قد يبدو للوهلة الأولى ومن عدد الصفحات، سريعاً وموجزاً، لكنّه في الواقع مفيد وقيّم ويقدّم الإطار العامّ والضروريّ للقصص. فزوسكيند الذي يكتب في أحد أعماله: "الموهبة لا تساوي شيئاً؛ المهمّ في المقام الأول هو الخبرة المكتسبة عبر التواضع والجهد"، يجتهد في نصوصه ليورد زبدة السرد والضروريّ من الكلام فقط بأسلوب سهل، بسيط، متماسك يتّسم عموماً بكونه سريع الوتيرة موجزاً.

النفس البشريّة

يكتشف قارئ "ثلاث قصص ولحظة تأمّل" ثلاث قصص قصيرة ولحظة تأمّل تدور بمجملها حول آثار النقد والتنمّر والوسواس القهريّ على النفس البشريّة. فيقدّم زوسكيند بأدبيّة مرهفة حالات أبطال تعرّضوا لضغوط خارجيّة مما دفعهم للتصرّف بطرق مختلفة، وهذا في كتاب بالكاد تربو صفحاته كلّها على الخمسين. تدور أحداث القصص الثلاث الأولى حول الذات البشريّة وردود فعل البشر إزاء ما يواجههم من ضغوط وتحدّيات ونقد من المحيطين بهم؛ بينما تدور "لحظة التأمّل" حول النسيان الأدبيّ أو النسيان لدى الكتّاب في أسلوب طريف وحذق.

تروي القصّة الأولى وهي بعنوان "بحثاً عن العمق" قصّة فنّانة شابّة موهوبة تنهزم أمام النقد وتنهار. تفقد هذه المرأة الهشّة والفنّانة المرهفة ثقتها بنفسها وبفنّها إزاء نقد وصلها، فحطّمها ودمّرها ورماها في حلقة فراغ  وعجز عن الإبداع. تضيع هذه المرأة وتفقد قدرتها على الخلق والرسم، هي التي هزّها النقد بل زلزل كيانها وموهبتها ووجودها. فيرد وصف عن حالتها النفسيّة على لسان الراوي الذي ينقل على غرار كاميرا خارجيّة باردة لا تتدخّل ولا تتصرّف: "تدهور وضع الفتاة - التي كانت ترسم ذات يوم لوحات جميلة – في شكل ملحوظ. لم تعد تخرج مطلقاً، لم تعد تستقبل أحداً. سمنت بسبب قلّة الحركة وشاخت سريعاً بسبب الكحول والحبوب. بدأت شقتها بالتعفّن وفاحت منها هي رائحة حامضة." (ص: 15).

أمّا القصّة الثانية فهي بدورها قصّة صراع بين النفس البشريّة والقوى السلبيّة المحيطة بها وهي بعنوان "الصراع". تدور أحداث هذه الرواية في أوغسطس (آب) في حديقة اللوكسمبورغ في باريس، وبطلاها رجلان اثنان يتنافسان ويتصارعان حول لعبة شطرنج. وبينما يكون أوّلهما شابّاً قويّاً متهوّراً جسوراً غريباً، يكون خصمه رجلاً ماهراً خبيراً هادئاً، كبيراً في السنّ، متوازناً صموتاً. ومن الطبيعيّ أن تميل قلوب المشجّعين نحو الشاب المغامر الغامض، مما يشكّل قوّة ضغط تلعب ضدّ العجوز. فيروح هذا الأخير يشكّك في نفسه ويفقد ثقته بلعبه وبخبرته وبانتصاراته السابقة، فيقول الراوي الداخليّ في أحد المواضع عن جان اللاعب العتيق الطراز: "لا يمكن أن يخسر، هل يمكن أن يخسر فعلاً؟ هل يخطئ التقدير؟ هل ضعف تركيزه؟ هل يرى الآخرون أبعد ممّا يراه؟ يفقد جان الثقة." (ص: 23).

الشك في الذات

وبينما تنغمس بطلة القصّة الأولى في الحزن والشكّ والاكتئاب، وبينما تروح تشكّك بفنّها وموهبتها وقدراتها، يستمرّ بطل القصّة الثانية على هدوئه ولعبه المتماسك الواثق، على ما في هذا من صعوبة وتردّد واضطراب وتشكيك في الذات.

أمّا القصّة الثالثة "وصيّة المعلّم موسارد" فهي تدور حول بطل يصيبه مرض بسبب ما في نفسه من وساوس ومخاوف. يُصاب البطل بشلل وتحجّر يوديان بحياته، هو الذي اختار التقاعد وهو بعد في عزّ عطائه ونشاطه وثرائه وشهرته. ويتميّز أسلوب الكتابة في هذه القصّة الثالثة بتوجّه الراوي مباشرة إلى قارئه، فيقول البطل: "تملّكني إحساس غامض لم أجرؤ على الإقرار به، إحساس لا بدّ أنّه بدأ ينتابك أنت أيضاً، قارئي المجهول،..." (ص" 34). ولا بدّ من الإضافة أنّ أسلوب هذه القصص كلّها هو أسلوب سهل بسيط قريب المتناول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتوقّف زوسكيند في قصصه القصيرة هذه عند التفاصيل لكنّه لا يمنحها كلها لقارئه، وهو أمر طبيعيّ لما في هذه القصص من إيجاز وتقليص للمعلومات والتفاصيل. ويبدو من هذه القصص الثلاث أنّ الصحّة النفسيّة والقوّة الداخليّة الفرديّة بالغة الأهمّيّة للإنسان. فالأمراض النفسيّة والوساوس والاضطرابات الداخليّة التي تنتج عن تدخّل المجتمع في حياة أفراده، هي بخطورة الأمراض الجسديّة، إن لم تكن تفوقها خطورة وقسوة وضرراً على الإنسان وإنتاجه الفنّي والعمليّ والحياتيّ.

تؤدّي قصص باتريك زوسكيند القصيرة معاني بشريّة متعدّدة، فهي تؤكّد الهشاشة البشريّة إزاء العوامل الخارجيّة. تظهر هذه القصص للقارئ أنّ النسيان أمر بشريّ وكذلك الحزن والإحباط والوحدة والتردّد والاضطراب والارتباك وفقدان الثقة بالذات. يتحوّل المرء إلى كائن ضعيف عاجز إزاء النقد وإزاء غياب التشجيع، مهما كان عارفاً ماهراً. في مجتمع وحشيّ لا يمكن الوثوق به، يجب على المرء أن يجد طريقة للتحرّر وحماية نفسه والقيام بما يحبّ القيام به على طريقته وبالوتيرة التي تناسبه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة