Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صناع الحروب... هل العنف بالفعل قابلة التاريخ؟

تكتلات سياسية وأخويات سرية ومجمعات صناعية عسكرية ومنظومات مصرفية تحول الصراعات المسلحة إلى مصالح ومصادر للثراء

الحروب تكاد تشتعل حول العالم بوتيرة متشابهة (غيتي)

حين انتهت الأعمال العسكرية للحرب العالمية الثانية، تساءل الجميع شرقاً وغرباً: هل يمكن أن تكون هذه هي نهاية الحروب الكبرى وربما الصغرى حول العالم؟.

كانت الخسائر الفادحة التي تجاوزت نحو 70 مليون قتيلاً ومليارات الدولارات خسائر اقتصادية، قد وضعت الجميع أمام حقيقة أهوال الحرب، ومن هنا جرت محاولت جادة كرس فيها علماء السياسة والاجتماع السياسي وعلم النفس والطب النفسي وغيرهم جهودهم للتوصل إلى صيغ عملية لإدارة الصراعات واحتوائها وحلها حتى لا تتصاعد إلى أزمات تصعب إدارتها ناهيك عن حلها.

غير أن اليوم وبعد مرور نحو ثمانية عقود تقريباً على نهاية تلك الحرب الكونية، نجد أن الحروب تكاد تشتعل حول العالم بوتيرة متشابهة، بل عبر "سيمترية" واضحة، بمعنى أنها تنطلق حول العالم كل عدد معين من السنوات، وبتوزيع جغرافي مدهش على رغم كارثيته، لا يوفر منطقة بعينها فوق اليابسة، وكأن هناك "معلماً أعظم" يرسم خريطة هذه الحروب.

لا يبدو التساؤل هنا من قبيل تأكيد أو نفي "نظرية المؤامرة"، إنما من باب محاججة الواقع ومساءلة التاريخ، سيما أن هناك من يعتبر العنف أو الحرب "قابلة التاريخ"، كما قال القطب الشيوعي الأشهر "كارل ماركس"، بمعنى أنه يولد الأحداث عبر الزمان والمكان.

أسئلة عديدة تواجهنا في هذه القراءة عن صناع الحروب، وربما البداية من عند فكرة الحرب عينها، وهل هي قدر مقدور في زمن منظور يطارد الخليقة برمتها، من يوم الصراع الأول بين ابني آدم وصولاً إلى الأحاديث الدائرة والحائرة عن حدوث حرب عالمية ثالثة عما قريب.

الدوافع وراء الحروب تاريخيا

لا يمكن الحديث عن الحروب وصناعها، من غير التوقف ملياً أمام فكرة الدوافع التي تشعل المعارك.

هنا نجد أن الدوافع للحرب تبدو مختلفة، لا سيما بين أولئك الذين يأمرون بالحرب، وبين الذين يموتون فيها، وللقيام بحرب لابد أن يكون هناك دعم من قيادات الجيوش، وجهوزية عسكرية، وقرار سياسي أعلى، غير أن هذا كله لابد له من أن يغلف بمبررات أو ذرائع، تسمى اليوم "التوجه الاستراتيجي"، الذي يوضح الأسباب التي نشأت هذه الحروب من أجلها والهدف منها، وكذا الآليات التي تتبع لتحقيق تلك الأهداف.

على سبيل المثال لا الحصر، في الحرب البونيقية الثالثة (159-146 ق.م)، التي جرت وقائعها بين الجمهورية الرومانية ومملكة قرطاج شمال غربي ساحل البحر الأبيض المتوسط، كان هدف القادة العسكريين في روما هو القضاء على منافس صاعد، في حين أن دافع الجنود الفردية تمثل بالرغبة في كسب المال، ولأن هناك كثيراً من المعنيين، فقد اكتسبت الحرب طبيعة خاصة بها، نتيجة احتشاد دوافع كثيرة ومختلفة.

في مؤلفه "لماذا تذهب الأمم إلى الحرب؟"، يشير المؤلف "يوحنا ج. استوسينجر"، إلى أن أطراف الحروب سوف تدعي على الدوام أن مبرر القتال هو أخلاقي، ويشير كذلك إلى أن الأساس المنطقي لبداية الحرب يعتمد على تقييم مفرط في التفاؤل لنتائج القتال، وعلى التصورات الخاطئة لنوايا العدو.

على أن غالبية الحروب تقوم في الأساس على أربعة مرتكزات:

** أولاً: أسباب اقتصادية.

** ثانياً: أسباب سياسية سلطوية.

** ثالثاً: أسباب شخصية ومنها الكراهية أو الفخر.

** رابعاً: أسباب أيديولوجية أو دينية.

ويلسون... المصالح الاقتصادية وراء الحروب

في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من عام 1919، تحدث الرئيس الأميركي، وودرو ويلسون، قائلاً، "هل هناك أي رجل، هل هناك أي أمراة، بل اسمحوا لي أن أقول هل هناك أي طفل لا يعرف أن بذور الحرب في العالم الحديث هي التنافس الصناعي والتجاري؟".

كان ويلسون سابقاً لنظيره الرئيس الأميركي آيزنهاور بنحو أربعة  عقود، والأخير سيكون حجر زاوية في فهم فكرة صناعة الحرب، ومع ذلك وجدناه يشرح ما يدور في خلده بقوله، "بالنسبة إلى مديري الشركات، فإن الغيبيات العسكرية غالباً ما تتزامن مع مصلحتهم في تدفق مستمر، ومخطط له من الربح، إنها تمكنهم من امتلاك الأخطار المكتسبة من المال العام، بل إنها تمكنهم بشكل معقول من التوقع بأن تمكنهم من استغلالها لتحقيق الربح الآن وفي الوقت  اللاحق، إن بحوث التطوير الخطرة التي يدفع ثمنها من المال العام، هي باختصار قناع للرأسمالية المدعومة من أولئك الذين يسعون لتعظيم أرباحهم وتستند إلى سلطتهم".

في هذا الإطار المفاهيمي يمكننا القطع بأن الحرب العالمية الأولى، كانت أول صراع عالمي منذ الثورة الصناعية، فيما أدى ظهور جيل جديد من الأسلحة الآلية إلى خسائر مدمرة.

لاحقاً قادت التوترات الدولية إلى خلق فرص تجارية لشركات الأسلحة، وبطبيعة الحال لم يكن هناك ما يسعدهم أكثر من تطور الصراع وتورط مزيد من الأطراف به.

هذه الطريقة في التفكير هي التي دفعتهم في بعض الحالات إلى اختلاق الحرب، بهدف دفع أطرافها إلى الدخول في سباق تسليح لا ينتهي إلا بنفاد أموالهم.

من الأمثلة على ذلك، قيام "هربرت مولينز"، مدير شركة صناعة المدافع الثقيلة البريطانية "كوفنتري أوردنانس وركس"، في العام 1908، بالعمل على إقناع الحكومة البريطانية بأن ألمانيا تقوم سراً بتطوير برنامجها العسكري البحري.

هنا وتحت سيف الخوف، قام البريطانيون بزيادة إنفاقهم على سلاح البحرية بشكل غير مسبوق، وأسهمت تلك الادعاءات في خلق جو من الشبهات المتبادلة بين الأطراف كافة ما جعل الحرب أكثر احتمالاً. لاحقاً اعترف ونستون تشرتشل بأن هذه الادعاءات كانت كاذبة تماماً.

هل تقودنا تحذيرات ويلسون إلى دائرة أخرى من دوائر صناع الحروب، المعروفة باسم المجمع الصناعي العسكري، لا سيما في الداخل الأميركي، وإن كان موجوداً بصورة أو بأخرى في أرجاء المسكونة كافة؟

آيزنهاور وصناع مثلث الموت العسكري

في أوائل يناير (كانون الثاني)، وقبل أن يغادر البيت الأبيض بأيام قليلة، ألقى الرئيس دوايت آيزنهاور خطاب الوداع، الذي وجه فيه تحذيراً شديد اللهجة للشعب الأميركي، مما اعتبره أحد أخطر التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة، وهو المجمع الصناعي العسكري الأميركي، الذي قال عنه آيزنهاور إنه "كفيل بالقضاء على الديمقراطية في داخل الجمهورية الأميركية".

مم يتكون هذا المجمع؟

المؤكد أنه يتركب من ثلاثة أطراف متداخلة خطوطها ومتشابكة خيوطها، الطرف الأول هو أصحاب مصانع السلاح، لا سيما الصناعات الحربية الثقيلة من طائرات وصورايخ، وغواصات وفرقاطات ومدمرات، ناهيك عن حاملات الطائرات، ووصولاً إلى الأسلحة المتوسطة ثم الخفيفة، ومن غير أن نهمل أسلحة الدمار الشامل، نووية كانت أو بيولوجية أو كيماوية.

هؤلاء تقوم تجارتهم على جريان وسريان الحروب حول العالم، بصورة لا تنقطع.

الطرف الثاني، هم رجالات السياسة من أعضاء الكونغرس بمجلسيه الشيوخ الغرفة الأعلى، والنواب الغرفة الأدنى، وهؤلاء في واقع الحال هم من يشرعون الطريق إلى الحروب، وطريقهم للكونغرس يمر عبر التبرعات السخية والكبيرة التي يقدمها أصحاب الصناعات العسكرية، سواء لدعم حملاتهم الانتخابية، أو لإقامة المشروعات الخاصة بمواطنيهم، وعادة ما يكونون مطية لصناع السلاح والشركات الكبرى، عند اتخاذ قرارات الحرب، بل الدفع في طريقها والاتجاه إلى أهدافهم التي لا يوارونها.

فيما الطرف الثالث، يتمثل في جنرالات القوات المسلحة الأميركية بأفرعها كافة، وهؤلاء لهم أدوار مزدوجة، فبداية الأمر هم من يقودون الحروب على الأرض وفي الساحات البعيدة من الوطن، كما كانت الحال في أفغانستان العراق بنوع خاص، ومن قبل في فيتنام وكوريا، وغيرها من الحروب الأميركية.

هؤلاء الجنرالات لا تنقطع صلتهم بعالم مصانع السلاح وهم في الخدمة، حيث لهم القدرة على التوصية على أسلحة بعينها، والثناء على أسلحة أخرى.

لاحقاً وحين نهاية خدمتهم، يتحولون إلى مستشارين لشركات السلاح الأميركية، أو بالأحرى إلى مندوبي مبيعات ودعاية وتوزيع حول العالم، ويتعاطون مع تجارة مليارية تدر عليهم ذهباً وفضة وليس بنكنوت فحسب.

تشير الإحصاءات إلى أنه منذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية أكبر مصدّر للأسلحة في العالم، وتمثل صادراتها من الأسلحة أكثر من ثلث إجمالي صادرات الأسلحة في العالم. وفقاً لتقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، في الفترة من 2017 إلى 2021، انخفض حجم تجارة الأسلحة العالمية بنسبة 4.6 في المئة مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، لكن المبيعات العسكرية الخارجية للولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 14في المئة خلال الفترة نفسها، وارتفعت حصتها العالمية من 32 في المئة إلى 39 في المئة.

أخيراً نشر موقع Scheerpost الأميركي، تقريراً عن صناع الحروب الأميركيين جاء فيه أن "كل حرب خاضتها الولايات المتحدة منذ كوريا، بما في ذلك الحرب بالوكالة ضد روسيا في أوكرانيا، كانت بمثابة ثروة من الثراء العسكري، وتقول زوجة أحد العاملين في هذا المجمع، إنها تفضل الحرب وإلا كيف ستعيش أسرتها".

هل يدفعنا حال المجمع الصناعي العسكري بأطرافه الثلاثة السابق الإشارة إليها، إلى التوقف أمام النظام البنكي حول العالم، أوروبياً وأميركياً، وإلى الإنفاق الحربي وصناعة الحروب، كركيزة أساسية بل ومحورية في الخدمات المالية العالمية؟

صناع الحروب وأرباح البنوك المركزية

تبدو العلاقة بين صناع الحروب وبين أصحاب الأموال، علاقة قديمة، أقدم من زمن نشوء وارتقاء البنوك والأنظمة البنكية العالمية، كما نراها ونعرفها في شكلها الحاضر.

يتذكر المرء كيف كانت كبريات الأسر المالية الأوروبية، مثل روتشيلد تحديداً، تقوم بإقراض الحكومات في حال عوزها إبان الحروب، ومن ثم بدت العلاقة بين الجانبين وكأنها قراءة بالمعكوس، بمعنى أن أصحاب الأموال هؤلاء، وجدوا في الحروب فرصة جيدة لمضاعفة أموالهم، ومن هنا عمدوا إلى إذكاء نيران الخلافات والوصول إلى المجابهات بالنار والبارود.

من القديم إلى الحديث، نجد الحروب وكأنها باتت بدورها مربحة للغاية بالنسبة إلى البنوك المركزية، وصارت الأمور تمضي كما كانت الحال بالأمس، بمعنى أنه يتعين على الحكومات في أوقات الحروب أن تقترض مبالغ كبيرة إلى هائلة من المصارف المركزية، ليتم ردها لاحقاً مع الفائدة التي تحصلها الحكومات من خلال ضريبة الدخل.

هنا تزعم كثير من النظريات، وبعضها حقيقي بالفعل، وإن اعتبره البعض الآخر نوعاً من أنواع حديث المؤامرة، أن عديداً من النظم المصرفية المركزية حول العالم، وفي مقدمها مجلس الاحتياط الاتحادي، مملوكة سراً من قبل المصرفيين الدوليين الذين يفهمون  الفوائد الاقتصادية للحروب، بالتالي يقومون بالتلاعب بالرأي العام العالمي وتخليق أعداء وهميين، سواء كان هذا العدو هو "إمبراطورية الشر" كما جرى تصوير الاتحاد السوفياتي، طوال سنوات الحرب الباردة، أو الإرهاب الإسلاموي، الذي امتد خلال العقود الثلاثة الماضية كبديل بعد سقوط الشيوعية، وربما يظهر الآن في شكل الحديث عن أزمة المناخ العالمي، وجميع هذه الذرائع تستغل بنوع خاص من أجل تعظيم مشروعات الحروب.

يدرك صناع الحروب أن "الثروة تعتمد على الموارد واستغلالها"، ومن هنا يمكن فهم كيف عملت الإمبراطوريات الأوروبية القديمة طوال 500 عام تقريباً للاستيلاء على موارد العالم من خلال الاستعمار القائم على الحروب والغزوات العسكرية.

هل كانت واشنطن بعيدة من هذا التفكير الفوقي الساعي للهيمنة؟

بالقطع لا، فقد اكتسبت خبرة مبتكرة في الاستيلاء على الأرض وخيراتها من خلال تجريد الأميركيين الأصليين من ممتلكاتهم عبر الحروب ومصادرة أراضيهم للتنقيب عن الذهب والفضة، وكلاهما يعدان ركيزتين أساسيتين في أعمال البنوك والمصارف.

من هنا يمكن القطع بأن المجمعات الصناعية العسكرية، أميركية أو أوروبية وربما آسيوية، باتت لها مهمة واضحة وهي حماية المصالح الخارجية للبنوك الكبرى وصناديق الاستثمار والتحوط، والشركات المتعددة الجنسيات، بل إننا نجد في الداخل الأميركي،  أن أكبر شركة دفاع، "لوكهيد مارتن"، مملوكة إلى حد كبير لثلاثة  صناديق تحوط عملاقة "ستيت ستريت"، و"فانغارد"، و"بلاك روك".

هل هناك أياد خفية لعبت وتلعب أدواراً واضحة في إشعال الحروب حول العالم؟

الأخويات السرية والحروب الأهلية والعالمية

يبدو الحديث عن الأخويات السرية حول العالم عند كثيرين نوعاً من أنواع الترويج لحديث المؤامرة، غيرأن القاعدة المؤكدة في الحديث عن العلاقة بين صناع الحروب من جهة، وأعضاء تلك الأخويات السرية من جانب آخر، يخضع للقاعدة الذهنية التقليدية: "إن لم يكن التاريخ مؤأمرة، فإن المؤامرة موجودة في أضابير التاريخ".

منذ بدايات الخليقة وجدت الجماعات السرية، وقد لعبت أدواراً مثيرة في صناعة الحروب الأهلية أول الأمر، ولا توفر بعض التحليلات الحديث عن قيامها بصناعة بعض من الحروب العالمية.

ليس سراً أن جماعات بعينها كانت وراء نشوء وارتقاء الثورة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر في فرنسا، وهو ما اعترف به  المركيز "دي روسانو"، في مجلس النواب الفرنسي أثناء الجلسة المنعقدة في الأول من يوليو (تموز) من عام 1904،  وفيها أشار إلى جماعة "البنائين الأحرار"، التي عملت جاهدة  للانتقام من الكنيسة الكاثوليكية في الداخل الفرنسي، سيما أن فرنسا  كانت وحتى وقت قريب تدعى "الابنة البكر للكنيسة الكاثوليكية"، وهو الأمر الذي لم يعد قائماً، ولا يظن أحد أنه قادم مرة أخرى، ومن هنا نشأت علمانية ظلامية هدفها الأول والأخير فصل الدين عن الدولة، بل تقليص دور الدين إلى حد طمسه وإخفائه مرة وإلى  الأبد.

الأمر عينه جرت به المقادير في إيطاليا، بخاصة ضد حكم الباباوات، كما جرت الحال في عام 1830، وقد عرفت تلك الثورة تحديداً باسم "ريسور جيمنتو"، ومن عمالها غاريبالدي وكافور وماتزيني وغيرهم.

لم تكن روسيا القيصرية بدورها بعيدة من تلك الأخويات السرية التي لعبت دوراً واضحاً ضد أسرة رومانوف، والمصير الدموي الذي لاقته تلك العائلة بشكل مخيف.

بل إن أقلاماً كثيرة ترجع المفاهيم الشيوعية التي سادت روسيا وأجزاء واسعة من أوروبا الشرقية طوال سبعة عقود إلى تلك الجماعات التي عملت في الخفاء من أجل مناهضة الحضور التاريخي للكنيسة الروسية الأرثوذكسية، الحاضنة الحقيقية للسلافية الروسية عبر التاريخ.

والشاهد أن جماعات صناع الحروب، كانت حاضرة منذ وقت بعيد، وفي مقدم تلك الجماعات، "اللوميناتو"، أو المتنورين، أولئك الذين تجلوا في أوروبا القرون الوسطى، ووجدوا لهم موقع قدم متميز في داخل الولايات المتحدة الأميركية، حيث كان "وايز هاوبت" الراهب الجيزويتي المنشق، هو المؤسس الرئيس، وإليه تعزى كثير من الأدوار السرية في داخل هذا البلد الإمبراطوري، عطفاً على دور جماعته في توجيه دفة حروب البلاد.

ومن القديم إلى الجديد نتساءل، هل تعد مظمة "بيلدبرغ" واحدة من أهم جماعات صناع الحروب في عالمنا المعاصر؟

غالب الظن أن ذلك كذلك، فقد تشكلت عام 1954، بواسطة  العائلة المالكة في هولندا، وتعد بمثابة حكومة العالم السرية، سيما أنها تضم أكثر من 150 شخصاً من كبار القادة والسياسيين ورجال المال والاقتصاد في أوروبا وأميركا.

هل القول بوجود هذه الأخويات السرية ودورها في صناعة الحروب العالمية تفسير متآمر للتاريخ؟

يحق القول إن أصحاب نظرية التاريخ المتآمر ومعهم أنصار نظرية الهيمنة العذراء، كلاهما يثير الغبار والدخان من حوله الواقع الحالي، فيما مجمل العلاقات الدولية والحروب، صراع قوى ومصالح تمارس فعلها بالنار، وتندفع إلى سباق الحياة بأقصى  سرعة يسمح بها العقل والعلم وهي تجرب فرض إرادتها بكل الوسائل علناً وسراً، إقناعاً وقسراً، حرباً مكشوفة وتربصاً في الظلام، ومن هنا فإن التاريخ يصعب (جزافاً) اعتباره مؤامرة  مستمرة، لكنه في اللحظة عينها يصعب، اعتباره فردوساً للأطهار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيكولوجية الحروب والدوافع غير النبيلة

يعن لنا هنا التساؤل، هل الإنسانية مجبولة على الصراع منذ البدايات؟

المؤكد أن الصراع بين ابني آدم، كان ولا يزال محيراً، فلم يكن صراعاً على موارد، فقد كان في الأرض متسعاً لكليهما، ومن هنا يتساءل علماء النفس والأنثروبولوجيا عن سيكولوجية الحروب، وما يدفع البشر للدخول في صراعات مهلكة للزرع والضرع على حد سواء.

كان العالم الأميركي الشهير "وليام جيمس" أول عالم نفسي يحقق في الأسباب النفسية وراء اندلاع الحروب، فكتب مقالة مهمة   عنوانها "المعادل الأخلاقي للحرب" في عام 1910، يقول فيه إن الحروب كانت منتشرة جداً بسبب آثارها النفسية الإيجابية سواء على الفرد أو المجتمع... كيف ذلك؟

الثابت أن وليام جيمس أبو البراغماتية الأميركية، رأى أن الآثار الإيجابية للحرب على المستوى الاجتماعي تتمثل في خلق شعور بالتكاتف والوحدة الوطنية في وجه التهديد الجماعي بتوحيدها لصفوف الناس، حيث إن الانخراط في المعارك لا يقتصر على الجيش فقط، بل يشاركه أفراد المجتمع كافة، فضلاً عن أنها تجلب إحساساً بالانضباط والامتثال واحترام الأهداف المشتركة، بجانب إلهام المواطنين بالتصرف بشرف والتخلي عن الأنانية من أجل خدمة الصالح العام.

غير أننا نجد في كتاب الناشط الأميركي ضد الحرب "ديفيد سوانسون" المعنون "الحرب كذبة"، تفنيداً لتلك الدوافع التي يقدمها وليام جيمس، فيعتبر أنه ليس لصناع الحروب أي دوافع نبيلة، وعنده أن، "صناع الحروب ليس لديهم بأي حال من الأحوال دوافع نبيلة لما يفعلونه، على رغم أن الدوافع النبيلة يمكن العثور عليها في منطق بعض المتورطين، حتى في بعض من هم في أعلى  مستويات صنع القرار، إلا أنه من المشكوك فيه أن مثل هذه النوايا  النبيلة وحدها  ستولد الحروب".

وفي الخلاصة، فإن الحرب ليست كذبة فقط، بل هي هزيمة لكل الأطراف.

المزيد من تقارير