Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روسيا من دون بوتين ليست سوى أمنية محفوفة بالأخطار

تتواصل دوامة الإشاعات حول صحة رئيس الكرملين لكن موته يعني أشياء كثيرة بالنسبة إلى روسيا وبقية العالم

تجددت الإشاعات حول صحة فلاديمير بوتين (أسوشيتد برس)

ملخص

تتواتر الإشاعات عن تدهور صحة فلاديمير بوتين ومعاناته سكتة دماغية إلا أن ذلك قد لا يكون أفضل الأنباء بالنسبة إلى كارهي الرئيس الروسي لأن موسكو من دونه قد تغدو أكثر غموضاً وتقلقلاً

كما لو أنه لا يوجد ما يكفي من حال عدم اليقين التي تلف عالمنا في هذه الأيام، كي يستهل الأسبوع مع مزيد من التخمينات عن صحة الرئيس فلاديمير بوتين. ويحكى أن الرئيس الروسي الذي بلغ أخيراً عامه الـ71، عانى سكتة دماغية أثناء وجوده في مقر إقامته خارج العاصمة الروسية موسكو، وأشيع أنه نقل إلى العناية الفائقة، أو أنه يخضع لمراقبة حثيثة من قبل أطبائه. 

وتتحتم الإشارة إلى أن مثل هذه الإشاعات تظهر بين الحين والآخر. وخلال الأشهر والأعوام الأخيرة، أعلن مراراً عن معاناة بوتين مجموعة واسعة من الأمراض المزمنة والقاتلة، بداية من مرض الشلل الرعاش (باركنسون)، وصولاً إلى أنواع متنوعة من السرطان. ووفق ما هو مألوف في تلك الأحوال، قد تكون مثل تلك التقارير مرفقة بتفاصيل مصورة عن حال طارئة ألمّت ببوتين على غرار حادثة سقوط، أو إفلات طعامه من يده، أو حتى إصابته بنوبات صحية عنيفة.

في العادة، أميل إلى تصنيف مثل تلك التقارير باعتبارها نوع البروباغندا السوداء، أو من نوع التمنيات، اخترعها ووضعها عدد من أعدائه. إن الادعاء بأن بوتين، المعروف عنه بأنه شخص مولع بالرياضة والعناية بصحته، يسافر مع طبيب خاص، أو برفقة فريق طبي لا يجعل منه شخصاً فريداً بين الزعماء الوطنيين. وأكثر من ذلك، فإن من وصف بأنه شخص عاجز تماماً يعود للظهور، في وقت غير بعيد من ظهور إشاعة ما حول تدهور صحته، ليبدو أنه يتمتع بنشاطه ورشاقته كالمعتاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن هذا لا يعني أن مثل تلك التقارير لا تشكل أزمة بالنسبة إلى متابعي الشأن الروسي، وأيضاً العاملين في وسائل الإعلام الأساسية. هل علينا أن نتجاهل تلك التقارير حتى لو تضاعفت أعدادها على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل نظهر وننشر تلك المعلومات، وبالتالي نعطيها درجة ما من الصدقية ما كانت لتحوزها لولا ذلك [النشر]؟ أم هل ننشر تلك المعلومات لمجرد نفيها والسخرية منها، وذلك أمر قد يحدث التأثير نفسه؟ 

تطرح تلك الأمور الإشكالية نفسها في الكرملين الذي خالف عاداته وحكم على التخمينات الأخيرة بأنها إما غريبة للغاية أو أنها ذات مصداقية، ولا تحتاج إلى إصدار نفي في شأنها. وبعد 48 ساعة على انتشارها، عمد المتحدث باسم الكرملين المعروف منذ زمن طويل دميتري بيسكوف إلى نفي وجود أي اضطراب في صحة بوتين، أو دحض مقولة إن الرئيس الروسي يستخدم "بديلاً عنه يشبهه"، وتلك إشاعة أخرى تتكرر بالتزامن مع التقارير التي تتحدث عن حاله القريبة من الموت. إنه لا يعاني أي شيء"، بحسب بيسكوف الذي أضاف "تندرج تلك الأخبار في سياق المعلومات الغريبة التي تسعى إلى الخداع، فيما تعمد مجموعة كبيرة من وسائل الإعلام إلى مناقشتها بإصرار تحسد عليه. ولكن لا أثر لها سوى أنها تدفعك إلى الابتسام".

حسناً، إنها ربما تدفعنا إلى الضحك. ولكن حتى لو جاءت إشاعات هذا الأسبوع بالفعل على مستوى "الغرابة" التي يصفها الكرملين، تبقى هناك نقطتان لا بد من توضيحهما. تتمثل النقطة الأولى في أنه، هذه المرة في الأقل، وربما بسبب التفاصيل المصورة التي تنتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، اختار الكرملين أن يرد. ومن شأن ذلك أن يوحي بأن هناك نسبة من القلق في أعلى مستويات الحكم، والتخمينات في شأن صحة الرئيس بوتين يمكنها أن تغدو، أو تصبح، عامل عدم استقرار، إما في دهاليز السلطة الروسية، أو في أنحاء البلاد كافة.

لا بد لي من التأكيد أيضاً على أنه ليس من شأن ذلك تأكيد الإشاعات أو جعلها شرعية. وقد يحظى بوتين بحياة طويلة تتخللها رحلات برية في السهول الجرداء ورحلات لصيد النمور السيبيرية وكثير من ركوبه الخيل عاري الصدر. ولكن الرد على الإشاعات قد يعني أيضاً أنه يُنظر إليها على أنها ذات مصداقية تكفي لأن يجري تفضيل الرد عليها ونفيها علانية من أعلى المستويات، بدلاً من انتهاج الصمت حيالها وازدرائها. ولا بد من أخذ هذه النقطة في الاعتبار.

تتجسد النقطة الثانية التي لا تنفصل تماماً عن هذا السياق في أنه لمرة جديدة ومن دون إعطاء الإشاعات أي مصداقية، ربما تقدم الإشاعات مناسبة كي يعمل كل الضالعين في عمليات التخطيط الاستباقي، داخل روسيا، وخارجها على وجه الخصوص، على وضع احتمال موت بوتين بصورة مفاجئة في حساباتهم. وليس بالضرورة أن يحصل من خلال أنه أمر وشيك الحدوث، أو قابل لأن يتحقق يوماً ما بالطبع، بل بوصفه احتمالاً لا بد من البحث في تداعياته.

بالطبع، يواصل كثيرون عملهم ويتمنون رحيل الرئيس بوتين، منذ لحظة وصوله إلى السلطة حتى يومنا هذا. يأتي السياسي الروسي بوريس بيروزوفسكي الذي ينظر إليه بعضهم على أنه الشخصية "الأوليغارشية" الأولى، في طليعة من سعوا، بصورة مجازية، إلى الدعوة لإطاحة بوتين، انطلاقاً من مقر إقامته الآمن إلى حد ما في مدينة لندن. وكذلك تتمتع الشخصية المعارضة الحديثة نسبياً بالمقارنة مع بيروزوفسكي، أي المدون والمعارض للفساد أليكسي نافالني، بحضور [على الساحة الروسية] حتى من داخل سجنه. وفي وقت ما، من منفاه في العاصمة البريطانية، شكّل ميخائيل خضروكوفسكي، أحد أقطاب صناعة الطاقة الروسية والسجين السياسي أيضاً، أحد الأشخاص الذين يتطلعون إلى روسيا ما بعد بوتين بصورة فلسفية أكثر.

وفي مسار موازٍ، يود بعض الناس الإشارة إلى وجود عملية [لإطاحة بوتين] كادت أن تنجح، حينما قاد يفغيني بريغوجين، زعيم مجموعة "فاغنر" للمرتزقة، تمرداً لم يدُم طويلاً خلال يونيو (حزيران) الماضي، (حتى لو بدت فكرة أن يشكل بريغوجين زعيماً بديلاً أمراً غير واقعي في ذلك الوقت، وفق ما تابعناه في حينه). لكن جرى التخلص من تلك الشخصية المنافسة بسرعة كبيرة، وأزيح عن موقع القوة الذي كان يشغله، ثم جرى التخلص منه جسدياً.

في المقابل، إن مسألة إطاحة الزعيم الروسي، لأنه مهما قصرت المدة، فقد نجح أحدهم في أن يستولي على مقاليد السلطة، تمثل أمراً له شأنه. في المقابل، إن مسألة الموت المفاجئ، أو أن يصبح الرئيس غير قادر على مزاولة مهماته، فإن ذلك أمر مختلف.

هل يعلم أي أحد منا مثلاً، إن كان لدى الدولة الروسية فريق مكون وقابع في الظل، وعلى استعداد لتولي الأمور في مثل تلك الحال؟ خلال أعوامه الـ20 كلها التي أمضاها على رأس الهرم السياسي الروسي، لم يبدُ بوتين في أي يوم من الأيام بأنه لاعب ضمن فريق. لكن مجمل ظهورات بوتين العلنية منذ بداية الاجتياح الروسي لأوكرانيا، أبرزته بوصفه الحاكم الأوحد والمستبد بصورة متزايدة. ليس هناك نائب واضح له، أو حتى من يمكنه أن يظهر بمثابة راعي مؤسسة الحكم في الكواليس. كيف سيتم تبادل السلطة في روسيا؟ إلى من ستنتقل؟ هل سيحدث فراغ في الكرملين، أم نزاع على السلطة، أم ستجري عملية سلسة لانتقال السلطة تحظى بالإجماع؟ كم من الزمن قد يتطلبه ذلك، وما تأثيره في روسيا، وأوكرانيا، وفي بقية أنحاء العالم؟   

 

لم يخفِ الجميع في أوكرانيا، وحتى الرئيس زيلينسكي، تمنياتهم بأن يرحل بوتين في أجل قريب. ولكن هل سيكون أي شخص غير الرئيس بوتين، ومن المستبعد أن يكون ذلك الشخص جديداً على السلطة، أو أن يكون قلقاً حيال قدرته على الإمساك بزمامها، في موقع قادر على تغيير مسار روسيا في الحرب؟ هل سيرغب من سيخلف بوتين في تحقيق السلام بالضرورة، في الأقل ضمن المراحل الأولى؟ ألا يمكن أن يستشعروا إمكان تحقيق مصالحهم الفردية ومصالح روسيا بصورة أفضل من خلال مواصلة هذه الحرب بإصرار أكبر؟

لقد نجح الرئيس بوتين حتى اليوم في تصوير نفسه بوصفه النمر القومي الروسي بصورة معقولة إلى حد كبير. وبالتالي، يصعب تصور أن يعمد أيّ ممن سيصار إلى ترفيعه فجأة إلى منصب الرئيس، إلى اختيار تغيير المسار بصورة مباشرة، أو حتى بصورة أقل من ذلك، أن يقدم على ما قد ينظر إليه على أنه تنازلات، إما إلى أوكرانيا أو إلى داعميها من الدول الغربية. وقد يصاب بالإحباط أولئك الذين يتمنون، أو حتى يتوقعون، أن تنبت روسيا أكثر ليبرالية في حقبة ما بعد بوتين. ومن المؤكد أن عكس ذلك قد يكون حقيقياً.

ولكن من جديد، هناك أسئلة لا بد من طرحها عن مدى قدرة روسيا على الصمود ربما، في حال وقوع فراغ مفاجئ في رأس هرم السلطة. كذلك يعتقد بعض المراقبين الغربيين لما يجري في الكرملين بأنه في حال الهزيمة العسكرية قد تتفتت روسيا مثلما حدث للاتحاد السوفياتي في وقت سابق. بالنسبة إلى بعضهم، يثير ذلك الأمر مخاوف كثيرة. وبالنسبة إلى آخرين، يجسّد ذلك ما يتمنون وقوعه. ومن المستطاع قول الأمر نفسه بخصوص روسيا من دون بوتين.

شخصياً، أشك بحدوث مزيد من التجزئة. بالنسبة لي، إن روسيا اليوم تبدو كأنها قائمة ضمن حدود تشبه ما يمكن اعتباره حدودها الطبيعية، مع بقاء حدودها مع أوكرانيا حصرياً في طور الحسم، ربما من خلال القوة العسكرية. في المقابل، ليس من المستطاع نفي ظهور نوع من سيطرة مركزية أخف. على رغم كل الجهود التي يبذلها بوتين، إن مركزية السلطة في روسيا في فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي لم تكن يوماً قوية بصورة كافية. وحتى لو سعى بعض القادة الإقليميين إلى استغلال أي غياب في السلطة في الكرملين لانتزاع مزيد من السلطات لأنفسهم، فهل ستتمدد حال عدم الاستقرار التي تنتج من ذلك إلى مناطق القوقاز وسيبيريا ومناطق البحر الهادئ الروسية والمناطق المحاذية للأراضي الصينية؟

وماذا عن دور روسيا العالمي في حال ظهور حكم له سلطة مركزية أخف، أو غياب أي نوع من السيطرة من موسكو؟ أو ماذا ستكون عليه روسيا من دون قائد مخضرم وذي تجارب ومعروف مثل بوتين؟ على رغم كل الجهود الغربية الساعية إلى عزل روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، لم يخسر الرئيس بوتين سوى قليل من تأثيره أو مكانته في مناطق أخرى من العالم، ونجح أيضاً في تقوية علاقاته مع الصين والهند وأجزاء من الشرق الأوسط. وفي وضعها الحالي، يعتمد ثقل روسيا على مستوى العالم، على بوتين، وإلى أي مدى يعبّر ذلك الثقل أيضاً عن حجمها الجغرافي الضخم؟ وربما نرى الإجابة عن ذلك قريباً.

لقد كانت هناك مراحل، ودول عدة من دول الاتحاد السوفياتي السابق مرت بتلك التجارب أيضاً، حينما بدا التنبؤ بأن انتقال السلطة من يد حاكم مستبد قد يكون أمراً معقداً، وربما يؤدي إلى انزلاق الوضع إلى حرب أهلية، ولكن الأوضاع في النهاية سارت بصورة مختلفة تماماً. وعلى عكس التوقعات كافة، لقد تلا موت ديكتاتور تركمانستان السابق صابر مرات نيازوف الذي اعتاد وصف نفسه بأنه "تركمان باشي"، انتقال سلس للسلطة في 2006. وفي أذربيجان، حل مكان الرئيس الذي عمر طويلاً في منصبه حيدر علييف، نجله الذي تسلم السلطة قبل فترة قصيرة من موته عام 2003.

في روسيا، قد يتمثل المخرج الأكثر أناقة، في ألا يسعى بوتين إلى الفوز بفترة رئاسية جديدة في الانتخابات الرئاسية المقبلة والمقرر إجراؤها في مارس (آذار) المقبل. وإذا استمرت الحرب في أوكرانيا، فمن شأن ذلك ألا يشجع على إجراء عملية تغيير في السلطة. هذا إذا اعتبرنا أن وضعه الصحي سيمنحه حرية الاختيار. في المقابل، ليست مرّة أولى القول إن الحسم في ذلك الشأن، ما زال أمراً مجهولاً.

© The Independent

المزيد من آراء