Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"السماحة"... قرية مصرية للنساء فقط

وزارة "الزراعة" خصصتها لهن منذ 1998... ونقص المياه أبرز منغصات الحياة 

إحدى سيدات قرية السماحة أثناء عملها بالزراعة (المجلس المحلي لمركز ومدينة إدفو)

لافتة كتب عليها "قرية السماحة ترحب بكم"، تبعد عن مدينة أسوان بنحو 120 كيلومترا بوادي الصعايدة التابع لمركز إدفو. كلمات قليلة حملتها اللافتة لكنها تحمل معنى معاكسا لها وهو "عدم السماح بدخول الرجال"، وعلى عكس الصورة الطبيعية في مجتمعات متكاملة، إذ لا يسكن هذه القرية سوى النساء المطلقات والأرامل وأطفالهن، بل تخرج منها السيدات اللاتي يقررن الزواج مرة أخرى حيث ممنوع على المتزوجات الإقامة بها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يرجع أصل قرية السماحة إلى عام 1998 ضمن 6 قرى بمشروع وادي الصعايدة، الذي أقامته وزارة الزراعة لتنفيذ مشروع التنمية المستدامة لتحويل وادي الصعايدة إلى مناطق ريفية جاذبة متكاملة الخدمات من خلال تبني فكرة الزراعة الأورغانك، والتصنيع الزراعي، وتصدير المنتجات لتنمية قرى الصعيد وزيادة المشروعات المنتجة هناك، وخلال هذا المشروع تم تخصيص قرية السماحة للمطلقات والأرامل المعيلات وأطفالهن ومنحهن مساحات من الأراضي لاستغلالها وبعض الإعانات لبدء حياة جديدة من خلال قدرتهن على إعالة أنفسهن مثل منحهن بعض الماشية وغيرها من المعونات التي تمكنهن من بدء مشروعاتهن الصغيرة.

 

 

سيارة مياه

سيدات يصطففن في طوابير يحملن أواني خلف سيارة مياه في انتظار القليل من الماء، على هذا النحو يستقبلن النساء العيد في مشهد متكرر داخل قرية السماحة، ودموع إحداهن تسيل على خديها لعدم حصولها على حصة من المياه في قرية خصصت للنساء دون استكمال بنيتها التحتية، بينما تعتلي الابتسامة وجوه الأخريات بملابسهن المبللة.

تقول منى أحمد، ثلاثينية مطلقة، وتعول طفلين، "على الرغم من أن المساعدات والإعانات التي تمنحها لهن الدولة والمجهودات في توفير حياة جديدة، فإنه ينقصهن الكثير من البنية الأساسية كمد مواسير المياه داخل القرية، التي تعد أكبر معاناة لهن لتستمر الحياة"، مؤكدة "أن سيارة المياه تأتي مرة واحدة كل أسبوع وما يحملنه من أواني لا يكفي احتياجاتهن اليومية".

تتابع "أحيانا قد لا نستطيع اللحاق بهذا القدر القليل من المياه، لتتضاعف المعاناة في أبسط الاحتياجات اليومية من اغتسال وطهي الطعام ونظافة المنزل وغسل ثياب الأطفال الصغار التي تؤثر فيهم الإصابة بالأمراض في شكل متكرر، بالإضافة إلى أن ملوحة المياه بالقرية يستطعن تحملها، لكن أطفالهن يتأثرن بشدة منها، ولكن ما باليد حيلة".

 

 

وجود مؤقت للأطفال

 موسى، الطفل الصغير صاحب السنوات الخمس، يدور حول والدته في ضحكات متتالية ولا يعلم أنه في سن محددة سيطبق عليه شرط "ممنوع على الرجال"، فهي قرية لا تطرد النساء اللاتي يرغبن في الزواج من جديد فقط، بل لا مكان للرجال في سن محددة وبشروط موضوعة مسبقا، حيث يظل أبناء المنتفعين منها فقط لحين الزواج وغيرها من الشروط التي لا تسمح بوجود سوى المطلقات والأرامل المعيلات بأولادهن في معزل عن مجتمع متكامل.

 تقول إيمان، أرملة عشرينية، وتعول ثلاث أطفال، "إنها تتردد كثيرا في قرار الزواج الثاني من أحد أقربائها، وكثرة إلحاح والدتها عليها حتى يشاركها قريبها المنفصل حِمل الأطفال ومسؤولياتهم معها، لكنها تخشى ترك كل شيء وراءها ومشروعها التي تكبدت فيه العناء، لأن من تفكر في الزواج مرة أخرى تطرد خارج القرية".

حبل مدلى بين جزعي شجر يعتليه أحد الأطفال في سعادة للاحتفال بالعيد وقطعة إسفنجية يضعها أسفله تقيه خشونة الحبل لكنها تنزلق بسهولة مرارا وتكرارا ليحملها من جديد، ويلعب على الرغم من تنغيصها فرحته. على الجانب الآخر يتجمع الأطفال حول عدد من الأحجار يكوّنون منها أشكالا وألعابا وفق خيالهم الطفولي ويسمون كل حجر على اسم دمية مختلفة ويسرحون بخيالهم في خلق القصص حول أبطال من الحجارة بضحكات طفولية تحاول جلب البهجة من اللا شيء، تاركين الواقع لأمهاتهم اللاتي ينظرن لهن في عجز وابتسامات باهتة.

 

 

الماشية ليست للذبح

على الناحية المقابلة تتجمع نساء القرية أمام رقعة زراعية تتوسطهن الحاجة عزة، التي تعد أقدم النساء في القرية، وسط وجود عدد من الماشية غير المخصصة للذبح أو الطعام، فالماشية لديهن للإنتاج حتى تستمر الحياة، إذ يعتمدون على تسمينها وبيع ما تجود به لهم في الأسواق الخاصة بالقرى المجاورة التي يسيرن لعدد من الكيلومترات كي يجدن مواصلة تقلهن إليها، فالصمود على الرغم من بدائية المكان هو عامل مشترك لدى سيدات "السماحة".

تؤكد الحاجة عزة، الستينية، "أن معظم السيدات اللاتي تعشن في القرية وتتحملن عبء حياة بها، استمرارهن ليس بسبب يسر الحياة هنا، لكن لأن ليس لديهن مأوى سواها، لذا يتكبدون مرارة العيش فيها".

تضيف الحاجة عزة "أن مشكلة المياه أصبحت تحوّل كل شيء للأسوأ، وتسببت في مغادرة الكثيرات منهن للقرية، ولم يبق منهن سوى ثلث عدد السكان تقريبا بسبب سوء الحياة في القرية"، وأشارت إلى "أننا نحاول قدر استطاعتنا أن نجعل أيام العيد يغمرها الفرح على أولادنا حتى نخفف عنهم شقاء وقسوة الحياة، لكننا نتمسك بالصبر أمام كل ذلك على الرغم مما آلت له أوضاعنا حيث لا نملك سواه".

 

 

وبحسب المهندس حمدي الكاشف، المراقب العام لمشروعات الاستصلاح الزراعي بمصر العليا، "فإن قرية السماحة تستوعب أكثر من 300 أسرة من أسر النساء المطلقات والأرامل المعيلات وأولادهن واللاتي، وتمنح الدولة كل أسرة قطعة أرض مساحتها 6 أفدنة ملحقة بمنزل، كما يمنح المشروع نساء القرية العديد من المساعدات مثل الأثاث والمفروشات المنزلية الأساسية، وأدوات الزراعة من جرارات وغيرها من الماكينات الأساسية لحرث الأرض وزراعتها بالإضافة إلى قروض صغيرة وقروض أخرى تسمى قروض الإنتاج الحيواني وهي تشمل 5 أغنام وكبش".

 ويؤكد الكاشف "أن المشاكل والاحتياجات التي يعانيها أهل القرية هي مشكلات تخص الهيئات الأخرى، مثل مشكلة الرعاية الصحية والمياه، وحاولنا مرارا حل المشكلات من خلال اجتماعات مستمرة مع المجلس المحلي، وغيره من الهيئات المسؤولة في محاولة إيجاد حلول على قدر استطاعتنا ولكن تظل حل المشكلات مرهونة بالإمكانيات المتاحة".