الكاتب الفرنسي إكزيوبري خاض عالم الليل من وراء مقود طائرته

رواية رمزية تسعيد عالم الطيران واسراره

الكاتب والطيار الفرنسي إكزيوبري أمام طائرته (يوتيوب)

رواية "طيران ليلي"  للطيّار والكاتب الفرنسي الشهير أنطوان دوسانت إكزوبيري، ترجمة وليد السويركي ( الدار الأهلية، عمّان )، رواية تدور، مثل روايات هذا الكاتب الطيّار، في عوالم الطيران وشركاته، والطيّارين وهمومهم. ومنذ البداية نحن أمام شخصية ريفيير "بطل"، وهو الشخصية القيادية المحيّرة، شخصية القائد المُغامر بحياة الطيّارين لإحراز "انتصاراته" في ساحة صراع تجاريّ شرس، وفي كلمة معبّرة عن فهمه لدوره في ميدان حروب المواصلات يقول "إنها بالنسبة إلينا مسألة حياة أو موت، فنحن نخسر كلّ ليلة ما نحرزه من تفوّق خلال النهار على السكك الحديدية والسفن".

إكزوبيري الذي اشتُهر بروايته "الأمير الصغير"، يقدّم هنا عوالم مختلفة، هي عوالم شركات الملاحة الجوية وسباق السرعة مع وسائل النقل الأخرى، وقد جاءت عبر تأمّلات وسرد وحوارات أجاد المترجم التعامل معها بلغته العربية ذات النفس الشاعريّ، فضلاً عن دقّة في التعبير لا غبار عليها، فهو المترجم المتمرّس والشاعر البديع، ما يجعلنا حيال عمل يبدو كما لو أنه صِيغ بالعربية أصلاً، على الرغم من صعوبة العمل الروائي لجهة تقلّب حوادثه ومناخاته، ولغته التي تنطوي على الكثير من التصوير والتشبيهات الغريبة.

في مقدمة للعمل كتبها الشاعر والمسرحيّ الفرنسي أندريه جيد، يلتقط خطر الطرق الجوية المفروشة بالمفاجآت، الخطر الملموس، وغموض الليل الغدّار، وتصوير المغامرة المأسوية لأحد روّاد الطيران، والنبرة الملحمية للعمل. ويحاول جِيد التقاط التناقض في شخصية ريفيير "الصارمة والإنسانية في آن"، من خلال عبارات يردّدها هذا القائد في صورة حكَم "ليست سعادةُ الإنسان في الحرية، وإنّما في تقبُّل واجب ينهض به"، أو مخاطبته من يقودهم "أحبِبْ مَن تقودُهم، ولكن من دون أن تخبرهم بذلك"، أو أكثر من ذلك "الشعور الغامض بواجب ما هو أعظم من الحبّ". ويستخلص أندريه جِيد أنّ سانت إكزوبيري يروي "عن معرفة"، وأنّ المواجهة مع خطر متكرر تمنح كتابه هذا نكهة أصيلة لا تقبل التقليد. إنّه "قيمة أدبية وقيمة توثيقية تمنحان الرواية أهميتها الاستثنائية".

مغامرة الليل

الرواية هي تفاعل مجموعِ ثلاث وعشرين من "الحركات" السردية، هبوطاً وصعوداً، بما يعكس حركات حكاية الطيّار فابيان ورحلته الليلية، رحلة/ مُجازَفة يفرضها عليه، وعلى طيارَين آخرَين، ريفيير، الطيار والمحارب القديم، المسؤول عن الشبكة كلها. في البداية نحن حيال وصف للمكان والفضاء، ثم الاستعداد للهبوط في سان جوليان... وفي حين يعود الطيّاران، يفقد فابيان الاتصال مع "المحطّة"، وهو يصارع عواصف الثلج والضباب، فيما المطار يشهد حال ارتباك وسط انتظار إقلاع طائرة أوروبية.

بداية الرحلة يبدو فيها فابيان "أشبه بفاتح يتأمّل... أراضيَ إمبراطوريّته"، ثم "ودّ فابيان لو يعيش هنا طويلاً، فيأخذ حصّتَه من الأبديّة هنا". لكنّ الرحلة تشهد الحدث الدراميّ، بل التراجيديّ، المتمثل في سقوط فابيان ومساعده في "عين العاصفة"، كما يقولون، بل هي عواصف تضرب الطائرة من جهاتها الأربع. وننتقل مكانيّاً وزمنيّاً بين فضاء فوق مدن الأرجنتين وغيرها، حيث الطائرة "هائمة" بلا أيّ تحكّم من الطيّار الذي انقطع اتصاله بالعالم، وبات حلمه الوصول إلى أيّ "نور" وأيّ يابسة يرتطم بها. ولكن ليس ثمّة سوى "التيه". ونظلّ نتنقّل بينه في فضائه المغلق، وبين الأرض ومقرّ الشبكة حيث ريفيير الحائر المهزوم أمام هذه المغامرة، ومع ذلك يجد ما يبرر عدم شعوره بالذنب. ولعلّه يحمّل فابيان مسؤولية ما في المصير الذي آلَ إليه.

وما بين طائرة تخطّفتها الأعاصير، وبين أرض حائرة وعاجزة عن فعل شيء للإنقاذ، تحضر زوجة فابيان لتفضح عجز ريفيير وادّعاءه البطولة، تحضر الزوجة لتستعيد حياتها القصيرة مع فابيان، حياة زوجية لا تزيد على أسبوعين ربما، لكنها كانت فترة غنية بالحب والسعادة، وها هي تفتقدهما بسبب مغامرة "السوق" الشرهة لتحقيق الأرباح بأيّ ثمن "فالغاية عند ريفيير تحكم كل ما عداها" (الميكافيليّة إذن). وها هي تقف أمام ريفيير الصامت بعجز، تقف عاجزة عن فعل شيء سوى السؤال عن مصير زوجها، المصير المجهول لدى الجميع، فتنسحب خائبة الأمل بهذا "المحارب"! لكنّها، في أحد تأمّلاتها (مونولوغ) تتساءل باستهجان لسلوك ريفيير "أي مادة مقدّسة يعبث بها الإنسان من دون أن يدري في سعيه للفعل والإنجاز"؟ وهذه هي إحدى الخلاصات التي تسعى الرواية، والروائيّ، لاستخلاصها والوقوف عندها.

ولفهم شخصيته أكثر، تتردد في الرواية عبارات كثيرة تكشف عن جوانب الخير والشرّ فيه، الإنسان القائد السّاعي إلى "إنتاج" تابعين أفذاذ، فقد اعتاد ريفيير القول "إذا كان أرق الموسيقى يجعله يصنع أعمالاً جميلة، فأنعِم به من أرق". وبخصوص كارثة الطائرة نقرأ أن ما يعنيه هو موقفه نسبةً إلى موقف خصومه، حيث إنّ "وقوع كارثة في باتاغونيا يجعل خصومه في موقف أخلاقي بالغ القوة"، وهو لا يريد الوصولَ إلى هذه النتيجة "الأخلاقيّة". وربّما كان من بين أقسى عباراته التي تنمّ على قسوته قوله "إذا كانت حياة الإنسان لا تقدّر بثمن، فإننا نتصرّف دوماً كما لو أن ثمة شيئاً ما يتجاوز في قيمته الحياة الإنسانية، ولكن ما هو هذا الشيء؟ شعور غامض بواجب أعظم من الحب".

في النهاية، وبعد اعتكاف ذليل له على أثر هزيمته، يعود ريفيير للعمل، فيجري "الكف عن انتظار طائرة باتاغونيا/ فابيان التي اختفت"، ونجد "طائرة أسنسيون تهبط بسلام، وطائرة أوروبا ستنطلق…"، لذا نشعر بالسخرية المريرة والسوداء إذ يعود إليه الشعور بالعظمة، فيعود هو ذلك "ريفيير العظيم... الظّافر، حاملاً على ظهره عبء انتصاره الثقيل". فهذا النوع من "المحاربين" لا يعرف الهزيمة، ويواصل "انتصاراته الدموية".

المزيد من ثقافة