ملخص
خلال حواره مع "اندبندنت عربية"، يكشف القميشي عن كواليس ذلك اللقاء التشاوري الذي حيد المحافظة عن صدام كان وشيكاً بين القوات التابعة للشرعية (درع الوطن) وأطراف أخرى، ويوضح كيف استطاعت القبيلة أن تكون "صمام أمان" للدولة في لحظة فارقة.
في بلدة "خبر لقموش" بمديرية حبان، حيث تتقاطع الجغرافيا القبلية الوعرة مع تعقيدات السياسة اليمنية، كان منزل وكيل محافظة شبوة وأحد أبرز وجهائها الشيخ ناصر القميشي مسرحاً لقرار لم يكُن عادياً، ففي ذلك المجلس الذي غص برؤوس القبائل من مختلف مديريات المحافظة، لم تكُن الرصاصات هي التي تتكلم، بل كان "صوت العقل" هو الذي ينسج خيوط النجاة لمدينة كادت أن تنزلق إلى صراع عسكري لا يبقي ولا يذر.
خلال حواره مع "اندبندنت عربية"، يكشف القميشي عن كواليس ذلك اللقاء التشاوري الذي حيد المحافظة عن صدام كان وشيكاً بين القوات التابعة للشرعية (درع الوطن) وأطراف أخرى، ويوضح كيف استطاعت القبيلة أن تكون "صمام أمان" للدولة في لحظة فارقة.
مصلحة شبوة في "الإجماع"
ويروي القميشي اللحظات الحرجة التي سبقت خروج البيان التاريخي، مؤكداً أن ما أخرج شبوة من فوهة الصراع "حكمة عقلاء المحافظة من سلطة وشخصيات سياسية واجتماعية وثقافية"، ويقول "كانت لديهم قناعة راسخة بأن مصلحة شبوة تكمن في الإجماع وليس في الاختلاف، وأن الجميع يجب أن يقف إلى جانب قيادة الشرعية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي".
#بيان | قيادة القوات المشتركة للتحالف "تحالف دعم الشرعية في اليمن": نرحب ببيان محافظ شبوة بتأييد التحالف pic.twitter.com/I28uyxsnwG
— المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف (@CJFCSpox) January 3, 2026
وهذا اللقاء لم يكُن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل كان "خطة إنقاذ" نابعة من استشعار الخطر في المحافظات الشرقية، ويشرح القميشي "ناقشنا الوضع الراهن بوضوح، وكان هدفنا الحفاظ على المحافظة من الانزلاق، لتظل شبوة في الصدارة لصون الشرعية الدستورية".
تمثل شبوة حلقة الوصل الجغرافية الأكثر حساسية بين شمال اليمن وجنوبه بحكم موقعها الذي يتقاطع مع محافظات شمالية مثل مأرب والبيضاء، وجنوبية مثل أبين وحضرموت، مما جعلها تاريخياً ممراً للقوافل والتجارة، وحولها في السياق المعاصر إلى عقدة استراتيجية تتحكم بحركة التواصل والربط بين الشطرين، بما يمنحها وزناً سياسياً يتجاوز حدودها الإدارية، فضلاً عن إمكاناتها الاقتصادية المتنوعة بين الطاقة والغاز والميناء.
وعلى المستويين الأمني والعسكري في صراعات اليمن الحديثة، تؤدي المحافظة دور المنطقة العازلة بين مناطق نفوذ الحوثيين في الشمال ومراكز الثقل في الجنوب، وتمثل كذلك خط دفاع متقدماً عن حضرموت وعدن في آن واحد. والسيطرة على المحافظة تعني عملياً التحكم بخطوط الإمداد البرية وتأمين أو تهديد طرق الطاقة والساحل الجنوبي، مما يفسر شدة التنافس عليها ضمن الصراع اليمني وتعقيداته الإقليمية.
جنوبي ولكن ضد "الانفصال"!
عن التحركات الدبلوماسية المرتقبة، يبدو القميشي متفائلاً بدعوة الرئيس العليمي إلى عقد مؤتمر حوار "جنوبي- جنوبي" في الرياض، ويعدها "فرصة تاريخية" للدخول في معالجة القضية الجنوبية بصورة جوهرية.
ويقول في هذا الصدد "نحن على أمل، ومن خلال جهود الأشقاء في السعودية الذين يحرصون دائماً على وضع الأمور في نصابها، أن نجد مخرجاً يلبي طموحات أبناء الجنوب، بعيداً من لغة التصادم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وضمن الجزء الأكثر صراحة من الحوار، وضع القميشي يده على الجرح النازف في الخريطة السياسية الجنوبية، وبسؤاله عن سقف المطالب الجنوبية اليوم وما إذا كان "الانفصال" لا يزال خياراً واقعياً بعد ما وصف بـ"مغامرات" عيدروس الزبيدي، أجاب القميشي بوضوح "أنا حقيقة لا أرى انفصال جنوب اليمن عن شماله. المخرج الواقعي يكمن إما في الأقاليم أو حكم محلي واسع الصلاحيات. أما العودة بالجنوب لما قبل عام 1990، فلا أعتقد بأنها ممكنة، فضلاً عن أن استمرار الوحدة بصورتها الحالية بعد عام 90 لم يعُد خياراً".
ويرى الزعيم القبلي أن الأزمة بحاجة إلى "مخرج سلس" لا تنتج منه حروب وتناحر، منتقداً التوجهات التي اتسمت بالتهور، فقال "كفى ما قد حصل، وما تهور فيه الزبيدي وتجاهل بسببه مواقف الأشقاء ودعواتهم".
الدور القبلي سند لا بديل
ويختتم القميشي حديثه بتحديد بوصلة المرحلة المقبلة، مشدداً على أن دور مشايخ القبائل والوجهاء اليوم هو "رص الصفوف" خلف الشرعية والتحالف لقطع يد التدخلات الإيرانية عبر الميليشيات الحوثية.
وأضاف أن "التوحد أمام التحديات والوقوف صفاً واحداً إلى جانب قيادة الشرعية والتحالف العربي بقيادة السعودية ضروريان بهدف القضاء على الحوثي وقطع يد إيران في المنطقة، واستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون لحضن اليمن، ليعود البلد لمربعه العربي الطبيعي. فمصلحة اليمن تكمن مع أشقائه العرب، وفي مقدمتهم السعودية، لا مع أية أطراف أخرى".
ورأى من هذا المنطلق أن الوجهاء "تقع على عواتقهم مسؤولية أن يكونوا سنداً حقيقياً للسلطات المحلية وللرئاسة والحكومة، وأن يسهموا بفاعلية في مسار البناء والنهوض باليمن عموماً، وبالجنوب على وجه الخصوص الذي أنهكته أعوام من حرب الميليشيات الحوثية".
ويرسل القميشي رسالة أخيرة إلى زعماء الجنوب الآتين إلى طاولة الحوار في الرياض، فيقول "انتهزوا هذه الفرصة، واجتمعوا على كلمة سواء لمصلحة أهلكم، واخرجوا بمخارج تلبي الطموحات بعيداً من المغامرات غير المحسوبة".
من الإنجليز إلى الحوثي
لا ينطلق القميشي في تحركاته السياسية والاجتماعية من فراغ إداري بصفته وكيلاً لمحافظة شبوة وحسب، بل يستند إلى إرث ضارب في الجذور لقبائل "لقموش" (حِمير)، التي كثيراً ما كانت "الرقم الصعب" في معادلات الشرق اليمني.
يُعرف وكل محافظة شبوة في الأوساط اليمنية بأنه "رجل المهمات الصعبة" الذي استطاع تحويل الثقل القبلي من قوة صدام عسكرية إلى "سلطة أخلاقية" ووساطة سياسية، وهذا الدور لم يأتِ بمحض الصدفة، بل هو امتداد لتاريخ عائلي وقبلي طويل في مقاومة الانكسار، فقبيلة "لقموش" التي ينتمي إليها سجلت صفحات ناصعة في تاريخ المقاومة ضد المستعمر البريطاني خلال ستينيات القرن الماضي، وهي الروح ذاتها التي استُحضرت قبل أعوام قليلة حين وقفت قبيلته سداً منيعاً أمام تمدد الميليشيات الحوثية، وخاضت معارك شرسة لحماية تخوم شبوة، مقدمة تضحيات جسيمة في سبيل منع "المد الإيراني" من موطئ قدم في جبالها ووديانها.
وهذا الرصيد النضالي منح القميشي "مشروعية تاريخية" أتاحت له ممارسة "دبلوماسية الجاه"، ففي اللحظات التي تعجز فيها السياسة وتتوقف لغة الدولة، يضع القميشي "جاهه" القبلي وتاريخ أسلافه على طاولة المفاوضات. ولقد برع في استخدام هذا الإرث لإصلاح ذات البين وحل النزاعات القبلية المعقدة، وربما كان دوره الأخير في نزع فتيل المواجهة بين القوى المنضوية تحت لواء الشرعية هو الاختبار الأبرز لمدى قدرة "الوجاهة" على كبح جماح "المغامرات العسكرية".
واليوم، يرى القميشي أن دور الزعيم القبلي لم يعُد يقتصر على قيادة المقاتلين، بل في أنه "مهندس سلام" ووسيط يربط بين تطلعات المجتمع المحلي واستحقاقات الإقليم والدولة، مما يفسر ثبات موقفه تجاه "وحدة الصف" وتجنب الصراعات البينية التي استنزفت الجنوب اليمني لأعوام.