الحكومة البريطانية متهمة بمحاولة تبييض صفحة برنامجها لمكافحة التطرف

منظمات حقوق الإنسان تتهم الحكومة بـ " التستر على العملية"

صورة لشرطة لندن بجوار مجلس العموم البريطاني وبرج الساعة "بيغ بن" (رويترز)  

حذرت منظمات لحقوق الإنسان الحكومة البريطانية بأن المراجعة التي أعلنت عن إجرائها لبرنامج "“بريفنت”"،  لمنع التطرف ومكافحته، باتت مهددة بالتحول إلى نوع من تبييض صفحة البرنامج المثير للجدال .

وكانت وزارة الداخلية البريطانية قد أعلنت أن المراجعة ستبدأ في شهر يناير(كانون الثاني) الماضي، وذلك بعد سنوات من رفض المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان ومقاومة الدعوات الملّحة لتطوير البرنامج.

في التفاصيل، اتهمت عشر منظمات معني بعضها بحقوق الانسان وبعضها الآخر بالكيانات المجتمعية، الحكومة بتعيين "مُراجِع مستقل للبرنامج" بطريقة سرية . جاء ذلك في رسالة وجهتها إلى براندون لويس، وزير الدولة لشؤون الأمن، اطلعت صحيفة "اندبندنت" عليها بشكل حصري.

ومن جانبهم، أفاد وزراء الدولة المعنيون بأن ضغوطات الوقت قد أدت إلى تأخيرالإعلان عن التعيين ومن المقرر أن يجري ذلك الأسبوع الماضي، وأن وزيراً الداخلية سيختار شخصاً مناسباً لهذا العمل .

وجاء في الرسالة التي وقعتها منظمات مثل "ليبرتي" (الحرية) ، و "اندكس اون سَنسَرشِب" (مؤشر على الرقابة) و"المجلس الإسلامي لبريطانيا"،  أن "هذه الإغفالات ككل لا تدعو إلى الثقة في أن الحكومة تسعى إلى تعيين مُراجِع يتمتع بالخبرة والاستقلالية المطلوبة لإجراء تدقيق معمّق لمنطق، وصلاحيات وتأثير برنامج “بريفنت” لمنع التطرف ومكافحته... ونظرا لسعة وعمق هذا الهاجس، فإنه من الضروري للغاية أن تكون المراجعة مستقلة عن الحكومة بشكل فعلي".

وقالت المنظمات الموقعة على الرسالة إنها لم تُستَشر بما يخص الإطار المرجعي الذي سيحدد نطاق  المراجعة.

وفي هذا السياق أشارت الرسالة إلى أن "مجموعة واسعة جدا من الأفراد والمنظمات أثارت مخاوف حول تأثير استراتيجية برنامج ‘“بريفنت”‘ ،  بمن فيهم سياسيون من الأحزاب كلها، وموظفون في مجالي الصحة والتعليم، وأعضاء في المؤسسة الأمنية، وأشخاص من كيانات مجتمعية مختلفة، تأثرت بصورة غير متكافئة بسياسة مكافحة الإرهاب".

 وطالبت الرسالة بأن تشتمل مراجعة برنامج “بريفنت” لمنع التطرف "الافتراضات المضمرة والأساس الذي تقوم عليه الأدلة، ومضامين البرنامج بما يخص حقوق الانسان، وأخيرا، في ما إذا كان يفي بالغرض الذي صيغ من أجله".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت المراجعة اُقتُرحت في سياق تعديل مجلس اللوردات لقانون مكافحة التطرف وأمن الحدود، الذي أُقرّ من دون التصويت عليه في مجلس العموم،  وهو ينصّ على تجريم الإطلاع على مادة دعائية للإرهابيين ولو لمرة يتيمة.

من جانبه، اتهم إد ديفي المتحدث باسم الديمقراطيين الأحرار للشؤون الداخلية، الحكومة بفشلها في التشاور بشكل مناسب بما يخص المراجعة.  وقال إنه "سيئ بما فيه الكفاية أن يُجبر البرلمان  حكومة المحافظين على إجراء مراجعة لاستراتيجية برنامج “بريفنت”، بل حتى أن الأسوأ من ذلك هو أن وزراء الدولة من حزب المحافظين يبدون وكأنهم يحاولون تزوير النتيجة". وأضاف أنه "ما لم تغير الحكومة نهجها، فإن هناك خطرا حقيقيا قويا من أن تصبح هذه المراجعة عبارة عن محاولة لتبييض صفحة البرنامج ما سيفاقم المخاوف العامة حول السياسات المتبّعة لمكافحة التطرف".

أما أفضال خان، وزير الدولة لشؤون الهجرة في حكومة الظل العمالية فقال إن المراجعة يجب أن تكون "شفافة تماما" وواسعة الصلاحيات. وأضاف أنه " في الوقت الذي تكون هناك حاجة ماسة لاستراتيجية أمنية فعالة، فإنه من الضروري أن يتفاعل برنامج “بريفنت” مع الكيانات المجتمعية والأفراد فالغرض منه تقديم الحماية لهم لا أن يكون ضدهم".

أما مارتا سْبَريير مديرة منظمة "ليبرتي" فأشارت إلى أن الحكومة تجازف بـ "عرقلة" المراجعة قبل أن تبدأ.  ورأت أن " العملية أحيطت بالسرية، شانها شأن استراتيجية برنامج “بريفنت” نفسها، ما أثار مخاوف من أن الحكومة تحاول حمايته من أي تدقيق هو في أمس الحاجة إليه". وأضافت أن " “بريفنت” هو عبارة عن سياسة خاطئة تهدف إلى كبح حرية التعبير ونشر الخوف وعدم الثقة، وتشجع على التمييز. هذه المراجعة فرصة ضرورية للتفكير العميق والإصلاح".

في المقابل، اتهم بَن والاس، وزير الدولة السابق لشؤون الأمن، المنتقدين بالاعتماد على "معلومات مشوهة وأدوات تلاعب سياسي" ضد برنامج “بريفنت”  الذي يسعى إلى وضع حد لانجذاب الأشخاص إلى التطرف بأنواعه كافة.

وفي هذا الصدد كان والاس قد قال في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي  إن "الكيانات المجتمعية في شتى أنحاء البلاد تقف إلى جانب سياسة مكافحة التطرف، وهي تسهم في تنفيذها لأنها تريد، مثلنا، حماية شبابها من الاستمالة والاستغلال من قبل الإرهابيين". وأضاف أن "برنامج “بريفنت” لا يستهدف جماعة أو آيديولوجية محددة، لكنه ككل أشكال الحماية الأخرى، يُطّبق كل يوم على يد مختصين اجتماعيين ومدرسين وعناصر شرطة". وزاد "أنا فخور لأني ساعدت على حرف مئات الأشخاص بعيداً عن توجه كان سيجعلهم يشكلون  تهديدا حقيقيا وإعادتهم إلى طريق العيش الكريم واحترام القانون".

وكان ديفيد كاميرون رئيس الوزراء الاسبق قد اعتمد في عام 2015 المتطلبات القانونية التي تُلزم المؤسسات بما فيها المدارس وخدمة الصحة الوطنية والبلديات، بإبلاغ برنامج “بريفنت” لمنع التطرف ومكافحته عن أي شخص يُشتبه بتطرفه، ما أثار حينها مثيرا عاصفة من من الاتهامات بأن الدولة  تبارك ممارسة التجسس.

ولاتزال هذه الاستراتيجية مثيرة للجدل في قطاع التعليم بشكل خاص، إذ أن أكاديميين قالوا لـ "  اندبندنت" أن الكادر التعليمي والطلاب فرضوا رقابة على دراساتهم كما كبحوا كل النقاشات.

كذلك اتهمت بعض المجموعات الناشطة برنامج “بريفنت” " باستهداف المسلمين وتحديد سقف واطئ أكثر مما ينبغي للتدخل في شؤونهم، في حالات تشمل على سبيل المثال صبيا أخطأ في لفظ كلمة "خيار" (كْيوكَمبَر) بقوله "كوكر بومب" (قنبلة الطباخ) وأُبلغ البرنامج بالحادث فوجّه انتقادات حوله.

بل حتى أنصار البرنامج أقروا بأن غياب الشفافية بشأنه افسح في المجال لانتشار نظريات المؤامرة، الأمر الذي حمل الكثيرين على الامتناع عن الإبلاغ إذا لاحظوا شيئاً يسترعي الانتباه، وذلك بسبب المناخ السائد من عدم الثقة بين السلطات ومجتمعات المسلمين البريطانيين.

بيد أن مؤيدي البرنامج ساقوا إحصائيات تظهر أن هناك ارتفاعا بنسبة 36% في عدد المشتبه بهم من متطرفي أقصى اليمين الذين أحيلوا إلى برنامج “بريفنت” لمنع التطرف ومكافحته،  وذلك في محاولة لإثبات  أنه لا يستهدف أي آيديولوجية محددة ويعمل مثل أي وسيلة حماية أخرى.

وكانت الحكومة قد رفضت دعوات سابقة طالبت بتغييره، وجهتها "لجنة الشؤون الداخلية" التابعة لمجلس العموم، و"المُراجِع المستقل لتشريعات مكافحة الإرهاب"، و"اللجنة المشتركة لحقوق الإنسان"، بالإضافة إلى نواب وجمعيات خيرية.

وتظهر الأرقام الرسمية أن 1200 شخصاً تلقوا منذ عام 2012 إرشادات مصممة بشكل شخصي، عبر عملية تؤديها وكالات معنية بالتدخل ويُطلق عليها " تشانل انترفينشن" (قناة التدخل)، بعد إبلاغ برنامج “بريفنت" عنهم .

وفي عام 2017 – 2018 بلغ عدد الأشخاص الذين أُحيلوا إلى البرنامج 7300 شخصاً لكنه لم يتخذ أي إجراءات بحق  42% منهم. وكان الأفراد الذين اُجبروا على متابعة دورة الإرشاد لدى "تشانل انترفينشن"  موزعين بشكل متساوٍ بين متطرفين إسلاميين ومتطرفين من أقصى اليمين.

وكانت المشاركة طوعية في برنامجي " بريفنت" لمنع التطرف ومكافحته، و "تشانل" للإرشاد ، كما تساءل بعض المسؤولين إن كان ينبغي جعلها إلزامية بعدما تمكن بعض الذين أُبلغ عنهم بالإفلات.

يُذكر أن مراهقاً واحداً من طالبي اللجوء اُحيل إلى برنامج "بريفنت" بعدما كان قد حاول تفجير قطار أنفاق في محطة بارسونز غرين عام 2017، وكذلك أُحيل إلى البرنامج نفسه أحد أنصار داعش الذي خطّط لمهاجمة مقر رئاسة الحكومة في 10 داوننغ ستريت وقطع رأس رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي.

في المقابل، قال متحدث باسم وزارة الداخلية بما يخص المراجعة المزمع إجراؤها إن" الشخص الذي سيُعين سيقرر بنفسه النهج الذي سيتبعه للتدقيق في برنامج بريفنت لمنع التطرف ومكافحته،  وهو الذي سيوافق على الإطار المرجعي، لكننا نتوقع منه أن يضع العلنية والاستقلالية والصرامة القائمة على الأدلة  في مقدمة أولوياته". وأضاف أنه "وفقا لمراجعات أخرى من هذا النوع، يكون التعيين حسب تقدير وزير الداخلية وموضع دراسة متأنية".

© The Independent

المزيد من دوليات