Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثلاثية الأمن والفقر والخوف تزيد معدلات الانتحار في غزة

في القطاع مستشفى واحد فقط للصحة النفسية لخدمة 2.3 مليون مواطن

وثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 210 آلاف حالة اضطراب نفسي في غزة (أ ف ب)

ملخص

61 في المئة من أطفال غزة يعانون اضطرابات نفسية كالخوف والقلق وهو ما ينذر بزيادة حالات الانتحار في فترة المراهقة

بعد أن كتب الفلسطيني محمد النجار على صفحته في "فيسبوك" منشوراً جاء فيه "مضطر إلى مغادرة هذا العالم بعد أن استنفدت كل جهودي ومحاولاتي للشفاء من مرض الاكتئاب على مدار ثماني سنوات آخرها جلسات الكهرباء"، أمسك قنبلة يدوية وفجر نفسه منتحراً.

أثار خبر انتحار النجار موجة سخط واسعة بين سكان غزة، بخاصة أن الشاب كان مثقفاً، ولديه إصدارات شعرية ومشاركات ثقافية وسياسية، ولكنهم لعنوا الظروف التي جعلت الشباب يعانون الاكتئاب الحاد الذي يدفع للانتحار، وفي الوقت نفسه باشرت أجهزة الأمن بفتح تحقيقات للبحث عن ملابسات هذه الحوادث.

حالتان في يوم

قبل فجر السبت الماضي سجلت غزة ثلاث محاولات انتحار، اثنان منهما لقيا حتفهما وأنقذ آخر. ومنذ بداية العام الحالي، رصدت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (مؤسسة رسمية) 23 حالة وفاة في ظروف غامضة، لكنها أشارت إلى أنه ليس بالضرورة أن تكون جميعها انتحاراً، وكان شهر مايو (أيار) الأعلى مسجلاً 10 حالات.

وفي ظل هذه الأرقام، أسفت المؤسسات الحقوقية لتصاعد حالات الانتحار أو الشروع فيه، وتحوله إلى ظاهرة لا مجرد محاولات فردية، واعتبرت ذلك مؤشر قلق يتطلب من الجهات الحكومية حل عوامله التي ساعدت على تهيئة البيئة لتزايد تلك الحالات.

ويعزي الاختصاصيون الاجتماعيون أسباب الانتحار في غزة إلى الظروف الاقتصادية القاهرة بما فيها انعدام الأمن الغذائي وتفشي الفقر بشكل كبير، كما كان الحال قبل أسبوعين، مع شاب ثلاثيني تراكمت عليه الديون فأقدم على الانتحار.

إلا أن هذه الأسباب ليست وحدها دوافع الانتحار، بل ظهرت عوامل أخرى تثير القلق لها علاقة بالصحة النفسية، وبحسب تتبع أبرز حالات الانتحار التي لقيت صدى في غزة، فتبين أن معظمهم كانوا يتمتعون باستقرار وظيفي، وكان بينهم محامٍ ومحاسبة وموظف بلدية.

تزايد الحالات

وترجع دوافع الانتحار الجديدة في غزة إلى تفشي الاكتئاب الحاد وبعض الأمراض النفسية الأخرى بين السكان، وهذا الأمر يستدعي من المسؤولين وقفة حقيقية ليأخذ الطب النفسي موقعه في ظل هشاشة الحياة النفسية داخل القطاع بفعل عمليات القتال المتلاحقة والحصار، بحسب متابعين.

إلا أن السلطات في غزة تنفي أن يكون الانتحار قد تحول إلى ظاهرة، وتعتبر أنه حالات فردية ولكل منها خصوصيتها. وقال النائب في المجلس التشريعي يحيى موسى في وقت سابق إن حالات الانتحار التي شهدها القطاع هي أحد أهم تداعيات الحصار، من دون أن ينفي أنها في تزايد مستمر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب سجلات محاولات الانتحار وفقاً لبيانات وزارة الصحة التابعة للحكومة الفلسطينية، فقد سجل عام 2022 25 حالة انتحار فيما حاول 553 آخرون إنهاء حياتهم. وفي عام 2021 كان هناك نحو 22 حالة أدت للوفاة، ويقابل كل حالة انتحار فعلية نحو 21 محاولة انتحار. وعام 2020 سجل 17 حالة من أصل 404، ومعظم محاولات الانتحار كانت من فئة الشباب.

وفي ظل تنكر المؤسسات الرسمية لظاهرة الانتحار، أكد مسؤول الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني صلاح عبدالعاطي، أن الإقدام على إنهاء الحياة ظاهرة، وتغيب عنها الجهات الحكومية وتنكرها، موضحاً أنهم لم يلمسوا أي إجراءات جدية تظهر إيلاء قضايا ومشكلات الشباب والمجتمع. وقال "ما زالت مؤشرات الفقر والبطالة عالية، وتزايدت سياسات فرض الضرائب من الجهات الحكومية في القطاع وبات هناك غلاء في الأسعار، ونقص سياسات الحماية الاجتماعية، وتدني مستوى الخدمات، لا سيما خدمات الصحة النفسية".

أرقام الصحة النفسية "مرعبة"

في أي حال، فإن جميع المؤشرات تفيد بأن الأمراض النفسية أبرز مسببات الانتحار في غزة. وأكد أحدث تقرير لمجلس العلاقات الدولية زيادة محاولات قتل النفس في القطاع بسبب الضغوط النفسية. وأشار إلى أن 61 في المئة من أطفال غزة يعانون اضطرابات نفسية كالخوف والقلق، وهو ما ينذر بزيادة حالات الانتحار في فترة المراهقة.

وأظهرت نتائج مسح البنك الدولي أن 71 في المئة من سكان غزة يعانون الاكتئاب، وسبعة في المئة مصابون باضطراب ما بعد الصدمة، وباقي المجتمع معرضون لاضطرابات الصحة النفسية الشائعة والتي لها علاقة طردية بالفقر المدقع.

ووثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 210 آلاف حالة اضطراب نفسي في غزة، وذكرت أنه يوجد شخص من بين كل 10 في حاجة إلى علاج نفسي سريع، ونشرت وزارة الصحة في غزة تقرير جاء فيه أن الأمراض النفسية ارتفعت 62 في المئة، كان للاكتئاب النصيب الأكبر من الانتشار، تلته الاضطرابات النفسية، ثم مرض الفصام العقلي.

وفي ظل هذه الأرقام المرتفعة، فإنه يوجد في غزة مستشفى وحيد للصحة النفسية وبسعة 50 سريراً موزعة بين أقسام الرجال والنساء والأطفال، لخدمة 2.3 مليون مواطن، ويعمل فيه 39 كادراً طبياً، بينهم 26 أخصائياً نفسياً، ويستقبل في السنة نحو 90 ألف زيارة ومراجعة.

التفكير بالانتحار مستمر

ويقول المتخصص في علم النفس درداح الشاعر "بسبب الاكتئاب يفكر الشخص بالانتحار، ومعظم المصابين به يبدأون في التفكير بالتخلص من المشاعر السلبية من طريق الانتحار، لكن تنفيذ ذلك خطوة متقدمة، ومن الممكن أن تفشل ويعود إلى الحياة بمساعدة الآخرين".

ويؤكد الشاعر أن الاكتئاب يمثل نسبة كبيرة جداً من الاضطرابات النفسية والعقلية في غزة، لأن الأرضية النفسية التي يتحرك عليها الفرد ليست مريحة وتعزز عوامل هذا المرض ومن بينها الفقر وانعدام الغذاء وقلة فرص العمل وندرة السفر. ويضيف "الذين يصلون لمستشفيات الأمراض النفسية، هم من يعانون الكآبة في الحالات الشديدة، لكن كثيراً ممن يعيشون بيننا ويشعرون بالاكتئاب يفكرون ليل نهار بالانتحار، وفي حال أنهم لم يجدوا المساعدة سيقدمون على هذه الخطوة، لأن المكتئب سينفذ ما يخطط له، ولن يبقي المسألة مجرد فكرة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير