ملخص
هل تعبّد مصر طرقها الجديدة على حطام صناعة الفخار؟
عرف الفخار في مصر وازدهر منذ آلاف السنين، حتى إن المصري القديم جعل له إلهاً عرف باسم "خنوم"، ومرت الحرفة بتطورات عديدة، إذ كانت له مناطق كثيرة اشتهرت بصناعته، حتى إنه تم إنشاء مدينة الفسطاط في العصر الإسلامي، والتي اشتهرت به، ولا تزال حتى الآن.
وتعد منطقة الفخارين بالقاهرة القديمة هي المركز الأشهر لصناعة الفخار في مصر حالياً بما تضمه من تجمع كبير للورش المتخصصة في صناعته، مما جعلها تصبح وجهه أساسية لمن يرغب في اقتناء الفخاريات من المصريين والأجانب على السواء، ويعود إنشاؤها إلى أوائل القرن العشرين على يد عائلة عابدين التي أقامت اللبنة الأولى ليتوالى بعدها إنشاء ورش الفخار في المنطقة لتتحول إلى مركز رئيس لصناعة الفخار في مصر وملتقى لمحبيه.
محمود عابدين الذي كان شيخاً للفخارين وتوارثت عائلته المهنة على مدار أجيال تعاني ورشته حالياً خطر الإزالة في إطار مشروع لتطوير الطرق يتم في مصر ويتقاطع مع منطقة الفخارين، والذي يهدد ورشة عابدين ودرب 1718، وكذلك ورشة لفنانة شابة متخصصة في صناعة الحلي.
أحمد عابدين حفيد شيخ الفخارين ومن الجيل الرابع المتوارث لمهنة الفخار، قال "عائلتنا موجودة في هذه المنطقة منذ عام 1920، وجدي هو مؤسس منطقة الفخارين بإنشاء أول ورشة، وتوالت بعدها الورش حتى أصبحت المنطقة الأشهر في البلاد، وعلى مدار أكثر من 100 عام توارثنا الحرفة جيلاً بعد جيل"، لافتاً إلى أنه ليس ضد التطوير "لكن مع مراعاة عدم تدمير صناعة وحرفة تراثية مرتبطة بثقافتنا منذ أقدم العصور".
وأضاف عابدين "لدينا في الورشة 40 عاملاً، ونصدر إنتاجنا إلى خارج مصر، كما نشارك في فعاليات محلية ودولية عدة، منها فرنسا وإيطاليا"، موضحاً أنهم يحاولون "الحفاظ على الحرف التراثية باعتبارها جزءاً من التاريخ والثقافة، من خلال تدريب العاملين والمحافظة عليهم ودعم انتشارهم"، مشيراً إلى أن صناعة الفخار في مصر راسخة منذ آلاف السنين، لكن المنافسة تحتاج إلى دعم الصناعة والحرفين.
دعم رئاسي
في سياق متصل وجه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي منذ أيام قليلة بتقديم كافة أوجه الدعم لأصحاب الحرف التراثية، للمحافظة عليها وتنميتها، وذلك في إطار استراتيجية الدولة لدعم أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر لما لها من دور فعال في النمو الاجتماعي والاقتصادي، فضلاً عن المساهمة في الحفاظ على الهوية الوطنية والثراء الثقافي والحضاري لمصر.
ووجه الرئيس بتطبيق أعلى معايير الجودة للصناعات الحرفية، بما يتناسب مع القياسات الوطنية والدولية، مع الحرص على عنصر الابتكار والمزج بين الأصالة والمعاصرة، ومراعاة تشغيل رأس المال بطرق فعالة لصالح الحفاظ على التراث الوطني، وتعزيز التنمية الإنسانية والمستدامة.
الأزمة الأولى
قرار الإزالة الذي يهدد بعض المواقع في قرية الفخارين ليس هو الأزمة الأولى، بل سبقته أزمات عدة متعلقة بمشروعات الطرق الجاري تنفيذها في مصر من بينها السجال المستمر حول قضية الجبانات التراثية وما سيبقي منها وما ستتم إزالته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي واقعة سابقة منذ أشهر عدة كان هناك تهديد بإزالة متحف الفنان نبيل درويش للخزف لتنفيذ طريق مماثل، إلا أنه تم الإبقاء على المتحف، ولا يزال قائماً حتى الآن، وتثير هذه الوقائع بشكل دائم مطالبات من المثقفين والمهتمين بضرورة أن تتم مراعاة مثل هذه المواقع ذات القيمة الثقافية أو الفنية والتاريخية وتنفيذ مشروعات الطرق بشكل يضمن الحفاظ عليها وإبقاءها مستمرة في أداء دورها المهم للمجتمع.
من بين المواقع التي يهددها خطر الإزالة في منطقة الفخارين درب 1718، وهو مركز ثقافي شهير في قلب المنطقة يحقق المعادلة الصعبة في العمل على تقديم الفنون المعاصرة في موقع شديدة التقليدية، ويخلق حالة من التفاعل بين الحرفيين والفنانين تنعكس على الرؤية الفنية لكليهما.
تحرك برلماني
أزمة درب 1718 للفنون وصلت إلى البرلمان المصري، حيث تقدم النائب فريدي البياضي بسؤال في شأن ما يثار عن قرار الإزالة، وتوجه بعدد من الأسئلة لرئيس مجلس الوزراء ووزيرة الثقافة، متسائلاً هل أصبح بناء الطرق والأحجار أهم من تشجيع الفنون والأفكار؟ منوهاً بأنه يجب أن تكون المنفعة من توسيع طريق أكبر من الضرر الذي سيطاول غلق المجال أمام الفنانين، ووأد أفكار المبدعين.
الفنان التشكيلي معتز نصرالدين مؤسس درب 1718 يقول "قادتني الصدفة لهذا المكان خلال فترة التسعينيات، ومن وقتها لم أخرج منه، ومنذ بداية إنشائي له كان الهدف خدمياً وغير ربحي، وحلقة للوصل بين أهل المنطقة والفنون المعاصرة بكل أشكالها"، مؤكداً أنه نجح في المزج بين الحرفيين والفنانين من خلال تنظيم كثير من الفعاليات التي تركت أثرها في البيئة المحيطة.
وأضاف نصرالدين "أطلقنا عريضة للتضامن معنا في الأزمة، والاستجابة كانت كبيرة من المثقفين والمهتمين بالفنون، وحتى من عموم الناس، وتلقينا كثيراً من الدعم، وفي الوقت ذاته قمت بتحريك دعوى قضائية للمطالبة بإلغاء هذا القرار"، مشدداً على إيجاد "حلول وبدائل يمكن اتباعها".
ملتقى للفنون
الطبيعة الخاصة لمنطقة الفخارين لا تجعلها تضم فقط الورش المتخصصة في صناعة الفخار، وإن كان لها الغلبة، إلا أنها أصبحت وجهة لكثير من شباب الفنانين الذين حرصوا على الوجود في المنطقة بمشروعات صغيرة من بينها الحلي، إضافة إلى أنها أصبحت مركزاً لإقامة فعاليات ثقافية وفنية وورش لتعليم الفنون المختلفة يتبناها الفنانون وأصحاب ورش الفخار أنفسهم.
المتخصصة في فنون الحلي فرح عبدالحميد قالت "درست صناعة الحلي في الولايات المتحدة، وبعد عودتي لمصر بحثت عن مكان لإنشاء ستوديو خاص بي، وبالفعل أنشأته منذ سبع سنوات في قرية الفخارين باعتبارها ملتقى للفنانين والحرفيين وما تشمله من تخصصات مختلفة تحقق التكامل، وتخلق نوعاً من التعاون والتواصل بينهم، فهي منطقة لها طابع خاص وفريد من نوعه"، مشيرة إلى أنها تقوم بعمل دورات وورش تدريب لتعليم صناعة الحلي.
وأضافت "يعتقد كثير من الناس أن منطقة الفخارين تضم ورش الفخار فقط، ولكن هذا غير صحيح، إذ إنها ملتقى يجمع كثير من الفنون مثل النحت والرسم والخشب والحلي"، منوهة بأهمية توفير منطقة بديلة بطابع المنطقة الحالية نفسه وهويتها المتميزة".