Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تشعر أميركا بالقلق على إسرائيل بعد تعديلاتها القضائية؟

تقسم الداخل وتضعف عملية السلام مع الدول العربية وتهدد العلاقات بين الحليفين

أدى إقرار الكنيست الإسرائيلي قانوناً مثيراً للجدل يجرد المحكمة العليا من صلاحيتها في عرقلة قرارات الحكومة، إلى إثارة الجدل والانقسام في واشنطن بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري والقلق لدى البعض حول مستقبل ووضع إسرائيل داخلياً وخارجياً وعلاقتها المستقبلية مع الولايات المتحدة، فلماذا تشعر واشنطن بالقلق على مستقبل إسرائيل، وهل يمكن أن تتأثر العلاقة بين هذين الحليفين القديمين أم يمكن تجاوز الأزمة كما حدث في مرات سابقة؟

 أزمة مفصلية

تختلف الأزمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المرة عن سابقاتها من حيث عمق القضية ومضمونها وتداعياتها المستقبلية، إذ إن الخلافات السابقة حول بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو كيفية التعامل مع ملف إيران النووي على سبيل المثال، تم تجاوزها رغم الانزعاج الذي تسببه على الجانبين، ذلك أن ما يوصف بالإصلاح القضائي الأوسع الذي تقوده حكومة بنيامين نتنياهو، الذي يخشى منتقدون أن يمنحه سلطة غير مقيدة، يظهر أن إسرائيل أصبحت مثل الولايات المتحدة، تعيش حقبة من تصاعد نفوذ السياسيين اليمينيين المتشددين الذين يسعون إلى استعراض القوة واختبار الديمقراطية بما قد يؤثر في مجمل السياسات المستقبلية لإسرائيل ويهدد عديداً من العلاقات والتوازنات الحساسة في الشرق الأوسط والعالم. وربما تؤدي هذه القضية إلى تفاقم العلاقة الهشة بين نتنياهو والرئيس جو بايدن، الذي جعل حماية الديمقراطية في الولايات المتحدة وخارجها أولوية لرئاسته، وسعى إلى تحقيق التوازن بين الدعم الأميركي القديم لإسرائيل والغضب المتزايد تجاهها داخل الحزب الديمقراطي وحتى بين البعض في مجتمع اليهود الأميركيين، في حين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أقرب غريزياً وسياسياً إلى أيديولوجية الرئيس السابق دونالد ترمب، المنافس السابق لبايدن وربما المستقبلي على سكن البيت الأبيض، الذي أخضع المؤسسات الديمقراطية الأميركية لأقسى التحديات، فيما انتهز الجمهوريون الفرصة للتساؤل عما إذا كان بايدن يدعم إسرائيل بقوة كافية وطالبوه بالكف عن التدخل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية.

حقل ألغام

لكن رغم عدم استجابة نتنياهو لنصائح بايدن بالتمهل قبل إقرار التعديلات القضائية، سيسعى الرئيس الأميركي للسير في حقل من الألغام الدبلوماسية والسياسية قبل لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بخاصة أنه امتنع عن تحديد متى وأين وكيف يمكن أن يلتقيا، في وقت يواجه فيه اعتراضات قوية من اليسار المتشدد، الذي جسدت موقفه عضوة مجلس النواب الديمقراطية براميلا جايابال التي وصفت إسرائيل، أخيراً، بأنها دولة عنصرية قبل أن تعتذر وتقول، إن حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة هي التي انخرطت في سياسات تمييزية وعنصرية صريحة.  

كما أن تحركات نتنياهو التي يمكن أن تضعف بشكل كبير استقلال القضاء الإسرائيلي، تحدت أجندة بايدن لتعزيز الديمقراطية، مما وضع الرئيس في موقف صعب، بينما سعى إلى توبيخ نتنياهو مع تأكيد دعمه لإسرائيل نفسها خلال زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، أخيراً، إلى البيت الأبيض.
لكن يبدو من غير المحتمل بحسب ما تقول صحيفة "واشنطن بوست"، حدوث تغيير كبير في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل التي لطالما كانت أكبر متلق للمساعدات الخارجية من واشنطن منذ تأسيس الدولة اليهودية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومعظمها مساعدات عسكرية، كما تنص مذكرة تفاهم دائمة بين البلدين على متوسط سنوي قدره 3.8 مليار دولار من المساعدات العسكرية والدفاعية حتى عام 2028، وفقاً لتقرير صدر هذا العام عن خدمة أبحاث الكونغرس.

كلفة جيوسياسية

ومع ذلك لا يستبعد مراقبون أن تؤدي الخلافات المستمرة حول السياسة بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إضعاف العلاقة بين أقرب الحلفاء، بخاصة عندما يمنح التآكل الديمقراطي في إسرائيل أعضاء اليسار المتطرف في الكونغرس الأميركي، الذين يتزايد استياؤهم من إسرائيل وقوداً إضافياً لمواصلة الضغط على إدارة بايدن لاتخاذ إجراءات ضد إسرائيل، بحسب ما تقول كارميل آربيت الخبيرة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية والشرق أوسطية في المجلس الأطلسي.
وخلال السنوات الأخيرة، شكك التقدميون الديمقراطيون بشكل متزايد في العلاقات الأميركية- الإسرائيلية الوثيقة، بسبب معاملة إسرائيل غير العادلة للفلسطينيين ورفضها الجاد التفاوض على حل الدولتين رغم أن الجمهوريين، كانوا يعاقبون الديمقراطيين بسبب دعمهم الأقل لإسرائيل، وليس مستغرباً أنهم يبدون أكثر راحة من الديمقراطيين في التعامل مع حكومة يمينية.

ويقول الباحث في مجلس السياسة الخارجية الأميركية لورانس هاس، إن "إسرائيل تحتاج إلى واشنطن لمواصلة استخدام حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن المناهضة لها وكذلك من أجل المساعدة في الحفاظ على الدعم الأميركي لإسرائيل خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما أنها في حاجة إلى واشنطن للمساعدة في مواجهة التقدم النووي الإيراني، ومواصلة تقديم المساعدة التي تحافظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


أسباب القلق

قبل سنوات، كتب المفاوض الدبلوماسي الأميركي دينيس روس، أن أساس الدعم الأميركي لإسرائيل يعود إلى تصور إسرائيل كدولة تشارك الولايات المتحدة القيم الأميركية، وأن آخر ما تحتاج إليه إسرائيل هو التشكيك في طابعها الديمقراطي الأساسي.
لكن يبدو أن المخاوف الأميركية من أن اختلال ديمقراطية إسرائيل يمكن أن يعقد العلاقات الأميركية- الإسرائيلية أصبح أكثر صحة اليوم، مع بدء تحالف نتنياهو الحاكم الحالي في الحد بشكل كبير من سلطة القضاء المستقل في إلغاء القوانين التي يصدرها الكنيست والتعيينات والإجراءات الأخرى كنوع من الرقابة القانونية والضوابط والتوازنات التي تحكم الديمقراطية في بلد لا توجد به غرفة تشريعية ثانية ولا يحكمه دستور مثل إسرائيل.
وعلى رغم أن نتنياهو يزعم أن التعديلات القضائية ستقلل من تجاوزات القضاة غير المنتخبين، فإن إسرائيل بدت وكأنها تدخل في هاوية قانونية وأمنية واقتصادية وسياسية بحسب مدير "مبادرة سكوكروفت الأمنية للشرق الأوسط" جوناثان بانيكوف، فمن الناحية القانونية، قد تدخل إسرائيل في أزمة دستورية إذا ألغت المحكمة العليا القانون الصادر من الكنيست رغم أنه ليس معروفاً ما إذا كانت المحكمة ستنظر في القضية، ناهيك بأن إيجاد سبب لإلغاء القانون، يبقى سؤالاً مفتوحاً.
ومن الناحية العسكرية، علق نحو 10 آلاف من جنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي واجبهم الطوعي، ما يجعل أعداء إسرائيل مثل إيران مسرورين بالانقسام الداخلي في إسرائيل ويحاولون الاستفادة منه. ووفقاً لبانيكوف الذي كان مسؤولاً في الاستخبارات الوطنية الأميركية، فإن "تمرير القانون يخلق حالة من عدم اليقين الاقتصادي، حيث بدأت الأسهم الإسرائيلية بالانخفاض وضعفت قوة الشيكل، ويهدد قادة الشركات بالخروج من الأسواق الإسرائيلية تعبيراً عن معارضتهم للتعديلات القضائية، وقد تتطور الأمور إلى الأسوأ إذا سمح الهستدروت، وهو النقابة العمالية الرئيسة في إسرائيل، بإضراب عام يستمر أكثر من بضعة أيام مما قد يشل أوجه الحياة في إسرائيل.
وفي ظل هذه الأخطار يكون قانون تعديل القضاء، قد أثار أسئلة أكثر من الإجابات عن المستقبل القريب والمتوسط المدى لجميع قطاعات المجتمع الإسرائيلي.

حقبة جديدة

ويرى الخبير في برنامج الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي، داني سيترينوفيتش أن "إسرائيل ستدخل حقبة عميقة من عدم اليقين التي ستضر بأمنها واقتصادها وعلاقاتها الدبلوماسية، وستنشأ قبل كل شيء اضطرابات داخلية لفترة طويلة من الزمن".
ويعود ذلك من وجهة نظره إلى أن "العناصر المتطرفة تسيطر فعلياً على الحكومة الإسرائيلية، وهم يمتلكون الآن القدرة على القيام بما يرغبون في المستقبل وتنفيذ وجهات نظرهم المتطرفة في ما يتعلق بمستقبل العلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية على سبيل المثال، بينما يبدو أن إسرائيل لن تكون كما عرفها العالم في السنوات الماضية لأنها بدأت حقبة جديدة".
ويعتبر الباحث في برنامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي شالوم ليبنر أن "مشكلة إسرائيل الأعمق هي أزمة الهوية التي يجد مواطنوها أنفسهم متورطين فيها"، مشيراً إلى "الجدل الوجودي الذي يخوضه الإسرائيليون حول الطابع اليهودي والديمقراطي لدولتهم وأن اللعبة الصفرية التي تجري بين المدافعين عن التغييرات في النظام القانوني الإسرائيلي ومنتقديها، تؤدي إلى طريق مسدود لأنه في معظم السيناريوهات، سيتم ترك نصف البلاد تقريباً من دون حق التصويت إذا انتصر المعسكر المنافس، وأن الضرر الذي يلحقه الإسرائيليون بمجتمعهم قد يعرض المؤسسة العسكرية بأكملها لخطر شديد".

تقارب مستبعد

خلال أعوام حكم ترمب، وقعت إسرائيل اتفاقيات أبراهام للسلام مع بعض الدول العربية، وهو ما لم يكن متصوراً قبل سنوات، لكن بينما تريد إسرائيل تعميق تلك العلاقات والتوصل إلى السلام مع أكبر عدد ممكن من الدول العربية، من أجل تعزيز أمنها، وتنمية اقتصادها، وربما تقوية نفوذها في مواجهة إيران، وقد يتضح أن التقدم الإسرائيلي على هذه الجبهة أكثر صعوبة مع التعديلات القضائية حيث سيجد الذين ينتمون إلى دول اتفاق أبراهام، وأولئك الذين ينتمون إلى دول أخرى قد تميل إلى الانضمام إلى الاتفاقات، أنفسهم محرجين من التقرب إلى دولة في أزمة وحكومة تبدو غافلة أو حتى تستهزئ بالجماهير المهمة حول العالم، بخاصة مع تصاعد وتيرة العنف مع الفلسطينيين في الضفة الغربية.

في الوقت ذاته، تحتاج إسرائيل مع تقدم إيران في برامجها النووية والصاروخية الباليستية، إلى العمل بشكل وثيق أكثر من أي وقت مضى مع واشنطن والحكومات العربية في شأن كيفية الرد، لكن التعديلات القضائية ستعقد عمل إسرائيل مع الحكومات الأخرى وبخاصة مع واشنطن، حيث ستضطر إدارة بايدن إلى الإبحار في المياه السياسية المعقدة.
وبينما يفرض نتنياهو وحلفاؤه في اليمين إرادتهم في الداخل، يلعب رئيس الحكومة وكبار وزرائه لعبة خطرة في الخارج، وهي تهديد العلاقات الأميركية- الإسرائيلية ويحتمل أن يتركوا إسرائيل بعيدة من حليفها الأكثر أهمية في وقت يتسم بخطر كبير على الدولة اليهودية، وفقاً لما يقوله رئيس قسم الدراسات اليهودية والشرق الأدنى في "جامعة آمهيرست" ديفيد ميدنيكوف.

المزيد من متابعات