Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي حمدي أبو جليل رحل حاملا معه ذكريات الفيوم

رواياته عبرت عن غربة الذات والتهميش الإجتماعي وواجهت العالم الحديث برؤية نقدية

الروائي المصري حمدي أبو جليل (صفحة الروائي - فيسبوك)

ودعت الأوساط الثقافية في مصر أمس الأحد الروائي المصري حمدي أبو جليل الحائز جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، الذي توفي عن 56 سنة، وتم تشييعه في مسقط رأسه في محافظة الفيوم. وعبر مبدعون مصريون عن حزنهم الشخصي لغياب أبو جليل الذي كان فاعلاً في الأوساط الأدبية، سواء عبر نشاطه الوظيفي في وزارة الثقافة، أو من خلال كتاباته الإبداعية التي ضمنت له مكانة متميزة بين روائيي التسعينيات، وهو كان باشر في نشر أعماله الروائية عام 1997 بعد أن ظهر عمله القصصي الأول "أسراب النمل".

وأبو جليل من مواليد عام النكسة، بدوي الأصل، فيومي المنبع، لم يكمل تعليمه الجامعي، وقدم إلى القاهرة ليعمل في مهن مختلفة، كان من بينها العمل في البناء قبل أن يبزغ اسمه في دنيا الأدب ويتم تعيينه مديراً لتحرير سلسلة الدراسات الشعبية في وزارة الثقافة. ونشر أبو جليل عام 1997 مجموعته القصصية الأولى المعنونة "أسراب النمل"، ثم نشر في عام 2000 مجموعة "أشياء مطوية بعناية فائقة" التي حصلت على جائزة الإبداع العربي في العام نفسه، وسطع اسم أبي جليل بعد روايته الأولى "لصوص متقاعدون" التي ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وأصدر عام 2008 رواية "الفاعل" عارضاً تجربته الذاتية في العمل كعامل بناء، وقد فازت بجائزة نجيب محفوظ في العام نفسه. وصدرت له كتب أخرى مثل "الأيام العظيمة البلهاء"، "القاهرة، شوارع وحكايات"، فضلاً عن روايته الجميلة "صعود وانهيار الصاد شين".

نشأ الشاب البدوي أدبياً على ثلاثة مبدعين كبار كانوا يهتمون بالأصوات الجديدة، وهم خيري شلبي وإبراهيم أصلان ومحمد مستجاب، فإلى جوارهم تعرف إلى الثقافة والإبداع والفن، هو البدوي المتمدن الباحث عن جمال حقيقي.

حساسية جديدة

 

 

على الصعيد الإبداعي اتسمت كتابات أبو جليل بجملة من السمات: أولها، أنها كتابة ملتصقة بالذات، لدرجة يصعب على القارىء معها تجاهل حضور الكاتب داخل النص، وهي تكاد تقوم بالكامل على لعبة كسر الإيهام، على الرغم من قدرتها على بناء عالم متخيل مكتمل، وهذه القدرة مستمدة في ظني من العالم الفني لدى مستجاب .

 ومن جهة أخرى فإن هذه الكتابة  التي تنتمي إلى حساسية جديدة في رؤيتها إلى العالم، وفي طموحها إلى تعرية الذات ، كانت تتسم بنزعة واقعية إلى حد كبير، ليس فقط من خلال عنايتها برصد حياة المهمشين اجتماعيا، وتأمل حضورهم العام، وإنما في سعيها لتقصي سلوكياتهم وأفعالهم من دون أن تتورط في إدانة أو تعاطف، لكنها تؤمن بقوة الضعف الإنساني، وبحاجة هؤلاء إلى لتحايل على واقعهم لمواجهة بؤس الحياة وقسوتها.

وتظهر في أعمال أبو جليل الشخصيات الرئيسة وهي تعيش على الحيلة ( جمال في "لصوص متقاعدون" ، أو بطل "الفاعل" أو بطل "الصاد شين")، وتبدو أقرب في ممارساتها إلى نماذج الشطار والعيارين الشائعة في التراث العربي. والحيلة التي يجيدها هؤلاء الأبطال المهمشون هي وسيلة من وسائل المقاومة، لذلك تشيع في سلوكيات أبطاله الكثير من الأفعال غير المألوفة التي تضعها في إطار "الفانتازيا الشعبية"، كما كانت توحي بذلك أعمال خيري شلبي، وهي أيضا تمجد المغامرة والخروج عن المألوف. وفي الشهادة التي قدمها في احتفال الجامعة الأميركية عقب فوزه بجائزة نجيب محفوظ ألح كثيراً على فكرة كسر المألوف والخروج عن السياق .   

تحدي اللغة

في غالبية أعماله عزز أبو جليل  من وجود "الفانتازيا الشعبية"  وأشاع نبرة تهكمية ساخرة، استعمل فيها طرائق فريدة في السرد  كانت تبدو أقرب الى الغة الشفهية. وانشغل الراحل كثيرا بالعمل على إيجاد لغة تماثل العالم الراغب في تشييده، وقد ابتكر لغة بين العامية والفصحى منذ "لصوص متقاعدون"، وبلغ  هذا السعي ذروته في عمله " قيام وانهيار الصاد شين" الذي تشيع فيه العامية رغم فصاحة النص .

 تقوم كتابات أبو جليل  كلها على الاقتصاد اللغوي، وعلى نمط من إزاحة الزوائد اللغوية والكتابة بأقصى درجات التقشف، وهو الدرس الذي تعلمه بإخلاص من إبراهيم أصلان الذي أخذ منه أيضا فكرة الإتكاء على ما هو سيري في الكتابة، وتطويره بحيث تنجح الذات في بناء عالمها الفني، بمعزل عن صاحبها، فالذات هي موضوع الكتابة ومركزها . كان أبو جليل فريدا في إصراره على جعل الذات تعبر عن صوت الجماعة أيضا، ولذلك حمل هموم البدو وتأمل عبر أغلب كتاباته، جدل علاقتهم بالسلطة المركزية، وسخر من الأساطير التي حملوها طوال تاريخهم، عن البطولة والتفرد ونقاء العرق، انسجاماً مع مشروعه في "توطين الشك".  

ومن السمات البارزة في كتابة أبو جليل أيضاً، شغفه البالغ في تأمل التحولات الإجتماعية ورصد التغيرات العمرانية. فالقارئ لا يمكنه تفادي ولع الكاتب ببناء تصور طوبوغرافي عن المسار الذي تتحرك فيها الشخوص ("الفاعل"، "لصوص متقاعدون"، "الصاد شين" ). ولا شك أن هذه الميزة تجلت كذلك في كتابه عن شوارع القاهرة، فهو عمل أقرب إلى سرد طوبوغرافي بالأساس.

التهكم الهادف

ولا يفوت القارىء المتأمل لهذه السمة، التهكم الذي يبديه الكاتب من المرحلة الناصرية التي كانت تمثل لديه ما تمثله السرديات الكبرى في العالم ما بعد الحداثي، فهي موضوع انتهى تاريخياً، وأصبح من وجهة نظره مادة للسخرية بإفراط ( أسطورة أبو جمال في "لصوص متقاعدون" جاءت لأن عبد الناصر وضع يده على كتفه وهو يزور الشركة التي يعمل فيها ). وفي كتاباته وأحاديثه عبر قناته على يوتيوب، قاوم أبو جليل مركزية المشروع الناصري وانتقد مشروع دولة التحرر الوطني التي نشأت في عالمنا العربي بعد خروج الاستعمار.

وتجلى هذا البعد كأفضل ما يكون في روايته "قيام وانهيار الصاد شين" التي تظهر الرئيس الليبي السابق معمر القذافي كشخصية روائية مثيرة للغرابة، وأقنع أهالي قريته في الفيوم بأنه ينتمي إلى القبيلة نفسها، وقد تركها للعراء تواجه فقرها لكنها تعيش على نفوذ متخيل.

كذلك أسس أبو جليل روايته " يدي الحجرية" التي تغوص في البيئة ولكن نفسها، استنادا على متن تاريخي أبعد مرتبط بثورة 1919 وعلاقتها بالبدو، وشيخهم حمد باشا الباسل، الذي كان ضمن قادة تلك الثورة. لكنها تذهب بعيدا في إطار تأمل العلاقة مع الغرب، وهو موضوع تجلى على نحو مختلف في "قيام وانهيار الصاد شين" التي برز فيها موضوع الهجرة إلى أوروبا، وهي واحدة من المسائل التي شغلت أبو جليل في سنواته الأخيرة، فقد اعتنى برصد أسباب تخلف الثقافة العربية وتراجع وجودها في العالم .  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وكانت لديه فكرة أساسية هي أن الحقيقة أقوى من الخيال، وأروع، وأخصب، وأكثر سحراً، وأن تجارب الإنسان بكل ما فيها أثرى من خيالات أفضل الروائيين. الرواية العربية، في اعتقاده، منذ زمن نجيب محفوظ وحتى الآن، تُستغل، والإنسان وحتى الحيوان فيها يتم استغلاله للتعبير عن فكرة ما تدور برأس الكاتب. كذلك فإن جرجرة الرواية لخدمة أي قضية لا يناسب عظمتها.

وفي رأيه أن أكبر محنة تعرضت لها المجتمعات العربية تمثلت في ثورات التحرر الوطني من الاستعمار على المستوى السياسي، وتطبيق الحداثة على المستوى الثقافي. فحركات التحرر الوطني، أخرجت الاستعمار الأجنبي وأقامت أنظمة سلطوية غير عادلة في معظم البلدان، بينما هدمت الحداثة أبنية الثقافة السائدة، ما قاد المجتمعات أن تقع فريسة للحركات السلفية الدينية.

كان خفيف الظل وطيب الروح، كما قال عنه أصدقاؤه، لا يعادي إلا أصحاب الأفكار السوداء، كان جريئاً في طرح أفكاره، وأنجز بعمل مجموعة من فيديوهات بغية تصحيح حكايات في الموروث الشعبي منسوبة للأديان بالخطأ نتيجة التوارث. حمدي أبو جليل مثال للمثقف المصري الذي كان يستحق مكانة تناسب فكره والنور الذي كان يشع منه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة