Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حمدي أبو جليل: لم يعد أمام الروائي إلا أن يقدم نفسه

في روايته "يدي الحجرية" يسخر من عنصرية الطيب صالح تجاه الغرب

الروائي المصري حمدي أبو جليل (اندبندنت عربية)

من أهم ما نجح الروائي والقاص المصري حمدي أبو جليل في تحقيقه خلال مساره مع الكتابة الأدبية، الذي بدأ في عام 1997 بصدور مجموعته القصصية "أسراب النمل"، هو تحويل ذاته الواقعية إلى شخصية روائية. نعم شخصية روائية تخصه ولكنها تشبهنا وإن ادعينا غير ذلك. وقد بلغ ذروة جديدة في هذا الصدد المبهر والمدهش في روايته الأحدث "يدي الحجرية" التي أنهاها بوعد مفاده التمرد على ما هو فيه ومواصلة السعي نحو الإمساك بالشمس! وفي حقيقة الأمر لم يتوقف أبو جليل المولود في عام 1967 أبداً عن التمرد، والخروج على المألوف إبداعياً وواقعياً بقدر يفوق عادة ما يمكن أن تسمح به الأطر الفكرية التي تحكم الإنسانية شرقاً وغرباً. وبالطبع فإن له في هذا الاتجاه آباء روحيين منهم مثلاً محمد شكري، لكنه يتميز عن سابقين ومجايلين ولاحقين في ربطه الذاتي بالموضوعي بشجاعة حقيقية، وبتجديده المتواصل في فنون السرد من عمل إلى آخر وإفلاته في الوقت ذاته من الوقوع في شرك تكرار نفسه.

"يدي الحجرية"، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تصدرتها كلمة للروائي الراحل خيري شلبي، واكبت بداية مسار أبو جليل الأدبي، وكانت بمثابة تنبؤ "بحكم علاقتي الإنسانية والعملية بحمدي أبو جليل، كنت أستشف من حديثه عن ذكرياته من نوادره عن أهله ومن حكاياته الكثيرة عن أعيانهم تفاصيل شديدة الثراء، فإن تصادف وكان من بين أبناء هذا العالم شاب موهوب في فن الرواية فإنه حري بأن يكون -بتفاصيل هذا العالم وحده- روائياً كبيراً".

وتقترب رواية "يدي الحجرية" بحسب الناشر "من تجارب أشخاص لا يفرقون بين الأبيض والأسود، الشرقي والغربي، على خلفية من مصر، أو بالأحرى على خلفية متن وحكاية أساسية من مصر، متن تاريخي واقعي سيري، وقبس من روح هذا البلد في العصر الحديث"، علماً بأن لها "مرجعية، أو بالأحرى حكاية أساسية تتعلق بثورة 1919، وعلاقتها بالبدو، وشيخهم حمد باشا الباسل، الذي كان ضمن قادة تلك الثورة".

رواية حمدي أبو جليل الأولى "لصوص متقاعدون" صدرت في عام 2002، وفي عام 2008 صدرت روايته "الفاعل" لتفوز في العام التالي بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة. وفي بداية عام 2022 صدرت هاتان الروايتان في طبعتين جديدتين عن دار الشروق، ليواكب ذلك إنجاز همري ديفيز ترجمة روايته "قيام وانهيار الصاد شين" إلى الإنجليزية بعنوان "الرجال الذين ابتلعوا الشمس". ولحمدي أبو جليل أيضاً مجموعة قصصية بعنوان "أشياء مطوية بعناية فائقة" وسيرة ذاتية بعنوان "الأيام العظيمة البلهاء"، وكتاب "القاهرة جوامع وحكايات"، وكتاب "نحن ضحايا عك"، وكتاب "فرسان زمان" ويتضمن قصصاً تاريخية للأطفال.

 تشجيع الأساتذة

وفي حوار مع "اندبندنت عربية" سألته "لم يقرأ خيري شلبي روايتك الأخيرة، لأنه رحل عن عالمنا قبل صدورها بعشر سنوات، فلماذا استعنت بكلمة سابقة له في مشروعك الأدبي، لتتصدر (يدي الحجرية)"؟ فقال "إن الروائي العظيم خيري شلبي هو أحد أساتذتي الثلاثة مع محمد مستجاب وإبراهيم أصلان، وكان أكثر الأدباء تشجيعاً وإيماناً واحتضاناً لمشروعي منذ بدايته، وكلمته المنشورة في مدخل رواية (يدي الحجرية) تلت قراءته الرواية نفسها في طورها الأول. هذه الرواية هي روايتي الأم، وكنت كلما بدأت في كتابتها أتراجع. كل عمل أدبي لي كانت بدايته محاولة فاشلة لكتابة رواية يدي الحجرية".

وإضافة إلى خيري شلبي، اقترب أبو جليل في بداياته الأدبية من إبراهيم أصلان ومحمد مستجاب، فهل يمكن القول إن أسلوبه تأثر أكثر بأي من هؤلاء الكتاب؟ يقول "أعتقد أنني تأثرت بهم جميعاً، تأثرت بمستجاب في الولع بالسخرية، وتأثرت بإبراهيم أصلان في تدقيق الوعي باللغة والسخرية، وتأثرت بخيري شلبي في اتساع العالم وتنوعه والتعمق في الإنسان وواقعه. وأعتقد أنني استوعبتهم جميعاً. أساتذتي الثلاثة العظام استوعبتهم في رواية (قيام وانهيار الصاد شين)، وأتوقع أنهم لو كانوا أحياء لفرحوا باستيعاب تلميذهم".

بين الشرق والغرب

على الغلاف الخلفي لرواية "يدي الحجرية"، ورد وصف لها بأنها "عالمية بالمعنى الحرفي الجغرافي للكلمة"، وبأنها تنطوي في الوقت ذاته على "قبس من روح مصر وثورتها الأهم في العصر الحديث"... فلمن هذا الكلام، للناشر أم للكاتب؟ ألا يرى أبو جليل أن مثل تلك الأوصاف تحد من المساحة اللا نهائية التي يمنحها العمل للراغب في تأويله، سواء من القارئ العام أو النقاد؟ يقول أبو جليل "طبعاً هذا كلام الناشر، وهو وصف حرفي للرواية فوصفها بالعالمية لا يرجع لسبب فني أو أسلوبي أو لغوي أو تكنيكي، فقط عالمية بالمعنى الجغرافي للكلمة، حيث إن أحداثها تدور وشخصيتها تتحرك في كل قارات العالم، على خلفية وأرضية وراوٍ من مصر وثورتها الأهم في العصر الحديث ألا وهي ثورة 1919".

في "يدي الحجرية" يبدو أبو جليل كأنه يغزل على منوال الطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال" من ناحية تصادم القيم ما بين الشرق والغرب، وهي على أية حال تيمة تكررت في عدد لا بأس به من الروايات العربية، فهل يمكن القول إنه أضاف خصوصية ما في هذا المجال؟ يجيب "الحقيقة هي أنني لم أغزل على منوال الطيب صالح ولا روايته الشهيرة، بل يبدو الأمر أحياناً كأنه سخرية من هذا الموقف المتعصب للطيب صالح من الغرب، أنا لم تشغلني أساساً مسألة الصدام أو الصراع بين الشرق والغرب. أنا كنت منهمكاً في مسائل شخصية فردية تماماً، وإذا ما كان هناك انحياز فهو بالتأكيد انحياز لهذه الحضارة الغربية الإنسانية العريقة، وإذا ما كان هناك انتقاد فهو بالتأكيد انتقاد لقيودنا ومعوقاتنا على مر التاريخ".

الواقعي والروائي

سارد رواية "يدي الحجرية" وبطلها هو حمدي أبو جليل، وتكرر ذلك في كل رواياته، فإلى أي مدى يرى وجود تطابق أو اختلاف بين الشخصية الواقعية والشخصية الروائية استناداً إلى تجربته الإبداعية؟ يقول "هذا، أقصد ظهور الكاتب باسمه وشحمه ولحمه في العمل الروائي، الأدق وقوع الكاتب باسمه وشحمه ولحمه على العمل الروائي، هو ما أقترحه على الرواية المصرية. الروائي المصري والواقع المصري والشعب المصري في أمس الحاجة الآن ليعبر الروائي داخل الرواية عن نفسه وأدق تفاصيل حياته، كل رواية (اتعملت) رواية، أقصد كل الأشكال الروائية تم التعبير عنها روائياً، من الواقع للتاريخ للخيال العلمي، ولأي "شقلباظ" شكلي، ولم يعد أمام الروائي إلا نفسه وتجربته في الحياة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف "طبعاً هذا الموضوع ليس سهلاً ويحتاج إلى مران ودربة ومعركة دامية مع النفس، ولا بد أن تتساقط كل الرغبات والأماني والضغائن، الضغائن، أكاد أصرخ وأنا أقول الضغائن حتى يصل الإنسان إلى نفسه وحقيقته الصافية". ويستطرد "الموضوع ليس اعترافات محمد شكري في (الخبز الحافي) على أهميتها وريادتها وليس انتقادات إيميل حبيبي في (المتشائل) على أهميتها وريادتها، ولكنها محاولة للوصول للكاركتر الكامن في كل إنسان".

لغة تشبه الكلام

تبدو كتابة حمدي أبو جليل عموماً أقرب إلى الحكي الشعبي، فهل لهذا علاقة بطبيعة البيئة البدوية الحاضرة دائماً في إبداعه؟ يقول "أنا دائماً أبحث عن لغة تشبه الكلام، وهذا تحديداً ما يطيل وقت كتابة أعمالي، رواية (الصاد شين) كتبتها في عشر سنوات، تجربة حاضرة كاملة والشخصيات أكاد ألمسها، وما حدث أحفظه بالموقف واللفتة من أول الرواية لآخرها. ماذا أعمل في السنوات العشر؟ أبحث عن النبرة، عن اللغة الأشبه بلغة الكلام. ليست العامية وإن كنت أحب الكتابة بالعامية، ولكن أقصد سهولة الكلام وخفته ودقته وقدرته على الإقناع. وربما يرجع ذلك إلى أنني ابن الثقافة البدوية وهي ثقافة الشفاهة، ثقافة الكلام".

رواية "قيام وانهيار الصاد شين" ترجمها همفري ديفيز إلى الإنجليزية بعنوان "رجال ابتلعوا الشمس"، وسبق أن ترجمت أعمال أخرى لحمدي أبو جليل إلى لغات عدة، فكيف ينظر إلى تجربة ترجمة أعماله خصوصاً إلى الإنجليزية؟ يجيب "أولاً أنا سعيد وفخور بأن (الصاد شين) كانت آخر رواية ترجمها المترجم العظيم همفري ديفيز. همفري لم يكن مجرد مترجم ولا مستشرق وإنما محب لمصر وأدبها. أنا ترجمت لي أربعة أعمال للغة الإنجليزية. ومن واقع هذه الخبرة أقول لك إن حال ترجمة أدبنا إلى الإنجليزية بائس وتعيس. أهم جهة لترجمة الأدب المصري للإنجليزية هي الجامعة الأميركية في القاهرة. وأكاد أقول لك: هي الجهة الوحيدة وغيرها مبادرات شخصية أو مشروعات حكومية فاشلة، لكن الجامعة الأميركية في القاهرة لا تفعل شيئاً لترويج مطبوعاتها من ترجمات الأدب المصري. فقط تصدرها. ومن ناحية أخرى ينظر إليها القارئ الإنجليزي على أنها ناشر أكاديمي، لذلك أعمالها في الغالب الأعم لا توزع وأغلبها لا يخرج من جدران الجامعة ذاتها.

ويرى حمدي أبو جليل أن "مشاريع مؤسساتنا الثقافية لترجمة أدبنا للإنجليزية هي من المضحكات المبكيات. يكفي أن تعرف أن مؤتمر أدباء الأقاليم ترجم أعمال أعضاء أمانته العامة وقام بالترجمة أعضاء آخرون من أدباء الأقاليم، وصدرت الأعمال المترجمة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة وعادت إلى مخازنها والحمد لله. والآن تقوم وزارة الأوقاف من خلال الهيئة المصرية العامة للكتاب، بإصدار ترجمات لا تقل استعباطاً عن ترجمة مؤتمر أدباء الأقاليم!". و"أنا رأيي -يقول أبو جليل- أننا يجب أن نتوقف تماماً عن جهود ترجمة أدبنا إلى اللغة الإنجليزية واللغات الأخرى وننهي أكذوبة أننا سنعرف نفسنا للآخر. الآخر يعرف عنا كل شيء ولو أراد ترجمتنا سيترجمنا، وما يجب علينا القيام به هو الترجمة من كل لغات العالم، فنحن في الدرك الأسفل من كل حاجة".

المزيد من ثقافة