روجر ستون شخصية تقدم دعما محوريا إلى الرئيس ترمب

سياسي وجمهوري عريق ومنخرط في سياسات حزبية فاسدة وصلت أقصى تدنياتها مع الرئاسة الحالية

طالب مدّعون قانونيون بعرض مشاهد من فيلم "العراب" أثناء محاكمة روجر ستون، للإشارة إلى مدى تغلغل الفساد في ممارساته السياسية (موقع بوليتيكو.كوم)

لقّب أحد المُعلقين الأميركيين يوماً روجر ستون المعروف بصلابته وحماسته في أوساط المحيطين بالرئيس دونالد ترمب، بأنه "فورست غامب الشرير في السياسة الأميركية".

بديهي القول إنه لا يُمكن للشخصيات الخيالية مُقاضاة أحد على التشهير بها، لأسباب قوية واضحة. ولكن، لو أمكنها فعل ذلك، لكان غامب الرزين للغاية أن يلجأ إلى المحاكم، بعد التعليق الذي صرّح به ستون حول اعتقاله.

إذا كان اسم تلك الشخصية الغريبة (روجر ستون) لا يحرك شيئاً في أذهانكم، فأنا أتوسل إليكم أن تُشاهدوا الفيلم الوثائقي المُبهر الذي ظهر في 2007 بسمّى "جيت مي روجر ستون" على قناة "نيتفلكس". وأسدي لك نصيحة بأن تُشاهد كل لحظة من ذلك الفيلم الحامي الوطيس الذي تبلغ مُدته 92 دقيقة إن استطعت ذلك، على الرغم من أن ذلك لن يزيل الإحساس بالتلوث الذي ستسشعره تماماً. وللتخلص من ذلك الإحساس، قد تحتاج الفريق الطبي الخاص بمحطة الطاقة النووية الذي عقّم جراح ميرل ستريب حتى أصبح جلدها أحمراً مُتسلخاً، بعدما شغّلت أجهزة كشف الإشعاعات في فيلم "سِلك وود".

بغض النظر عن كمية القذارة التي يمكن أن نشعر بها، فمن شاهدوا فيلم "جيت مي..." باتوا جاهزين لتلقي ردة فعل ستون على اعتقاله من قِبَل الشرطة الفيدرالية بسبب بتعديات مشتبهٌ فيها ترتبط بالتواطؤ المفترض بين روسيا وحملة ترمب الانتخابية في 2016. إذ وصف عملية اعتقاله بالعمل "غير المعقول". ولم يكن ذلك لمجرد أنها أدخلت الرعب على زوجته وكلابه، بل لتضمنها "استخداماً مفرطاً للقوة بأكثر مما استُعمِلَ عند الإطاحة ببن لادن، أو إل تشابو، أو بابلو إسكوبار". تلقي تلك الكلمات بعض الضوء على الميل إلى المبالغة المفرطة لدى روجر ستون.

جدير بالذكر أن بن لادن رُمي بالنار مرتين في رأسه من قبل مشاة الأسطول الأميركي في باكستان، تمهيداً لإلقاء جثته في المُحيط الهندي. كما أُلقِيَ القبض على إل تشابو (= يواكيم جوزمان) على يد قوات البحرية المكسيكية والتي قتلت خمسةً من أعوانه خلال غارة استُخدِمَتْ فيها القنابل اليدوية. وكذلك أطاحت تلك القوات بنظيره زعيم تجارة المُخدرات إسكوبار في مدينة "ميدايين" الكولومبية التي تُعتبر إحدى معاقل تجارة الكوكايين، عِبَر إطلاق رصاصة فتّاكة اخترقت أُذنه.  

 وعلى الرغم من قدر الجُنون الذي يُوحي به إدّعاء ستون، والخرف الذي يلازمه دوماً، إلا أنّ ذلك تضمّن شيئاً من المنهجيّة أيضاً. وعلى مدار أربعة عقود (ومع ملاحظة أنه غير متورطٍ بجرائم جنسية، إلا أن طيفها يلوح في الأُفق عبر سلوكياته الشهوانية)، شكّل ستون بالنسبة إلى عالم السياسة في واشنطن، ما كانه المذيع والمعلق التلفزيوني البريطاني الشهير السير جيمي سافيل ذات مرّة، بالنسبة إلى عوالم الترفيه في بريطانيا.

في ذلك السياق، لم يختفِ ستون تماماً عن الأنظار. إذ تمنعه نرجسيته الطاغية من الاختفاء كُلياً، إضافة إلى عشقه التفاخر بإتقانه أكثر فنون السياسة مُكراً. ومع ذلك، كانت طباعه الغريبة بمثابة سِتارة من الدُخان، تخفي مُكْرَهُ بضباب العبثية الإيمائية التي حمته ولم تدع أحد يأخذه على محمل الجد.

مهما تكُن نتيجة الاتهامات الموجهة إليه، وقد حدد موقفه بأنه غير مُذنب بارتكابها، إلا أنه يتوجب أخذه على محمل الجد. يرجع ذلك إلى كونه الواجهة (وأحياناً يكون من المُخطّطين)، لمسار انحدار سياسات حزبيّة جمهوريّة إلى جحيم الفساد، وقد بلغت أقصى تدنيّاتها مع رئاسة دونالد ترمب الحالية.  

في ذلك الصدد، ثمة من يدّعي أنه من دون ستون، لا إمكانية لوجود دونالد ترمب. فقد مضى 30 عاماً منذ أن شجعه ذلك الصديق والمُستشار على الترشح إلى رئاسة البيت الأبيض للمرّة الأولى. وبنفاذ بصيرة يتخطّى ما امتلكه فوريست غامب، استطاع ستون أن يتشمم إمكانية النجاح في خلق زعيم غوغائي من شخص قد يكون بالكاد أقل منه عتهاً.

يُعتبر ستون قزماً في سلة القُمامة الشيطانيّة الخاصة بالرئيس الجمهوري السابق ريتشارد نيكسون. إذ ضمت صفوف تلك العصابة أعضاءً أقل ابتذالاً مثل ديك تشيني ودونالد رمسفيلد اللذين فضّلا التخفيف من وطأة هذه الصِلة التي تربطهم ببعضهم بعضاً. وقد نقش ستون الذي تدّبَر بمكر أمر الحصول على وظيفة في حملة الرئاسة في 1968، وشماً لصورة نيكسون على ظهره ولا يحتاج إلا لقليل من الإقناع كي يُظهره.

عندما تكشفت بعض الحقائق عن تلاعباته، تسبب ذلك في استبعاده من البيت الأبيض أثناء رئاسة جورج دبليو بوش على الرغم من تحريضه على أعمال شغب خارج محكمة ميامي اثناء عملية إعادة فرز الأصوات في فلوريدا (وقد أدّت دوراً حاسماً في فوز بوش الإبن بالرئاسة آنذاك)، شرع ستون في صنع مجموعة ضغط بالتعاون مع زميله بول مانافورت (المُتّهم الآن أيضاً في قضية التدخل الروسي نفسها) وآخرين. ومن الواضح أن اختصاصهم يتمثّل في تنظيف سُمعة الطُغاة القتلة.

بعد التنقيب بعناية عن خبايا الأنا الخاصة بترامب، تمكن ستون أخيراً من استخراج  ثروة قذرة في 2015 عندما قرّر كائنه السياسي (= ترمب) الذي صنعه بنفسه، الترشح للرئاسة.

من المُمكن الكشف أو عدم الكشف عن تفاصيل ما فعله ستون على وجه التحديد لتسهيل عملية انتخاب ترمب، سوى استبدال الزي الرزين المعتاد في الحملة الانتخابية، بـ"تي شيرت" يحمل صورة بيل كلنتون فوق كلمة "اغتصاب".

لعله كان صادقاً في ما أورده ضمن بيانه الأصلي (على الرغم من أن تعليقاته اللاحقة بدت مُبهمة) بأنه سيُسجى في قبره بلا ذنوب. ولكن، إن لم تكُن رحمة الله وشيكة، فإن هذا الرجل البالغ من العُمر 66 عاماً سيرى معنى العيش في سن الـ80 في إصلاحية كوسيلة لإعادة النظر في تعهداته.

لا يهم ذلك في الحالتين كلتيهما، بالأحرى إنه في أقل تقدير، أدنى وقعاً من الحقيقة الصارخة بأنه جرى السماح لهذا الشخص بأن يتحكم في البؤرة المركزية للقوى العالمية على مرأى من الجميع، وربما حتى صوغ التاريخ العالمي.

وأخيراً، كما الحالة مع ترمب نفسه، قد يُدرك ستون أن الأعراف المُرتبطة بتلفزيون الواقع لا تتشابه مع واقع السياسة. ويقصد من ذلك إنّ الغرور الهمجي واللاأخلاقية المقيتة التي تُعتبر شريان حياة الأولى (تلفزيون الواقع) ما هي إلا عدوى سامّة تسري في مجرى دم الأخيرة (واقع السياسة). وبعد تلكؤ وتباطؤ، شرع جهاز المناعة في النظام السياسي الأميركي في القتال مدافعاً عن نفسه، وبشراسة لا يُمكن تصور حدوثها في بريطانيا المتقادِمَة المُتشددة التي خلصت الشرطة فيها سريعاً إلى أن التحقيق في تورط روسيا في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ليست من شأنها.

في المقابل، يبدو ذلك المرض عُضالاً، ولا يمكن حتى التخفيف من آلامه لفترة طويلة. لا تكمن العلّة في روجر ستون ولا حتى ترمب. إذ لا يمثّل هذان الشخصان سوى أعراض لعلاقة مرضية تربط المال والسلطة مع بعض عناصر الإعلام، لكن لا توجد رصاصة سحرية كتلك التي فجرت رأس بن لادن، كي تقتلها.

© The Independent

المزيد من تحلیل