Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ستحرر التكنولوجيا سوق الثقافة العربية والمغاربية؟

هذه المنطقة تعرف اختراقات تمارسها العبقريات الفردية الشابة الجديدة

لخلق سوق معاصرة للثقافة علينا أن نحرر المجتمع والمثقفين منتجي الرأسمال الثقافي من مفهوم للثقافة نفسها (أ ف ب)

 

ملخص

آخر هذه الاختراقات ما حققته الروائية الجزائرية الشابة #سارة_ريفنس التي تمكنت من أن تصبح ظاهرة أدبية عالمية تبيع ملايين النسخ من روايتها "#الرهينة"

لماذا لم نستطع خلق سوق للثقافة، وهل سيتمكن الجيل الجديد باعتماده على التكنولوجيا المتجددة من خلال منصات التواصل الرقمية الذكية من خلق سوق تكون فيها العبقرية الفردية متحررة من قوانين تفرضها السوق العربية والمغاربية التقليدية المتحكمة في الرأسمال الثقافي؟

لماذا عجزنا عن التأسيس لسوق للثقافة والفنون في مجتمع عربي ومغاربي مفتوح على كثير من المشتركات والقواسم منها اللغوية والدينية والتاريخية، وفي الوقت نفسه يتمتع هذا العالم بكثير من التنوع الإثني واللغوي الذي يكرس إمكانية قيام مثل هذه السوق التي تكون قادرة على المنافسة وأيضاً على تحرير العالم الأوروبي والأميركي الذاهب نحو "تنميط" ثقافي لن يطول عمره؟

بدءاً، لخلق سوق معاصرة للثقافة في هذه المنطقة الممتدة من شمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط، علينا أن نحرر المجتمع والمثقفين منتجي الرأسمال الثقافي من مفهوم للثقافة نفسها، مفهوم أصبح بائداً.

في مجتمعاتنا لا يزال ينظر إلى الثقافة على أنها ذلك الإنتاج الرمزي والقيمي الذي يبدعه قطبان، بكل ما يحمله كل قطب من رمزية وتأويل، وأول القطبين هو "الفقيه"، والفقيه هنا يجب أن يفهم في بعده الروحي والجمالي واللغوي والفلسفي والتشريعي، أي هو ذلك الإنسان المنتج للقيم الدينية بكل أشكالها ومضامينها وحمولاتها الأيديولوجية والاجتماعية والسياسية واللغوية والقومية والإثنية.

وانطلاقاً من أن صورة الفقيه مرتبطة في المخيال الشرقي والمغاربي بأنه المثقف الذي ينشط في حقل الثقافة الإلهية ومحيطها وقناعاتها، فهذا الشخص، بكل رمزيته، يبدو وكأنه هو مِلك لله، باعتباره الوسيط بين الله والعباد وباعتباره أيضاً شخصاً رأسماله القرآن وهوامشه، فهو بهذا المعنى يشتغل في مربع "المقدس"، وهذا "المقدس" بكل حمولته التي عمرها أزيد من 14 قرناً، لا يمكنه أن يعرض في السوق، السوق المتوحشة بما فيها وبما تتطلبه من منطق العرض والطلب ولعبة التنافس، بسوق تفترض الربح والخسارة، وعلى هذا التصور تتأسس القناعة التالية، إن من يتعامل بكلام الله وتأويلاته وتجلياته في حقول المعرفة والفن والجمال والفكر هو في نهاية الأمر شخص ينتج قيماً خارجة ومتعارضة مع الاقتصاد.

وباعتبار أن كل مثقف في هذه المنطقة العربية والمغاربية فيه قليل أو كثير من صورة الفقيه في الذهنية العامة، مهما كانت مواقفه الفكرية وسلوكاته الاجتماعية، فإن القيم التي تصدر عن هذا "الشيخ، الفقيه" لا تشكل هاجساً اجتماعياً ولا حتى فردياً في دورة الاقتصاد، فعدم تسليع ما ينتجه هذا "المنتج للرأسمال الرمزي" هو ما يعذل التأسيس للسوق الثقافية ويجعل المجتمع لا يمنحها قيمة مادية بل يحشرها في مربع القيم المشاع.

إن ارتباط صورة الفقيه منتج الفكر والثقافة بالمقدس يجعل الثقافة/ الكتب/ الفكر/ غير مشجعة لتسليعها أو من العيب تداولها في السوق التي هي فضاء للربح والخسارة والمنافسة الدنيوية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما القطب الثاني الذي يحدد مفهوم الرأسمال الثقافي، فهو الشاعر، وصورة "الشاعر" هنا لا تعني مطلقاً ذلك الشخص الذي ينتج القصائد فقط، بل هذه الصورة لها ظلال تأويلية أكبر وأوسع في المخيال العربي والمغاربي، فالشاعر هو من ينتج اللغة وينتج الغناء وينتج السعادة الفردية والجماعية.

إن صورة الشاعر كقطب منتج للرأسمال الثقافي لا تزال حتى الآن مرتبطة بـ"الجنون" وبـ"اللامسوؤلية" وبـ"المدح" أي "الاحتفال بالسلطان"، وهذه الصور جميعها متعارضة مع قيم السوق التي هي فضاء للمبادلات الجماعية المادية، فالمجنون أو اللامسؤول أو المداح للسلطان لا يمكنه أن ينتج سلعة قابلة للتداول وللعرض والطلب كما تمليه قيم السوق.

بين هذين القطبين، صورة الشاعر من جهة بحمولة الجنون والعبثية واللامسوؤلية، وصورة الفقيه من جهة ثانية بكل علاقتها المكبلة بالمقدس، وهما الفاعلان الأساسيان المفترض فيهما إنتاج الرأسمال الرمزي في مجتمع ما، وهو الرأسمال الذي ينتج "قيم السعادة" وقيم "المقاومة" وقيم "الوعي" التي هي من صميم مضمون السلع الثقافية، إلا أن المجتمع بمثل هذا "التصور" لمصدري الثقافة الواقع ما بين الجنون والمقدس لا يمكنه أن يؤسس لسوق الثقافة.

كما أن الأنظمة السياسية في هذه المنطقة التي أصبحت بديلاً عن الدولة، بحيث اختفت الدولة كمؤسسات عابرة للأنظمة السياسية المختلفة التي تتداول السلطة الموسمية، هذه الأنظمة السياسية تفرض مفهومها للثقافة، وهو مفهوم يتعارض مع اقتصاد الثقافة، مفهوم يحصر الثقافة في مهمة واحدة وهي خدمة مصالح هذا النظام السياسي أو ذاك، ثقافة شغلها الشاغل هو إدامة عمر هذا النظام أو ذاك، بهذا المفهوم، فالثقافة التي تروج لها هذه الأنظمة هي ثقافة ضد التنافس لأن التنافس في مفهوم الأنظمة السياسية هو "معارضة" وبحث عن "انقلاب".

إن الثقافة التي تعرضها الأنظمة السياسية التي توهم المواطن بأنها هي الدولة ومؤسساتها في السوق، هي سلع أيديولوجية ترويجية لا تباع ولا تشترى، وفي ظل هذه الفهم الأيديولوجي الموسمي للثقافة، فقد أسست هذه الأنظمة السياسية ترسانة من المؤسسات التي ظاهرها ثقافي ومضمونها واشتغالها هو البروباغندا بأشكالها المختلفة والمتفاوتة، مؤسسات تشتغل تحت مسميات ثقافية كالمسرح والسينما والنشر والموسيقى وهي ليست أكثر من مؤسسات لإنتاج ثقافة الترويج السياسي لأنظمة مرتبكة تنتمي إلى ممارسات سبعينيات القرن الماضي لا لخلق رأسمال للثقافة قادر على المنافسة المحلية والجهوية والدولية.

وحين تقع الثقافة ومؤسساتها المفترضة في فخ انتظار "المعونة المادية" السنويAssistanat ، فإنها لن ترقي إلى مستوى المنافسة التي تفرضها السوق المحلية أو الدولية لأن "المعونة المادية" من قبل نظام سياسي معين لا تكون إلا لتحقيق مطلب محدد هو "الصمت" و"مناهضة" المختلف في المؤسسات التي يفترض أن تكون فضاء للحرية وللتعددية الإبداعية والجمالية والفكرية.

لكن على رغم هذا الأفق المغلق، واقع يتخبط ما بين الفقيه والشاعر والنظام السياسي، فإن المنطقة العربية والمغاربية تعرف اختراقات تمارسها العبقريات الفردية الشابة الجديدة، وذلك بالاستثمار من خلال المنصات الرقمية الكبرى العالمية التي تفتح بابها لمثل هذا الإبداع الثقافي الآتي من الأطراف، وهو ما لاحظناه في الأعوام الخمسة الأخيرة، إذ إنه وبفضل التكنولوجيا الجديدة تمكن كثير من الأسماء في الموسيقى والأدب والفن التشكيلي والمسرح أن يسوّق منتجاته الفكرية والأدبية والفنية، وآخر هذه الاختراقات ما حققته الروائية الجزائرية الشابة سارة ريفنس، صاحبة الـ 24 سنة، فتمكنت هذه الكاتبة من أن تصبح ظاهرة أدبية عالمية تبيع ملايين النسخ من روايتها "الرهينة" وتترجم إلى عشرات اللغات، مع أنها تعيش في الجزائر وتشتغل موظفة بسيطة جداً، بمثل هذا الذكاء الإنساني المستثمر في الذكاء التكنولوجي استطاعت سارة ريفنس أن تحرر نفسها، ومن ورائها، الإبداع من خلال المنصات الرقمية العالمية.

فهل يا ترى ستكون التكنولوجيا الجديدة باباً لتحرير الذهنية العربية والمغاربية من قطبي الفقيه والشاعر وتحرير الثقافة من ثقافة الأنظمة التي جعلت من الثقافة مركوباً أيديولوجياً، بالتالي تدخل الخيرات الإبداعية التي تنتج في هذه المنطقة إلى سوق الثقافة ودورتها الاقتصادية؟ 

اقرأ المزيد

المزيد من آراء