مصادم ذرّات أوروبي أطول من بنما وتنافسه الصين

تملك أوروبا "مُصادِم هادرون الكبير" لدرس تراكيب الذرة الداخلية لكن العلماء لم يكتفوا به، فوضعوا تصميماً لآخر أضخم منه يفوق قناة بنما طولاً

صورة متخيلة عن المُصادِم الأوروبي المستقبلي

لطالما تفاخرت أوروبا بـ"مُصادِم هادرون الكبير  (Large Hadron Collider)الذي يعدّ من أضخم المشاريع العلمية المعاصرة لدرس التراكيب الداخلية في الذرّة. ويمتد "هادرون" 27 كيلومتراً على الحدود الفرنسية- السويسرية. وحقّق منجزات علميّة ضخمة، ربما أقربها إلى الذاكرة أنه استطاع في عام 2012 أن يلتقط تركيبة ذريّة دقيقة تسمّى "جسيمات بوزون هيغر، التي هي المكوّن الأصغر الذي تتألف منه مكوّنات الذرّة الأخرى كالبروتونات والإلكترونات والنيوترونات وغيرها.

ونال ذلك الانجاز تكريماً بأن أوصل العالِم البريطاني بيتر هيغز، الذي كان أول من نادى بوجود الـ"بوزون" عبر دراسة نظرية، إلى جائزة "نوبل" في الفيزياء في عام 2013.

على رغم ذلك، أو ربما بسببه، لم يعد علماء الذرة يكتفون بـ"هادرون". وفي منتصف يناير (كانون الثاني) 2019، كشف مركز "سيرن" للفيزياء النوويّة، ومقرّه جنيف، عن خطة علميّة طموحة لبناء مُصادم ذرّات آخر، يفوق طوله حوالى 100 كيلومتر، فيكون أطول من قناة بنما. وأطلقوا عليه تسمية "المُصادِم الدائري المستقبلي" (Future Circular Collider) لأنه سيتّخذ شكل دائرة، وتصل تكلفته إلى نحو 9 مليارات يورو، مع توقّع إنجازه سنة 2040، وهو الموعد المقرر لإغلاق "مُصادِم هادرون الكبير".

ثمة منافس للمشروع الأوروبي المستقبلي، يتمثّل في الصين التي أعلنت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 عن مشروع مماثل لبناء مُصادم ذرّات سمته مُصادِم الإلكترون- البوزيترون الدائري، ويصل طوله إلى حوالي 100 كيلومتر، ويتوقع أن تصل كلفته إلى 5 مليارات دولار، ويبدأ تشييده سنة 2022 ليصبح قيد التشغيل في 2030. وإذا سارت الخطة الصينية وفق ما هو مرسوم، فسيسبق المُصادم الصيني نظيره الأوروبي في العمل زمنياً، لكنه يتشارك معه في التركيز على درس "جسيمات بوزون- هيغز".

 

ما هو الرهان؟ إنه الثورة الرابعة

يرجع الاهتمام العلمي بجسيمات "بوزون هيغز" إلى أنها، على الأرجح، تقدم مفتاحاً أساسياً لفهم كيف تتركب الذرّات التي تتألف منها المواد كلها. واستطراداً، يقدم ذلك مدخلاً مهماً لإحداث التطوّر الذي طال انتظاره في علوم النانوتكنولوجيا وتقنياتها. إذ تستند الفكرة الأساسيّة في النانوتكنولوجيا إلى التحكّم بالذرّات نفسها، أي التحكّم بكل ذرّة مفردة، وكذلك التحكّم في مكوّنات الذرّة الواحدة. في تلك الحال، يصبح ممكناً استخدام ذرّات أي مادة لصنع مواد أخرى، سواء أكانت موجودة طبيعياً أو أنها ستركّب وفق أوصاف يرتئيها العلماء. مثلاً، يمكن استخدام ذرّات الرمل لصنع أنواع غير موجودة طبيعياً من المعادن تكون فائقة القوّة وشديدة المتانة، فتُصنع سيّارات لا يزيد وزنها على عشرات الكيلوغرامات، ومركبات فضاء تستطيع تحمل أقصى درجات الحرارة والبرودة وغيرهما.

وينطبق الوصف نفسه على صنع آلات بحجم ميكروسكوبي تستطيع دخول الجسم، وتخليصه من الجراثيم والميكروبات والخلايا السرطانية ومعظم الأمراض التي تصيبه!

بقول آخر، إذا استطاع العلماء سبر الأغوار الفعلية لجسيمات "بوزون هيغر"، ينتقل النانوتكنولوجيا إلى وضع يستطيع فيه صنع آلات متميّزة نوعيّاً عما يعرفه البشر حاضراً، بل ربما متميز عما عرفوه في تاريخهم المعروف كله. وعند تلك النقطة، يحصل العبور فعلياً إلى الثورة الرابعة التي يعيش البشر حاضراً مراحل التمهيد لها. وتعتمد الثورة الرابعة على الاندماج بين علوم المعلوماتية والاتصالات [خصوصاً الذكاء الاصطناعي] والنانوتكنولوجيا والبيولوجيا.

ويؤدي التحكّم بالذرات دوراً محوريّاً في وصول تلك العلوم كلها إلى مرحلة التطوّر المطلوبة لإطلاق الثورة الرابعة. ولعل ذلك لا يمثّل سوى أحد الرهانات العميقة المنوطة بمشاريع تطوير المُصادمَين الأوروبي والصيني وتشاركهما في دراسة جسيمات "بوزون هيغز" وغيرها من المُكوّنات الداخليّة للذرّة.

المزيد من علوم