Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تحول الهوس بالنحافة إلى "دعاية رائجة" للموت؟

سوق منتجات إنقاص الوزن تبيض ذهباً واحتساب السعرات الحرارية يبدأ بريئاً وينتهي بأضرار قاتلة

صار ينظر إلى الجسم على أنه محرك وقوده الطعام مما أدى إلى تغيير نظرة الناس إلى غذائهم (مواقع التواصل)

ملخص

السمنة ذات تأثير سلبي على الإدراك والمزاج وبخاصة لدى #النساء و#قياس_الوزن قد يتحول إلى هوس قاتل

عندما قرأت عن فوائد حساب السعرات الحرارية التي نتناولها عبر الطعام، أو التي نحرقها في المقابل من خلال الحركة والرياضة على إنقاص الوزن الزائد لم أكن أعلم أن ذلك سيتحول إلى أسلوب حياة، بالتالي هوس من نوع ما، إذ كان من المتوجب عليّ بداية أن أشتري ميزاناً للأطعمة يدلني على وزنها بالغرامات. ومن ثم اضطررت إلى شراء ساعة ذكية من النوع الذي يرصد عدد الخطوات ودقات القلب والسعرات التي نحرقها. وبعد ذلك آلات رياضية مناسبة للاستعمال المنزلي، حيث كان العالم يمر بأزمة "كوفيد-19".

تكومت تلك الآلات في زاوية من زوايا المنزل لاحقاً، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل وتبعاً لنصيحة أحد التطبيقات التي تتقاضى نحو 40 دولاراً كل موسم، اشتريت ميزاناً ذكياً للأوزان البشرية، بحيث يعطي نسبة الدهون والماء والوزن الزائد تبعاً للطول والعمر والجنس. وهكذا تحول الموضوع من "ريجيم" عابر إلى تغيير في أسلوب العيش، وقد تنسحب تجربتي على تجارب عديدة لنساء ورجال حول العالم.

السعرة الحرارية أو "الكالوري"

السعرة الحرارية هي وحدة لقياس الطاقة عادة ما تستخدم للتعبير عن القيمة الغذائية للطعام، وهي مأخوذة من كلمة "calor" اللاتينية التي تعني "حرارة"، ويستخدم التعبير منذ أكثر من قرن. وكان العالم الفرنسي سادي كارنو أول من استخدم الكلمة في المحاضرات التي ألقاها عن المحركات الحرارية في بدايات القرن الـ19، وتختصر بالإنجليزية في "Cal"، وهو مقدار الطاقة الذي نحصل عليه عند تناول طعام معين.

شكلت القدرة العلمية على قياس ما يحتويه الطعام من سعرات حرارية نقطة تحول مهمة. يقول البروفيسور نيك كالاثار أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة "إنديانا" بمدينة بلومينغتون الأميركية "فجأة تحولنا من عالم يسود فيه اعتقاد أن النظام الغذائي لشخص ما يرتبط بشكل مباشر بخلفيته العرقية، وبالمناخ الذي يعيش فيه، وطبقته الاجتماعية، وبالطبع بكونه ذكراً أم أنثى، وبأن كل نظام غذائي لا يمكن مقارنته بنظام آخر، إلى عالم آخر أصبحت فيه هذه المقارنة ممكنة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع أن "افتراضاتنا في شأن الطعام تغيرت بشكل كبير، فقد بدأ الناس ينظرون إلى الطعام على أنه محصلة لعديد من المكونات، مثل البروتين والكربوهيدرات والدهون والمغذيات الدقيقة إلى آخره، صار الجسم ينظر إليه على أنه محرك وقوده الطعام، مما أدى إلى تغيير نظرة الناس إلى الطعام".

ثم بدأت السعرات الحرارية بالتأثير في السياسات العامة، فخلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وضعت البحرية اليابانية معايير غذائية لضباطها تشبه المعايير الغذائية الأوروبية، وأضيفت اللحوم، ولا سيما لحم الخنزير والدجاج، إلى طعام البحارة، وتم ترويج فوائدها للشعب الياباني بشكل عام، ويقال إن الطعام الياباني الذي يستمتع به كثيرون منا في الوقت الحالي تطور بفضل تلك التغييرات. وعلى مدى عقود طويلة، استخدمت الولايات المتحدة طريقة حساب السعرات الحرارية لتحديد كميات الطعام التي ينبغي إرسالها للبلدان التي تعاني الجفاف، كما أن عصبة الأمم التي تشكلت في أعقاب معاهدة "فرساي" في نهاية الحرب العالمية الأولى، وضعت معايير غذائية عالمية عام 1935، ونصت على أن الشخص البالغ ينبغي أن يستهلك 2500 سعرة حرارية يومياً.

حالياً السعرات الحرارية التي ينصح بتناولها يومياً هي 2500 سعرة للرجل، و2000 للمرأة، فيما يعتبر بعض المتخصصين أن حساب السعرات الحرارية التي يتناولها الشخص طريقة بالية عفا عليها الزمن. فحتى لو احتوت أطعمة مختلفة على قيمة الطاقة نفسها، فإنها قد لا تحتوي على الفوائد الغذائية ذاتها.

على سبيل المثال، كوب من الحليب يتضمن نحو 184 سعرة حرارية، في حين أن كوب جعة بالحجم نفسه يحتوي على 137 سعرة. ونقلت شبكة "بي بي سي" عن إدريان روز بيطار المتخصصة في تاريخ وثقافة الغذاء الأميركي بجامعة "كورنيل" في نيويورك، أن "هذا الهوس بالسعرات الحرارية يضر بالناس"، مؤكدة أن هاجس السعرات الحرارية واتباع برامج تخفيضها قد يؤديان إلى بعض المشكلات".

تقول بيطار "بعكس مدمن المشروبات الكحولية الذي يستطيع الإقلاع عن تناولها، فإنك لا تستطيع التوقف عن تناول الطعام. وكثير من اضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية المرضي وفرط الشهية المرضي (النهم) تبدأ ببرنامج حساب سعرات بريء". مضيفة أن بعض برامج الحمية تقدم النصح والمشورة للأشخاص حول كيفية احتمال أنظمة غذائية منخفضة السعرات بشكل خطر.

المكملات الغذائية تجارة مربحة

قد يكون من الجيد احتساب السعرات الحرارية ومعرفة النسبة التي تدخل إلى الجسم يومياً من خلال الطعام المتناول، لكن تحول الأمر إلى هوس قد ينذر بمشكلة حقيقية تحول دون خسارة الوزن بالشكل المطلوب، إضافة إلى زيادة التوتر والقلق والابتعاد عن الهدف الحقيقي من وراء الحمية، وبخاصة أن إعلانات إنقاص الوزن التي تنتشر بسرعة هائلة على وسائل التواصل فارضة شكلاً ووزناً مثاليين، تدفع عديداً من الناس وبخاصة فئة المراهقين لمقارنة أنفسهم ومظهرهم الخارجي بالمشاهير، تلك الإعلانات قد تكون وسيلتها الأولى التلاعب بثقة الفرد بنفسه، دافعة إياه لاعتماد وسائل تؤذي صحته مقابل مبالغ من المال تذهب إلى شركات منتجات الحمية والمكملات الغذائية، إذ تعد تلك الصناعة من الصناعات المربحة.

ويشير أحد التقارير الاقتصادية إلى أن حجم استهلاك المكملات الغذائية وصل إلى 132.8 مليار دولار عام 2016، وحقق زيادة بنسبة 8.8 في المئة عام 2017، وتوقع أن يصل حجم الاستهلاك إلى 220.3 مليار دولار عام 2022.

ويقول رئيس الجمعية المصرية لمصدري ومنتجي المكملات الغذائية محمد أنور إن الدول العربية تقوم باستيراد مكملات بما يتجاوز 10 مليارات دولار من أوروبا والصين والهند والولايات المتحدة، موضحاً أن حجم تجارة المكملات على مستوى العالم يقدر بنحو 200 مليار دولار.

ونقلت صحيفة "دايلي ميل" البريطانية في تقرير لها نشر عام 2019، عن بول كلايتون عالم الصيدلة الإكلينيكية قوله، إن معظم المكملات الغذائية التي تباع على رفوف محال السوبرماركت أو في الصيدليات ولا يحتاج صرفها إلى وصفة من طبيب، رديئة الجودة لدرجة أنها "لا يمكن أن تكون فعالة"، مضيفاً "معظم الشركات التي تصنع هذه المنتجات تستخدم مكونات رخيصة ليس لها دليل علمي يذكر".

وشن كلايتون حينها هجوماً لاذعاً على الصناعة التي تكلف مليارات الدولارات حول العالم، معتبراً أن التأثير الوحيد لهذه المكملات الغذائية هو استنزاف أموال المستهلكين التي كسبوها بشق الأنفس.

ووفقاً لتقرير إدارة خسارة الوزن، الذي نشر عام 2010، عبر موقع "Natural Products Insider"، فإن أكثر من 1.7 مليار شخص يعانون السمنة المفرطة، أي ما يقارب من 25 في المئة من سكان العالم.

وتقول شركة "Marketdata Enterprises"، وهي شركة للأبحاث حول الأسواق، ومقرها فلوريدا، "عام 2004 بلغت قيمة سوق إنقاص الوزن في الولايات المتحدة 46.3 مليار دولار، وعام 2007 كانت قيمتها 55 مليار دولار".

وبحسب تقديرات الشركة، من المتوقع أن تصل القيمة إلى 278.95 مليار دولار نهاية عام 2023 بالحفاظ على معدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.4 في المئة خلال الفترة ما بين عامي 2017 و2023. ويشمل ذلك الجراحات والأدوية والمكملات الغذائية والحميات والكريمات التي تروج لنفسها كطريقة فعالة للتنحيف.

وفي تقرير آخر صادر عن شركة "ريسيرش أند ماركتس"، فإن حجم سوق منتجات التخسيس بلغ 957 مليون دولار في السعودية خلال عام 2017، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 1.5 مليار دولار بحلول عام 2023 تزامناً مع ارتفاع نسبة الوعي في شأن مخاطر العادات الغذائية غير الصحية وما يصاحبها من أمراض مزمنة ومقلقة.

في المقابل، وفيما يخص العقاقير تحديداً، فقد انخفضت قيمتها السوقية بسبب رفض إدارة الدواء الفيدرالي الموافقة على عديد من الأدوية المعلقة لإنقاص الوزن وسحب ترخيصها من الأسواق والصيدليات.

هوس مرضي بالنحافة

يعد حساب السعرات الحرارية أمراً جيداً للحفاظ على نشاط الدماغ ومرونته وعلى صحة الجسم أيضاً، لكنه قد يتحول إلى عادة سيئة إذا بات هوساً أو ما يعرف بالوسواس القهري.

في بداية العشرينيات، انتشرت موازين وأجهزة قياس الوزن في المنازل والعيادات، وأصبح تسجيل طول المريض ووزنه إجراءً روتينياً في غالبية العيادات والمستشفيات. ومنذ ذلك الوقت، بات العالم مهووساً بمقاييس الوزن والحجم، وبدأ عندها الأطباء بوصف أدوية لإنقاص الوزن إلى أن وصل هذا الهوس لأعلى مستوى عام 1942، عندما أنشأت شركة تأمين أميركية مجموعة من المعايير تحدد "الوزن السليم"، أعدها باحثون في شؤون التأمين على الحياة. وبحلول الخمسينيات عندما كان 30 في المئة من الأميركيين يعانون السمنة المفرطة، بدأت صناعة منتجات التنحيف والأدوية بالنمو تدريجاً.

وعلى رغم أن بعض مكونات هذه الأدوية لم تكن مخصصة للاستهلاك البشري، فقد تم استخدامها لأول مرة من قبل الفرنسيين في تصنيع الذخيرة خلال الحرب العالمية الأولى وكمبيد للحشرات والأعشاب، لكن في الثلاثينيات اكتشف العلماء في الولايات المتحدة أن بعضها مثل الـDNP الذي يرمز إلى 2.4Dinitrophenol، يساعد على رفع معدل الأيض، مما يؤدي إلى حرق الدهون والسعرات الحرارية، لكنه دواء يباع بطريقة غير مشروعة كمكمل لإنقاص الوزن.

وغالباً ما يستهدف تجار التجزئة عبر الإنترنت الذين يبيعون DNP لاعبي كمال الأجسام وأخصائيي الحميات المتطرفة ويعدون بنتائج معجزة، وهذا الدواء خطر للغاية، ويمكن أن يكون مميتاً حتى للشباب والبالغين الأصحاء، ويتم تسويقه وتوزيعه كمساعد على التخسيس من خلال كبح الشهية أو تسريع عملية الأيض أو منح شعور بالشبع، لكن زيادة سرعة معدل الأيض ودرجة حرارة الجسم، يمكن أن يؤديا إلى آثار جانبية خطرة مثل فشل الأعضاء. وسرعان ما حذرت وكالة معايير الأغذية من استخدامه، معتبرة أنه يمكن أن يؤدي إلى "الغثيان والتقيؤ والأرق والتعرق والدوخة والصداع والتنفس السريع وعدم انتظام ضربات القلب، مما قد يؤدي إلى الغيبوبة والموت".

وفقاً لـJournal Of Medical Toxicity، فإن الـDNP يرتبط بأكثر من 60 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم، بينهم من تناولوا جرعة زائدة، وآخرون أخذوها لفترة زمنية طويلة قبل أن تنهي حياتهم، وعلى رغم هذه التحذيرات وغيرها من الحالات التي سببت الوفاة لمتعاطيها، فإن الدواء بقي منتشراً، وهو ما حدث مع الطالبة سارة هيوستن (21 سنة) التي تعاطت هذه العقاقير لأكثر من 18 شهراً، وكانت قد اشترتها عبر الإنترنت وأدت إلى وفاتها عام 2015، بحسب ما نشرت صحيفة "تلغراف" البريطانية وقتها.

الجدير ذكره أنه على رغم التوقعات بأن يبلغ حجم السوق العالمية للحمية الغذائية 253 مليار دولار بحلول عام 2024، فإن معظم أنظمة الحمية القاسية مصيرها الفشل، وفقاً لدراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا، وأظهرت أن من يتبعون حمية غذائية يفقدون من 5 إلى 10 في المئة من وزنهم في أول ستة أشهر، ثم ما يلبث أكثر من ثلثيهم أن يستعيدوا وزناً أكبر مما فقدوه خلال أربع أو خمس سنوات.

المزيد من صحة