Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوليفر باركر مخرج إنجليزي يرفض أن يكون هوليووديا

يتجول بين شكسبير وأوسكار وايلد وأغاثا كريستي في المسرح والسينما بعيداً من السينما الأميركية

مشهد من فيلم "زوج مثالي" (1999) لأوليفر باركر (موقع الفيلم)

منذ نحو ثلاثين سنة ظهر المخرج الإنجليزي أوليفر باركر في الساحة السينمائية الإنجليزية ونشاطه الفني مليء بالوعود. ونعرف طبعاً أن كل فنان إنجليزي في المسرح أو في السينما، وحتى في التلفزة الآن، لا يمكنه أن يبدو في بدايات عمله مليئاً بالوعود، إن لم يعلن انتماءه إلى شكسبير. وكانت تلك هي حال باركر الذي كانت بداياته في السينما قبل ذلك، كممثل في عدد من أفلام معظمها بوليسي بعد أن تكون في فن التمثيل على الطريقة الإنجليزية باحترافية، ودون أن يعلن منذ بدايته في عام 1987 أنه يتطلع نحو الإخراج، وكان بالكاد بلغ الخامسة والعشرين حينها، لكنه وبشكل مفاجئ تحول إلى الإخراج في عام 1994 تحديداً مجرباً حظه مع ما لا يعتبر من قبيل المغامرة في مثل هذا المضمار، وهذه السن بتحقيق نسخة جديدة من "عطيل" الشكسبيرية. وهو إلى إخراج الفيلم تولى إنتاجه بنفسه كما كتب له سيناريو بدا واضحاً أنه في صياغته لا يتطلع إلى أن يبارح الصياغة المسرحية للعمل.

على خطى أورسون ويلز

والحال أن ذلك التمسك من قبل السينمائي الجديد الشاب بالصيغة المعهودة للنص الشكسبيري لم يكن لديه من قبيل الصدفة، بل كان اتباعاً لمبدأ مقصود يسير فيه باركر على خطى سلف كبير له في الأفلمة الشكسبيرية، أورسون ويلز. فباركر اتبع المبدأ ذاته حين دنا لاحقاً من مسرحيتين كبيرتين لأوسكار وايلد محافظاً على بعدهما المسرحي، "زوج مثالي" في عام 1999 و"أهمية أن تكون جاداً" في عام 2002، بل إنه فعل أكثر من ذلك حين حول لاحقاً رواية وايلد نفسه "صورة دوريان غراي" إلى فيلم سينما لاحظ كثر من النقاد فيه أبعاداً شديدة المسرحية في رسم الشخصيات والمواقف. كان من الواضح إذاً أننا هنا أمام مخرج يتوق إلى دمج السينما بالمسرح، أو العكس، ولقد كان له في ذلك محبذون، كما كان له معارضون. أما هو فلم يبال بذلك، بل واصل طريقه متبعاً المبدأ ذاته معيداً الفعل المسرحي إلى الواجهة في كل ما حقق للسينما كما للتلفزيون، بما في ذلك فيلم اقتبسه عن أغاثا كريستي ومغناة مؤفلمة بعنوان "جيش أبي"، وفيلم يكاد يكون بيوغرافيا عن السياسي الإنجليزي صمويل بايبس. غير أن الأهم من ذلك كله هو أن باركر في خضم ذلك مارس أمراً غريباً لم يعتد أي من السينمائيين الإنجليز أبناء جيله ممارسته.

بغير حاجة إلى هوليوود

فهو وبكل وضوح أصر على رفض دنو هوليوود منه ومنذ بداياته السينمائية تقريباً، وتحديداً منذ عرض واحد من أول أفلامه الروائية الطويلة، وهو "زوج مثالي" على الصعيد العالمي، وتحديداً في المسابقة الرسمية لدورة مهرجان "كان" الفرنسي في عام 1999. ولفت الأنظار إن لم يكن بتجديد ما في لغة سينمائية تنهال على نص لأوسكار وايلد، فعلى الأقل بتمكن ذلك المخرج من تقديم عمل له كل خصائص السينما الهوليوودية دون أن يريد لفيلمه أن يكون هوليوودياً. ويبدو أن هوليوود التي كانت قد أنتجت الفيلم على أية حال معتبرة إياه سينما مستقلة من طريق شركة "ميراماكس" القريبة جداً من السينما الأوروبية، ولا سيما من السينمائيين الأوروبيين الذين يسعون إلى التأمرك، هوليوود فهمت أن باركر "يتدلل" فسايرته، لكنه عاد بنفسه وأكد طوال ما لا يقل عن عقدين أنه لم يكن يتدلل، بل لا يريد بالفعل أن يتحول إلى إنجليزي "آخر" في هوليوود على خطى عشرات سبقوه ونجحوا هناك. كان يريد أن يبقى إنجليزياً. والطريف في الأمر أنه حين حاوره يومها صحافي في "كان" لافتاً نظره إلى أن أبطال فيلمه هوليووديون ضحك، وسأله، "ألا تعرف أنهم كلهم ممثلون إنجليز كبار أرادوا في فيلمي أن يستريحوا من هوليوود بعض الشيء في عودة منهم إلى جذورهم؟". وكان باركر محقاً في ذلك، فالحقيقة أن كيت بلانشيت وروبرت إيفريت وميني درايفر وجوليان مور، وحتى جيريمي نورثام، هم جميعاً إنجليز بشكل وآخر كانوا قد "تهلودوا" منذ حين. وأكد باركر أنه هو لا يريد ذلك.

المثالية مهددة

وكان "زوج مثالي" يوضح ذلك الأمر على أية حال. ومن هنا تساءل أوليفر باركر مدهوشاً عما رآه النقاد هوليوودياً في الفيلم. فـ"زوج مثالي" من ناحية الموضوع والأجواء عمل إنجليزي خالص، بل عمل سياسي استخدمه أوسكار وايلد، إذ كتبه مسرحية في عام 1895، أي في عز صدامه مع المؤسستين السياسية والاجتماعية في إنجلترا الواقعة تحت هيمنة الذهنية الفيكتورية الصارمة والمحافظة سلاحاً ضدها هي التي تعيش على "النفاق المتبادل"، كما كان يقول - وسيدفع غالياً ثمن هذا القول لاحقاً على أية حال، لكنه لن يغضب، إذ تزامنت نهايته مع نهاية عدوته الرئيسة الملكة فكتوريا، غير أن تلك حكاية أخرى بالطبع. ولقد تعمد وايلد أن يطعن تلك المؤسسة في صميم فؤادها، أي المتعلق بالبعد الأخلاقي وفي أعلى مستويات السلطة المحافظة. فنحن نعرف أن الموضوع يدور من حول ذلك "الزوج المثالي" أو الذي أوهم مجتمع السادة الكبار الذين هو واحد من أقطابهم أنه كذلك، وراحوا يتعاملون معه على ذلك النحو، ولا سيما وهو الآن عضو مرموق في البرلمان. فالسير روبرت تشيلترن، وذلك هو اسمه، سياسي وسيد مجتمع "مثالي" يملك كل شيء إلى جانب أخلاقه الراقية وسمعته البراقة، كل شيء يمكن أن يشكل فخر زوجته الليدي تشيلترين التي يحبها الجميع، وهي تبدو على الدوام سعيدة بكونها وزوجها يشكلان ذلك الثنائي المثالي السعيد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حين تختلط الأمور

ولكن كما أن لكل سعادة وسمعة عطرة وجهها الخفي الآخر، وعلى الأقل في رأي أوسكار وايلد الذي كان همه الدائم في صراعه مع المؤسسة الإنجليزية يتطلع لتصوير "الوجه الآخر من الميدالية"، ها هي السيدة الفاتنة الآتية من اللامكان – بل من ماضي السير تشيلترن بشكل أكثر تحديداً - مدام شيفيلي، تظهر حاملة معها سراً من ماضي هذا الرجل المرموق تهدد بفضحه ما من شأنه أن ينسف حاضره ومكانته وحياته الزوجية السعيدة في الوقت نفسه. وإذ يسقط في يد النائب لا يجد مناصاً من اللجوء إلى صديق له هو اللورد آرثر غورنغ وهو واثق من أنه يملك الحل الناجع لهذه القضية التي تحولت لديه إلى قضية حياة أو موت! وبالفعل، يلتقط غورنغ القضية معتقداً أنه كما حاله دائماً قادر على السيطرة على المسألة برمتها هو الذي اعتاد دائماً على أن يكون سيد الحلول المبتكرة وحلال القضايا العسيرة، لكنه سيجد نفسه هذه المرة أمام متاهة شديدة التعقيد تختلط فيها حكاية السير تشيلترن وزوجته وحياته السياسية التي باتت على وشك أن تتدمر، مع تهديدات مدام شيفيلي التي تبدو ذات إصرار غريب وغامضة الأهداف في مسعاها، بل سيزيد الأمور تعقيداً دخول مابيل تشيلترن أخت السير روبرت على الخط، وهي امرأة فاتنة قوية تعرف عادة ما تريد ويبدو عليها اليوم، إذ بات لها دور في الحكاية أن ما تريده إنما هو تحطيم "عزوبية" غورنغ التي تبدو الشيء الوحيد الذي عرف كيف يحافظ عليه حتى الآن. وها هي تلك العزوبية تكاد تنفرط أولاً من جراء دخول مابيل في صلب العقدة الرئيسة، ولكن ثانياً من خلال إحساس غورنغ بأنه ها هو أيضاً قد وقع على "الزوجة المثالية" إن أراد...

اثنان في معركة واحدة

ولن نتابع الحكاية هنا، لكننا سنحاول طبعاً أن نتفهم موقف أوليفر باركر الذي بقدر ما يبدو مجدداً في عالم المسرح المؤفلم يبدو في اختياراته على مسافة بعيدة جداً من هوليوود هو الذي لم يكن اختياره أوسكار وايلد صدفة. فهو بدوره كان، وربما لا يزال حتى الآن، في غمار معركة يخوضها ضد المجتمع الإنجليزي شديد الطبقية. فكيف سيمكنه أن يتابع معركته إن تحول هوليوودياً كما كان منتظراً منه أن يفعل؟

المزيد من ثقافة