Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة الانتقالية في السودان تواجه تحدي إدارة حدود ملتهبة

يقتضي التعامل مع الحدود المشتركة بين الخرطوم وجيرانها مراعاة المناطق التي تقطنها المجموعات المحلية

تحولت بعض المناطق الحدودية بين السودان وتشاد إلى بؤر خطرة لنشاط التهريب والمجموعات المسلحة المعارضة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

على رغم طول نزاعات السودان الحدودية مع جيرانه، فإن حكامه لم يتشكل لديهم وعي جيوسياسي يمكنهم من صياغة معالجة حكيمة لملفات هذه النزاعات، وهو مؤشر إلى عدم استقرار وترسخ الدولة السودانية. لعقود طويلة من الزمن، خيم على حدود السودان كثير من الغموض بسبب أن وثائقها صيغت بواسطة المستعمر البريطاني، وغالباً ما تكون نتيجة لاتفاقيات وقعها مع المستعمر في البلد الجار لأغراض خاصة بمصالحه أو سياسته التوسعية أو لتوطيد حكمه. وليست الحدود وحدها، إنما الدولة الأفريقية كذلك في التاريخ السياسي الحديث، هي نتيجة للاستعمار الأوروبي.
وبينما كانت الحكومات الوطنية في السودان منذ الاستقلال وحتى فترة الديمقراطية الثالثة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي تصر على تحجيم هذه النزاعات أحياناً وتتجاوزها في أحيان أخرى، فإنها في عهد النظام السابق اتخذها الرئيس عمر البشير مادة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية لأسباب عدة منها إيواء بعض الدول المجاورة جهات معارضة. وخلال كل تلك الفترات ارتبطت قضية الحدود بشكل مباشر بالنزوح والهجرة غير الشرعية، والتهريب، والاتجار بالبشر وتجارة المخدرات، وجرائم الإرهاب وغيرها.
وتنوعت النزاعات الحدودية بين نزاعات باردة كما في حالة الحدود السودانية- المصرية، ونزاعات ساخنة كما في حالة الحدود مع إثيوبيا، وهذه متعلقة بالتعدي على الأراضي الزراعية في منطقة الفشقة إحدى محليات ولاية القضارف. أو في حالة الحدود مع ليبيا وتشاد بسبب أن الحدود بين السودان وكلتا الدولتين، تشكل معبراً للحركات السودانية المسلحة المتمردة أو مسرحاً للهجمات من جماعات تشادية مسلحة أيضاً تخترق الحدود السودانية في أعمال سلب ونهب للماشية. أو كما في حالة الحدود مع أفريقيا الوسطى التي ظلت مهدداً بسبب عبور الجماعات الإرهابية واللاجئين من النزاعات هناك، ثم إعلان إغلاقها أخيراً بسبب محاولة تنفيذ انقلاب على السلطة في بانغي من الأراضي السودانية. وأيضاً في حالة جنوب السودان لعدم ترسيم الحدود بعد انفصال الجنوب إلى دولة مستقلة، وبسبب النزاع على منطقة أبيي الغنية بالنفط.

بؤر خطرة

ظل "مجلس السلم والأمن" التابع للاتحاد الأفريقي يطرح مبادرات عديدة لمعالجة النزاعات الحدودية ضمن إدارة وتسوية النزاعات في القارة الأفريقية، وتنفيذ برنامج مسائل الحدود، منذ بداية تحول "منظمة الوحدة الأفريقية" إلى "الاتحاد الأفريقي" في عام 2002. ونظمت "مفوضية الاتحاد الأفريقي" في اجتماعها بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في السابع من يونيو (حزيران) 2007، أول مؤتمر للوزراء الأفارقة المعنيين بمسائل الحدود. واعتمد ذلك المؤتمر الإعلان الخاص ببرنامج الحدود للاتحاد الأفريقي وطرق تنفيذه، ويهدف إلى تعيين وترسيم الحدود الأفريقية التي لم ترسم بعد، تجنباً لأي تأثير سلبي ينجم عن عدم ترسيمها، وتعميق مسار التكامل خصوصاً أن الحدود المعينة بوضوح تتيح السماح بتدفق التبادلات التجارية والاستثمارية في الموارد الطبيعية مثل المياه والطاقة التي تعد مصدر ثراء القارة السمراء، وكذلك تنقل الأشخاص. واستكمل مشروع الاتفاقية الخاصة بالتعاون العابر للحدود في نيامي بالنيجر (اتفاقية نيامي) في 17 مايو (أيار) 2012، ثم اعتمد الاتحاد الأفريقي الاتفاقية في يناير (كانون الثاني) 2014. وبعد ذلك بأربع سنوات أي في فبراير (شباط) 2018، اتفق السودان وليبيا وتشاد والنيجر في نيامي على وضع خطة دبلوماسية عسكرية أمنية مشتركة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، خصوصاً في منطقة الساحل. وتتكامل الخطة مع بروتوكول التعاون الأمني بين الدول الأربع الذي وضعت مسودته خلال اجتماع في العاصمة التشادية نجامينا في مايو (أيار) من العام نفسه. غير أن جهود القوات المشتركة ظلت تسير ببطء مع تسارع وتيرة التهديدات المستمرة، وتحول بعض المناطق الحدودية إلى بؤر خطرة للتنظيمات الإرهابية، ونشاط التهريب والمجموعات المسلحة المعارضة. وفي عام 2020، اعتمد مؤتمر "الاتحاد الأفريقي" استراتيجية تحسين إدارة الحدود المتكاملة، وهي "تعمل كإطار لحوكمة الحدود في كل أنحاء القارة، فضلاً عن كونها أداة لتوجيه وتنسيق واتساق السياسات الحدودية على المستويات القارية والوطنية والإقليمية".


اختراق الحدود

أفضى فشل إحكام قبضة القوات المشتركة السودانية- التشادية على الحدود بين البلدين، إلى تعرض مناطق غرب دارفور الممتدة على الحدود الطويلة إلى تفلتات أمنية وزيادة حدة نشاط الجماعات المسلحة في عمليات النهب وقتل المواطنين. وأخيراً، كشفت مصادر أمنية، عن إقدام عشرات المسلحين التابعين لحركات سودانية مسلحة وقعت على اتفاق جوبا للسلام، على عبور الحدود مع السودان والتمركز في مناطق تابعة لولاية غرب دارفور. ونظراً إلى الانشقاقات في صفوف الحركات المسلحة، فإن فصائل كثيرة منها كانت ترفض الانضمام إلى اتفاق السلام وتتمركز على الحدود. وشهدت الفترة الأخيرة حشداً للقوات عبر الحدود من دون إخطار حكومة ولاية غرب دارفور.
هنالك أيضاً فجوة أمنية في المثلث الحدودي بين السودان وليبيا وتشاد لوجود هذه النقطة في منطقة بعيدة عن العواصم الثلاث، وفي أوقات كثيرة تكون خارجة عن سيطرة السلطات المحلية بسبب ما تثيره تحركات هذه الجماعات المسلحة وخلافاتها. وتنشط جماعات المرتزقة في النزاعات عبر الحدود لدعم جماعات في دول أخرى مقابل المال. وفي هذه المنطقة الحدودية، أعلنت قوات الدعم السريع في وقت سابق أنها ألقت القبض على 160 شخصاً أثناء تهريبهم للقتال في ليبيا كمرتزقة، من بينهم أجانب، كما سبق أن قال رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان إن "حركات مسلحة سودانية ترسل مرتزقة إلى ليبيا". وإضافة إلى ذلك تنشط مجموعات في تهريب البشر والسلع والموارد وفي مقدمها التنقيب عن الذهب الموجود في المنطقة وتعدينه، ويمثل في هذه المنطقة الملتهبة أحد الاقتصادات التي تغذي الحرب. وقد أثرت التطورات السياسية داخل الدول الثلاث على تفاقم عدم الاستقرار في حدودها كانعكاس لما يحدث بالداخل.

ترسيم مؤجل

لا يأتي الحديث عن الحدود السودانية- الإثيوبية من وجهة نظر إثيوبية إلا في سياق الإمبراطورية الإثيوبية الممتدة التي قامت على حيازة الأراضي والطموحات التوسعية لإمبراطور الحبشة منليك الثاني الذي أعلن في عام 1891 أن حدود بلاده تشمل مدينة القضارف ممتدة إلى الخرطوم، ولكن تم تحديد توسعاته في منطقة بني شنقول الغنية بالمعادن والذهب. أما وجهة النظر السودانية، فتستقي من الإرث البريطاني، فالحدود التي رسمها المستعمر البريطاني في عام 1902، لتأمين مصالحه على النيل في وجه المشاريع الفرنسية، قطعت الطريق أيضاً أمام الطموحات التوسعية لإمبراطور الحبشة.
وقع البلدان على اتفاقية 1972 التي نصت على "بقاء كل طرف في موقعه، والسماح للمجموعات السكانية على الأطراف بحرية التحرك والعمل، وتأجيل ترسيم الحدود السيادية حتى التوصل إلى اتفاق نهائي".
في خضم حربها مع "جبهة تحرير تيغراي"، اتهمت أديس أبابا الخرطوم بدعم الجبهة، وأعلن الجيش السوداني في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2020، تعرضه لكمين من قبل ميليشيات إثيوبية في منطقة الفشقة بولاية القضارف على الحدود مع إثيوبيا، أثناء مهمة تمشيط داخل الأراضي السودانية، ولكنه تقدم بعدها واستعاد المنطقة المتنازع عليها. ووقعت الاستخبارات العسكرية التابعة للجيشين السوداني والإثيوبي، اتفاقاً في الخرطوم نص على تبادل معلومات أمنية خاصة بأنشطة المجموعات ومهربي السلاح على الحدود الشرقية في 25 ديسمبر 2020، بعد تفاهمات تمت قبل أيام من التوقيع بين جهازي استخبارات البلدين على تعزيز الجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم الاقتصادية العابرة.
واستمر التشاكس بين وجهتي النظر خلال أكثر من 130 عاماً على الحدود بطول 725 كيلومتراً التي آل بعضها الآن إلى دولة جنوب السودان، ومن ضمن الديناميات المؤثرة على الحدود، دفع الصراع في منطقة تيغراي، شمال إثيوبيا، اللاجئين الإثيوبيين إلى السودان حتى وصل عددهم إلى نحو 40 مليون إثيوبي بحسب مفوضية اللاجئين، يعيشون على حدوده المضطربة في ظل ظروف سيئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

​​​​​​​
حشد المسلحين

من جهة أخرى، تحكم حدود السودان مع أفريقيا الوسطى البالغ طولها 1070 كيلومتراً، وثائق وقعت بين بريطانيا وفرنسا في عامي 1898 و1919 وبروتوكول 1924 الذي تم بموجبه تخطيط الحدود المشتركة. ومنذ استقلال الدولتين ظلت السلطات المحلية تعمل في تعاون على جانبي الحدود. وفي عام 1967، وقعت بعض الأحداث إذ اتهمت حكومة أفريقيا الوسطى السودان بدخول قواته المسلحة أراضيها ومهاجمة اللاجئين مما أدى إلى أن تجمد أفريقيا الوسطى علاقاتها مع السودان، واتضح بعد ذلك أن الهجوم تم من داخل أراضي أفريقيا الوسطى بسبب خلاف بين المتمردين وقادتهم. ومع ذلك استمرت عبر السنوات الاتهامات لكل طرف بإيواء معارضة الطرف الآخر واتهامات أخرى متبادلة بسبب الرعي والصيد غير المشروع والتهريب والتسلل عبر الحدود.
أخيراً، أعلن السودان عن نشر قوة عسكرية وإغلاق حدوده مع أفريقيا الوسطى التي تعاني اضطرابات سياسية وقبلية، مع تنامي العنف بين الجماعات المتقاتلة على السلطة "درءاً للفتنة والحفاظ على حسن الجوار"، بحسب ما قال نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي كشف عن مخطط عسكري لتغيير نظام الحكم في بانغي، انطلاقاً من الأراضي السودانية، متهماً جهات لم يحددها بحشد جماعات مسلحة على الحدود والتخطيط للتمرد على السلطة هناك.

نقاط العبور

من ناحية أخرى، وبعد مضي 12 عاماً على استقلال جنوب السودان، لا تزال الحدود بينه وبين السودان غير محددة ومصدراً دائماً للاحتكاك، فقبل الانفصال، حملت اتفاقية نيفاشا 2005 بنوداً لترسيم الحدود، ولكنها استمرت ضمن قضايا عالقة أخرى بين البلدين. ونتيجة لذلك، لا تزال نزاعات الرعاة من الجانبين تشتعل بين وقت وآخر إذ يظن كل منهما أنه يتحرك باتجاه منطقته الخاصة. وتقوم السلطات في البلدين في كل مرة بإرسال قواتها لحفظ الأمن وفض النزاع. ومع أن النزاع الحدودي لم يصل إلى كونه نزاعاً فعلياً بين الدولتين، وإنما وضع ضمن القضايا العالقة، أملاً في حله وتأجيلاً لمواجهات قادمة، لكن في كل مرة تقع اشتباكات مسلحة في الحدود.
وبعد توقيع الاتفاق الحدودي بين الخرطوم وجوبا في يونيو (حزيران) 2019، حدثت سلسلة اشتباكات مسلحة في ولاية أويل شمال بحر الغزال، على حدود الدولتين بين الميليشيات المتحالفة مع "جبهة جنوب السودان المتحدة" بقيادة بول مالونغ، و"قوات الدفاع الشعبي في جنوب السودان"، ثم التقى رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت بحكومة السلطة الانتقالية عند زيارته الخرطوم، فعقد اتفاقاً نص على أن يقوم السودان بطرد الميليشيات المتحالفة مع مالونغ من قواعدها في السودان مقابل مساعدته في التوسط مع الجماعات المسلحة السودانية من دارفور والمنطقتين (جبال النوبة والنيل الأزرق)، مع الحكومة الانتقالية. وفي ديسمبر الماضي اتفق البلدان على "تعزيز حركة المعابر الحدودية بينهما لتسهيل التجارة وحركة الأشخاص، بناء على اتفاقية عام 2012 التي حددت ثماني نقاط عابرة للحدود كمواقع جغرافية مهمة يمكن فيها إنشاء نقاط عبور حدودية".

إدارة الحدود

أسس السودان حماية حدوده على قواته المسلحة، ولكن بعد أن أصبح ظل "قوات الدعم السريع" يخيم على عتبات الجيش وصلاحياته، بدأ الجيش يعتمد عليها في تأمين الحدود كقوة داعمة له وليست رئيسة. وتأتي هذه الصلاحيات وفق ما أقرته "الوثيقة الدستورية" بأن "تكون قوات الدعم السريع قوات عسكرية تتبع للقوات المسلحة ويحدد القانون أهدافها ومهامها".
ويقتضي التعامل مع الحدود المشتركة بين السودان وجيرانه مراعاة المناطق التي تقطنها المجموعات المحلية، وفي معظمها أقيمت مشاريع مشتركة بين الدول مما شكل ديناميات تغيير وانتقال على المستوى الوطني، واختلطت المجموعات المحلية باللاجئين من بعض الدول، وطالبي اللجوء وغيرهم. ومع أن بعض المنظمات الراعية للمجتمعات المحلية على الحدود تتخذ مبادرات لتخفيف التوترات واستيعاب حرية التنقل عبر الحدود على رغم العقبات التي تفرضها السلطات الإقليمية والاتحادية، لا تزال هناك تحديات تتمثل في انتشار العنف وانعدام الأمن والخلافات المحلية على الموارد، والتطرف العنيف، مما يتطلب تعاوناً إقليمياً على مستوى السياسات والمؤسسات والتخفيف من تأثير التهميش والإهمال لبعض المناطق. ويتم ذلك بإرساء تسويات ناتجة عن المفاوضات المتسلسلة، قائمة على مبدأ توازن المصالح، والحفاظ على سيادة البلاد عبر إضفاء طابع وظيفي مرن وإداري يفرغ من حمولة الخلافات السياسية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل