Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موائد المصريين بطعم الـ"أبيض والأسود" والأكلات الشعبية سيدتها

مع الغلاء الشديد اضطرت أسر الطبقة المتوسطة إلى إجراء تغييرات في نظامها الغذائي كي تستطيع الصمود

ربما سيضطر الناس مرغمين إلى العودة مجدداً لما تربى عليه آباؤهم قبل سنوات طويلة (أ ف ب)

يعود أبناء رانيا من مدارسهم ليجدوا على طاولة الغداء طبقاً من الشكشوكة (البيض بالبصل والخضراوات) وأرغفة من الخبز البلدي، ويتعجب الأبناء من هذا الغداء غير المعتاد بالنسبة إليهم، حيث خلت المائدة من الأرز والخضراوات واللحوم أو الدجاج.

أسرة رانيا واحدة من العائلات المصرية التي تنتمي للطبقة المتوسطة، التي دفعها الغلاء الشديد إلى إجراء تغييرات في طريقة الحياة والنظام الغذائي المعتاد حتى تستطيع الصمود في ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب.

مع أي جولة في الأسواق سيلاحظ المشتري ارتفاعاً كبيراً في أسعار كثير من السلع الأساسية، إذ وصل سعر طبق البيض في الأيام الأخيرة إلى 90 جنيهاً (نحو خمسة دولارات)، وزيوت الذرة وعباد الشمس 53 جنيهاً (نحو ثلاثة دولارات) للزجاجة الصغيرة، بينما وصلت أسعار اللحوم إلى 200 جنيه للكيلو غرام (نحو 10 دولارات)، وسعر الدجاجة المتوسطة 60 جنيهاً (3.5 دولار)، كما شملت الزيادات أسعار منتجات مثل الألبان ومشتقاتها والأرز والمعكرونة و السلع الأساسية كافة التي لا غنى عنها لجميع البيوت.

الوضع السابق دفع كثيراً من الأسر إلى تغيير أولوياتها ووضع نظام جديد للتكيف مع موجة الغلاء الشديد، فالميزانية التي كانت تكفي ليمر الشهر بسلام أصبحت تحتاج إلى معجزة لتستمر الأسرة في الحصول على غذاء متوازن، بخاصة في حال وجود أطفال.

مجد الأكلات الشعبية

الكشري الأصفر (خليط من الأرز والعدس الأصفر اشتهرت به المناطق الساحلية في شمال مصر)، والعجة، والشكشوكة، والمسقعة، والسبانخ بالبيض، أكلات تقليدية مصرية ربما أهملها الناس لسنوات، وهي تتميز بكونها اقتصادية إذ لا تضم عناصر مكلفة مثل اللحوم والدواجن، لكنها في الوقت ذاته تحتوي على البروتين وخصوصاً العدس و البيض.

ربات المنازل واجهن تحدياً كبيراً للتحايل على الأزمة الاقتصادية وتوفير طعام جيد للأسرة طوال الشهر بالميزانية المتاحة نفسها، كثيرات منهن بحثن عن وصفات أقل في الكلفة، وربما لا تتضمن لحوماً أو مواد باهظة الثمن لتقديمها أياماً عدة خلال الشهر كشكل من أشكال ضغط النفقات، ليكون الحل في الأكلات الشعبية المصرية التي توارى الاهتمام بها لدى كثير من الأسر في السنوات الأخيرة، ثم عادت للظهور مجدداً على موائد المصريين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقول سها، وهي مدرسة وأم لطفلين في المرحلة الإعدادية "نعاني جميعاً من موجة الغلاء هذه الأيام، فمصروف بيتي كان في حدود 4000 جنيه (نحو 200 دولار)، وكان يفي باحتياجاتي كاملة من طعام وشراب بشكل ممتاز، لكن في الأشهر الأخيرة أصبح لا يمكن الاستمرار بالشكل نفسه، فهناك سلع وصلت نسبة الزيادة في ثمنها إلى ما يقرب من الضعف مع عدم وجود أية زيادة في الرواتب، وكان الحل الوحيد هو تقليص المشتريات والاعتماد على بدائل، بخاصة في السلع الغالية مثل اللحوم، وبالفعل أصبحت أقدم كل أسبوع أكلات من دون لحوم، وكان الاتجاه إلى الأكلات الشعبية التي لم يعتدها أطفالي بشكل كبير مثل العجة والشكشوكة، فهي تحتوي على البروتين من البيض ولكنها أقل في الكلفة".

تشير هند، وهي أم لطفلين في المرحلة الابتدائية، "مشكلتي الكبرى هي المواد الغذائية التي احتاجها لإعداد (اللانش بوكس) لأطفالي في المدرسة، فأسعار منتجات الألبان ومن بينها علب اللبن الصغيرة للأطفال و أنواع الأجبان كافة أصبحت مبالغاً فيها، وحتى أسعار الخبز نفسه، فإعداد وجبة متكاملة لطفل في المدرسة تحتاج ميزانية خاصة، حيث وصل سعر علبة الجبن الأبيض النصف كيلو إلى 70 جنيهاً (نحو أربعة دولارات)، وسعر علبة الجبن المثلثات إلى 25 جنيهاً (نحو دولار ونصف)، لذلك اعتمدت أخيراً الجبن القريش لأنه أقل في الكلفة، وعدت إلى عمل التمر بالسمن والسمسم كبديل عن المربيات والشوكولاتة، وكانت أمي تعده لنا وقت دراستي، لكننا لم نعد نصنعه منذ زمن طويل، ولم يتقبل أطفالي الأمر في البداية، لكن لا مفر من التكيف".

خبرات على "السوشال"

الصفحات والمجموعات الخاصة بوصفات الطعام شهدت نقاشات عدة بين السيدات اللاتي أصبح شغلهن الشاغل هو كيف يمضي الشهر بأمان وبأفضل حال ممكن في ظل هذا الغلاء، حيث يجري تبادل الخبرات حول الأكلات الاقتصادية التي يمكن اعتمادها حالياً، وكيف يمكن إلغاء بنود واستبدالها بأخرى، وما هي البدائل الأرخص من كل سلعة، مع البحث عن وصفات لإعداد بعض الأكلات التي أصبحت أساسية في حياة كثير من الأسر، بخاصة التي لديها أطفال أو شباب صغار في السن، لكنها ذات كلفة عالية مثل أنواع "البرغر" والحلوى المختلفة.

تقول هدى، وهي ربة منزل في الثامنة والأربعين "أصبحت أتابع جيداً الصفحات التي تقدم عروض السوبر ماركت، والمجموعات التي تقدم خبرات واقتراحات لوصفات الطعام، وحصلت على بعض الأفكار ونفذتها بالفعل، ومن بينها إعادة استغلال بواقي الطعام بشكل جيد، فباقي الأرز الذي تناولناه اليوم يمكن غداً أن يتحول إلى (طبق فتة)، وهو من الأكلات المصرية التي يكاد يقتصر إعدادها على عيد الأضحى، وقطعة الدجاج الباقية يمكن أن يضاف إليها بعض البصل والخضراوات وتوضع في سندوتشات للأطفال بعد التمرين الرياضي بدلاً من شراء وجبة جاهزة، واللحم المفروم أكثر توفيراً من العادي، فربع كيلو غرام منه يمكن أن يصنع أكلة ممتازة مثل الكوسة أو البطاطس المحشوة باللحم".

ثقافة غذائية دخيلة

في السنوات الأخيرة يلاحظ بشدة اتجاه قطاع كبير من المصريين إلى أنواع معينة من الأطعمة لم تكن سائدة في السابق، وتبتعد كل البعد من الأكلات المصرية التي اعتمد عليها الناس دائماً، فزيارة واحدة لأي سوبر ماركت سنجد عشرات الأنواع من اللحوم المصنعة، والصلصات ذات الأسماء الغريبة، والمعلبات التي تضم أنواعاً عدة من الأطعمة الدخيلة على المجتمع المصري، لكنها أصبحت أساسية في حياة كثير من أسر الطبقة المتوسطة على رغم  كلفتها العالية.

تقول نجوى وهي سيدة في الخامسة والسبعين وجدة لخمسة أطفال "النظام الغذائي في السنوات الأخيرة أصبح بعيداً كل البعد من ثقافتنا الغذائية، فشكل ونوعية الطعام التي يعتمد عليها أحفادي تختلف كلياً عما كنت أعده لأولادي أثناء طفولتهم، وحتى برامج الطبخ الكثيرة تقدم نمطاً غذائياً مكلفاً وليس في المتناول على الإطلاق، بينما الأكلات الشعبية المصرية كانت دائماً حاضرة على المائدة، وحتى فكرة الاقتصاد وعدم الإهدار كانت أساسية، والأكل في الخارج كان هو الاستثناء في زمننا، لكنه الآن أصبح يكلف مبالغ طائلة، وسيضطر الناس حالياً مرغمين إلى العودة مجدداً لما تربوا عليه، لتتغير ثقافتهم الاستهلاكية بفعل الظروف الاقتصادية".

المزيد من منوعات