Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أي مستقبل ينتظر الصناعة المصرية بعد توقف دعم "المركزي"؟

يرى محللون أن القرار سيرفع تكلفة التمويل على المُصنعين ونتيجته قفزة بالأسعار في الأسواق ومستويات التضخم

تلقى القطاع الصناعي الخاص قرار البنك المركزي المصري بصدمة كبيرة ووصفه مُصنعون بـ"غير المتوقع" (رويترز) 

في الوقت الذي تعوّل فيه القاهرة على الصناعة والزراعة والسياحة، باعتبارها ركائز أساسية لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري، الذي أنهكته الحرب الروسية في أوكرانيا خلال 2022، ومن قبلها جائحة كورونا قبل عامين بزيادة، الإنتاج المحلي ودعم الصناعة وزيادة قيمة الصادرات وتقليل قيمة فاتورة الاستيراد، يتخلى البنك المركزي المصري عن دعم مبادرات التمويل بسعر 8 في المئة المُخصصة لدعم القطاع الصناعي، في ظل تنفيذ برنامج إصلاحي اقتصادي مع صندوق النقد الدولي، بينما تبنت عدة جهات أخرى إلى جانب وزارة المالية مهمة دعم القطاع السياحي والتمويل العقاري الاجتماعي وتمويل الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر.

والاثنين الماضي، أخطر البنك المركزي المصري البنوك المحلية ومجتمع المال والأعمال بالتوقف عن منح التمويلات المتعددة الأشكال في إطار مبادرات لدعم القطاع الخاص الصناعي والزراعي والمقاولات، علاوة على قطاع الطاقة الجديدة والمتجددة بسعر عائد 8 في المئة، على أن يجري سداد الرصيد المستخدم في إطار المبادرة بشكل تدريجي بحسب آجال التسهيلات الائتمانية المتاحة.

وفي نهاية الشهر الماضي، أعلن صندوق النقد الدولي وصول مصر والصندوق إلى اتفاق تمويل يصل إلى ثلاثة مليارات دولار مدته ستة أشهر، إضافة إلى 6 مليارات أخرى من شركاء تجاريين، مؤكداً أن التعاون يهدف إلى إيجاد تعديلات هيكلية للاقتصاد الكلي.

صدمة كبيرة

وتلقى القطاع الصناعي الخاص قرار البنك المركزي المصري بصدمة كبيرة، إذ عبّر متخصصون ومُصنعون ومستثمرون عن اندهاشهم من القرار، الذي وصفوه بـ "غير المتوقع". يقول رئيس جمعية مستثمري مدينة بدر الصناعية بالعاصمة القاهرة، بهاء العادلي، "القرار جاء بعد أقل من شهر بعد عقد المؤتمر الاقتصادي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي". لافتاً إلى أنه "لا يتماشى مطلقاً مع الاهتمام الحكومي والرئاسي بدعم الصناعة والمنتج المحلي في الفترة الأخيرة لتقليل الاعتماد على الخارج في توفير السلع".

وأضاف العادلي، "أصحاب المصانع والمستثمرين يعتمدون بنسبة تتخطى الـ90 في المئة على التمويلات والتسهيلات البنكية بأسعار فائدة مُخفضة، وتخلي البنوك المحلية عن دعم الصناعة سيرفع تكلفة التمويل بشكل مضاعف، فبدلاً من الحصول على تمويل بسعر فائدة 8 في المئة سنضطر إلى جلب نفس قيمة التمويل، لكن بفائدة تصل إلى 16.25 في المئة بعد إضافة اثنين في المئة على السعر المعلن من البنك، وهذا يشلّ الصناعة ويمنع التوسعات في المشروعات".

وحرّك البنك المركزي المصري أسعار الفائدة في اجتماع استثنائي في الـ 27 من أكتوبر الماضي بمقدار 200 نقطة أساس ما يعادل اثنين في المئة، لتصل أسعار الفائدة إلى 13.25 في المئة و13.75 في المئة، و14.25 في المئة على الترتيب.

وفي يناير (كانون الثاني) 2022، أطلق "المركزي" مبادرة لدعم القطاع الصناعي الخاص توفر تمويلات تصل إلى 100 مليار جنيه (نحو أربعة مليارات دولار أميركي) بسعر فائدة لا يزيد على الـ10 في المئة متناقصة، قبل أن يقلل السعر إلى 8 في المئة ومضاعفة التمويل ليصل إلى 200 مليار جنيه (8 مليارات دولار) في مارس (آذار) مع إدراج قطاعات أخرى، مثل الزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، علاوة على قطاع المقاولات لدعمهم في ظل التداعيات السلبية للجائحة العالمية آنذاك، قبل أن يتوقف عن الدعم الأسبوع الماضي، وارتفع حجم التمويل المُقدم من البنوك المحلية لدعم المبادرة إلى نحو 450 مليار جنيه (18.3 مليار دولار) حتى نهاية 2022.

وفي غضون ذلك، أعلن مجلس الوزراء نقل الدعم المقدم لخمس مبادرات من البنك المركزي إلى وزارات أخرى، ليس من بينها مبادرة دعم الصناعة، إذ جرى نقل المبادرات الخمس إلى وزارة المالية ووزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، إضافة إلى صندوق دعم السياحة والآثار (التابع لوزارة السياحة والآثار).

هل طلب صندوق النقد إلغاء تمويل المشروعات؟

وأرجع مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، عبد المنعم السيد، توقف البنك المركزي عن دعم المبادرات التمويلية للقطاع الخاص بشكل عام والقطاع الصناعي بشكل خاص إلى أنه أحد مطالب صندوق النقد الدولي خلال مفاوضات القاهرة مع الصندوق منذ مارس الماضي.

ومن المتوقع أن تحصل تداعيات سلبية على القطاع الصناعي في مصر جراء توقف التمويل المُدعم وقد تعصف بالقدرة التنافسية للمنتجات المصرية سواء في السوق المحلية أو التصديرية في وقت يعد القطاع قارب النجاة للاقتصاد المحلي.

ويعتقد السيد أن إلغاء تمويل المشروعات الصناعية بقروض ميسره لا تزيد على الـ8 في المئة "سيرفع من تكلفة التمويل على المُصنعين، مما يعني زيادة تكلفة الإنتاج، وارتفاع الأسعار في الأسواق، وتتسع مستويات التضخم إلى أعلى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعول القاهرة على ارتفاع قيمة الصادرات الخارجية لدعم البلاد بالعملة الأجنبية، خصوصاً في ظل شح الدولار الأميركي الذي أنهك الجنيه المصري ليخسر نحو 55 في المئة من قيمته في 2022، في ظل تراجع الإيرادات السياحية، وثبات إيرادات قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.

وفي غضون ذلك، ارتفعت قيمة صادرات القاهرة إلى الخارج من 29.3 مليار دولار في 2020 إلى نحو 43.6 مليار دولار في 2021 بنسبة ارتفاع بلغت 48.8 في المئة، وقفزت قيمة الصادرات غير البترولية 32.5 مليار دولار خلال عام 2021، مقابل نحو 25.1 مليار دولار عام 2020 بارتفاع بلغت نسبته 29.9 في المئة، في حين وصلت قيمة الصادرات البترولية والكهرباء 11.1 مليار دولار مقابل 4.2 مليار دولار، بارتفاع 164.3 في المئة.

وحول التوزيع النسبي للصادرات طبقاً لدرجة التصنيع، بلغت أعلى نسبة للصادرات المصرية طبقاً لدرجة التصنيع خلال عام 2021 في السلع تامة الصنع 46.2 في المئة من جملة الصادرات المصرية، ثم الوقود 27.3 في المئة، ثم سلع نصف مصنعة 18.9 من جملة الصادرات المصرية وفقاً للنشرة السنوية للتجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر.

مشروعات صغيرة أغلقت أبوابها

واقترح مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إيجاد حلول أخرى كحوافز وتيسيرات تقدم للقطاع الصناعي بهدف مساندته خلال الفترة المقبلة، مثل "إعفاءات ضريبية وجمركية وتقديم تمويل ميسر عن طريق جهات تمويل أخرى".

من جانبه، قال نائب رئيس هيئة الرقابة المالية الأسبق، مدحت نافع، "إيقاف مبادرة القطاع الصناعي بشكل مفاجئ أمر خطير يضيف فوق كاهل المُصنع أعباءً إضافية متمثلة في تكلفة رأس المال، فضلاً عن الطاقة والتراخيص والأراضي والأعباء التقليدية. لكن أتفهم نقل تبعية المبادرات لكن وقفها بشكل كامل أمر صعب".

ويتوقع نقيب المستثمرين الصناعيين، محمد جنيدي، تأثيراً سلبياً كبيراً في الصناعة، خصوصاً قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي أعلن عدد كبير من أصحاب تلك المشروعات الإغلاق لعدم القدرة على الاستمرار، والأزمة ستتفاقم مع وقف البنك المركزي المبادرات.

ويطالب جنيدي الحكومة المصرية بإسناد هذا النوع من المبادرات إلى "جهات حكومية أخرى بديلة، نظراً إلى التداعيات السلبية التي ستواجه القطاع الصناعي مستقبلاً، في ظل تكلفة الإنتاج وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج عالمياً، علاوة على ارتفاع سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي".

ويتفق رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، شريف الصياد، مع أن عدداً لا بأس به من الشركات في القطاع الصناعي "ستتأثر سلباً، إذ سيقترض المُصنعون من البنوك مثلما يقترض الأفراد وبنفس الأسعار من دون دعم".

وفقاً لما أكده مُصنعون، في حديثهم إلى "اندبندنت عربية"، فإن عدداً غير قليل من أصحاب المصانع والمشروعات "لن يتوسعوا في الأنشطة الصناعية مجدداً مع الاقتراض بفائدة مرتفعة، وقد يبقى كثير منهم حجم شركاتهم على وضعها الحالي".

325 مليار دولار لدعم المبادرات

وضخ البنك المركزي المصري منذ إطلاق مبادرات التمويل نحو 8 تريليونات جنيه (325 مليار دولار) كمبادرات لدعم كافة الصناعات والأنشطة الاقتصادية بفائدة منخفضة بلغت 8 في المئة وفقاً لما أعلنه محافظ البنك المركزي السابق طارق عامر في مايو (أيار) الماضي بمؤتمر اتحاد المصارف العربية.

وبلغ عدد المبادرات التي أطلقها "المركزي" منذ عام 2015 أكثر من 20 مبادرة، من بينها مبادرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بفائدة 5 في المئة سنوياً وضخ تمويلات فيها بأكثر من 400 مليار جنيه (16.25 مليار دولار)، إضافة إلى مبادرة للتمويل العقاري بفائدة 7 و8 في المئة لمحدودي ومتوسطي الدخل قبل وقفها، ثم إصدار مبادرة لمتوسطي الدخل بفائدة 8 في المئة سنوياً، وأخرى بفائدة 3 في المئة سنوياً لمحدودي ومتوسطي الدخل.

كما أطلق "المركزي" مبادرات لتمويل قطاع الصناعة وضم قطاعي الزراعة والمقاولات لها بفائدة 8 في المئة وأخرى لدعم قطاع السياحة لتمويل إحلال وتجديد الفنادق بفائدة 8 في المئة وأخرى لتمويل أجور ومرتبات العاملين بالقطاع، وثالثة للعملاء غير المنتظمين بالقطاع.

أسعار الفائدة مشوّهة

ونتج من تلك المبادرات في غضون 6 سنوات منح تسهيلات ائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة تصل إلى 213 مليار جنيه (8.6 مليار دولار) خلال الفترة من ديسمبر (كانون الأول) 2015 وحتى سبتمبر (أيلول) 2020 لعدد 126 ألف شركة صغيرة ومتوسطة، ويأتي ذلك بخلاف التمويل متناهي الصغر لعدد ما يزيد على 900 ألف عميل متناهي الصغر، وأيضاً بخلاف التمويل الموجه من البنوك لشركات وجمعيات التمويل متناهي الصغر الذي بلغ نحو 14 مليار جنيه (570 مليون دولار)، ومكّنها من الوصول إلى ما يقرب من 4 ملايين مقترض، بحسب بيانات رسمية.

وكانت المبادرات المقدمة من البنك المركزي بمثابة دعم مستتر ضد رغبة صندوق النقد الدولي الذي دائماً ما يفضّل الدعم النقدي المباشر عن الأنواع الأخرى من الدعم، ولذلك نقلت الحكومة المبادرات من "المركزي" إلى "المالية" حتى تظهر قيمة الدعم في الموازنة العامة للدولة. إلى جانب أن إطلاق "المركزي" مبادرات أقل من سعر الفائدة المعلن رسمياً يعتبره "صندوق النقد" تشوهاً في أسعار الفائدة مثله مثل وجود سعرين لصرف الدولار الأميركي، أحدهما رسمي والآخر في الأسواق الموازية (السوداء).

وعن ذلك تقول المتخصصة في الاقتصاد الكلي، عالية المهدي، "نعاني نظام سعر فائدة مشوهاً للغاية، فالمشروعات الكبيرة تقترض عند سعر فائدة يقرب من 16 في المئة، بينما المتوسطة والصغيرة تقدم لها بمبادرات عند سعر فائدة يتراوح بين 5 و8 في المئة، بينما تقترض المشروعات متناهية الصغر عند أسعار فائدة تتراوح ما بين 15 و35 في المئة بحسب الجهة المقرضة".

وأوضحت المهدي، في منشور على صفحتها الرسمية على "فيسبوك"، أن "الجزء الأكبر يقترض عند أسعار الفائدة المرتفعة للغاية هو أمر مناقض للمنطق، ولذلك طالب صندوق النقد الدولي بالبعد عن هذا التشوه وتوحيد سعر الفائدة للجميع".

5 مبادرات فقط

وأيد المحاضر بالجامعة الأميركية، هاني جنينة، ما قالته المهدي، إذ أكد "إبقاء البنك المركزي دعم 5 مبادرات فقط، لأنها تمس الوضع الاجتماعي على غرار مبادرة التمويل العقاري لمحدودي ومتوسطي الدخل، وكذلك مبادرة دعم السياحة، علاوة على الإبقاء على مبادرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، نظراً إلى تعثر تلك المشروعات في الفترة الأخيرة، بل وعدد كبير من تلك المشروعات أغلقت أبوابها لعدم قدرتها على استيراد مستلزمات الإنتاج نظراً لشح الدولار".

وأشار جنينة إلى أن الشركات الكبرى والمتوسطة التي لا تشملها المبادرات التمويلية "ستعاني خلال الفترة المقبلة، وعليها أن تتكيف مع الوضع الجديد، بتقليل هوامش الأرباح، لأن قرار إلغاء المبادرات لا رجعة فيه من الحكومة، ويجب على أصحاب الشركات انتظار هبوط أسعار الفائدة من جديد".

وقبل أقل من 30 يوماً، قال رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، إن "قطاع الصناعة هو قاطرة التنمية للاقتصاد المصري". مضيفاً، في كلمة له بالمؤتمر الاقتصادي الذي نظمته القاهرة في نهاية الشهر الماضي، "يوجد تحد كبير، وهو أن فاتورة الواردات الجزء الأكبر منها مستلزمات إنتاج، إلا أنه حان الوقت لرجال الصناعة المصرية، حتى في ظل التخوف من المخاطرة، للدخول بعمق في إنتاج مستلزمات الإنتاج".