Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكاية 3 أيام من سجالات "دافوس الصحراء"

"السعودية لن تدير ظهرها للعالم" قبيل أزمة كبرى لكن ماذا عن قوى لم تستوعب "درس كورونا" حتى الآن؟

أسدلت الرياض اليوم الستار على "دافوس الصحراء" المنتدى الاقتصادي الذي شارك فيه نحو 6 آلاف من مختلف دول العالم

إذا كان وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان يرى أن "أزمة طاقة" تلوح في الأفق هي الأسوأ منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن أنظار العالم من الطبيعي أن تتجه إلى بلاده التي ظلت رائدة في هذا الحقل منذ عقود، إلا أن جوهر الأزمة في اعتقاد خبراء استغرقت نقاشاتهم ساعات طوال، في مكان آخر، على رغم ثقة الأمير نفسه بأن "السعودية لن تدير ظهرها للعالم"، ولكن ماذا عن آخرين لم يتعلموا بعد من درس الجائحة؟ إذ "لا يمكن لأية دولة حل أزمات العالم بما فيها الطاقة بمفردها".

لقد قالها خبير صيني، "أعجبتك بكين أم لم تعجبك، هي لا تزال حتى الآن قوة مؤثرة في نطاقات كبيرة"، مثل الغذاء والصناعة وسلاسل الإمداد، وهو ما لم يرق ضمناً لمشارك أميركي على الطاولة نفسها، اعتبر ذلك جزءاً من أزمة يعيشها العالم وتحاول واشنطن التخلص منها، "فالشركات الأميركية التي يدفعها الكسل إلى الإنتاج في الصين، بدأت في التغلب على الأمر والبدء في فتح مصانعها داخل أميركا أو دول أقرب من الصين، لا نحتاج سفناً كي تصلنا الموارد من مصانعها"، في إحدى جلسات النقاش خلال منتدى "مستقبل الاستثمار" الذي أقيمت نسخته السادسة خلال الأيام الثلاثة الماضية في العاصمة السعودية الرياض، بمشاركة 6 آلاف شخص، يمثلون معظم أقطاب العالم المالي والاقتصادي.

تحولات تنذر بكارثة

قد يكون هذا رد فعل يبدو للوهلة الأولى منفعلاً، إلا أنه يمثل توجهاً عالمياً حديثاً مضاداً لنهج "العولمة" السابق، بعد أن غدت سلاحاً يستخدم من جانب بعض القوى، وفقاً لتقدير وزير المالية السعودي محمد الجدعان، إلا أنه مثل التحول من الطاقة الأحفورية إلى النظيفة يحتاج وقتاً وتدرجاً، أما حين يتم على هيئة انتقام أو إضرار بآخرين أو انسياق وراء أيدولوجيا ما، فإن النتائج ستكون كارثية.

ولهذا تراجع حتى أكثر المتطرفين في الانتصار للتحول المتسرع نحو الطاقة المتجددة توماس فريدمان، وبدا في مقالة له في "نيويورك تايمز" أمس أكثر واقعية عندما اعتبر أنه بدلاً من مناشدة السعودية زيادة إنتاج النفط، كان على إدارة بايدن إن هي أرادت "أن تكون ترسانة الديمقراطية لحمايتنا وحلفائنا الديمقراطيين وعدم تركنا نتوسل إلى السعودية أو روسيا أو فنزويلا أو إيران لإنتاج مزيد من النفط والغاز، أن تدرك حاجتنا إلى ترسانة طاقة قوية بقدر ما نحتاج إلى ترسانة عسكرية، لأننا في حرب طاقة"، بحسب قوله، معتقداً أنه في المستقبل المنظور ستحتاج واشنطن "مزيداً من كل أنواع الطاقة"، وهو ما كانت تحاول الرياض وشركاؤها إقناع حلفائها في واشنطن باستيعابه منذ حين، مما قد يعني أن عاصفة "أوبك+" الأخيرة بين السعودية وأميركا ليست سيئة على كل حال

 

أمور سيئة وغامضة تلوح في الأفق

لكن مواطنه الأكثر دراية بالأسواق الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورغان" جيمي ديمون يرى أن أزمات الطاقة ومثلها سلاسل الإمداد والركود وكذلك التضخم، لها شق آخر جيوسياسي على صناع القرار تداركه، في إشارة إلى الحرب في أوكرانيا التي ألمح إلى أنها ما لم تحل فإن العالم مقبل على ما يشبه أزمة عالمية.

وقال إن "الوضع الجيوسياسي يثير القلق أكثر من احتمال حدوث ركود في الولايات المتحدة، فالصراع بين روسيا وأوكرانيا والتوترات بين الولايات المتحدة والصين مصدر قلق أكبر من الركود المحتمل في الولايات المتحدة". وعلاوة على ذلك رأى بشكل عام أن "هناك كثيراً من الأمور السيئة والغامضة التي تلوح في الأفق ومن شأنها أن تدخل الولايات المتحدة في ركود، لكن هذا ليس هو الأمر الأهم الذي نفكر فيه، فنحن سنتعامل مع ذلك الوضع بالشكل الصحيح، وأشعر بقلق أكبر بكثير في شأن الجغرافيا السياسية في العالم اليوم".

ولم يمض وقت طويل على تحليله حتى انفجر نقاش ساخن هو في ظاهره اقتصادي لكنه سياسي بين اليونان وتركيا، فعندما انتقد مسؤول يوناني أنقرة كان نظيره التركي غائباً، لكنه رد الصاع صاعين في ندوة لاحقة دعا فيها غريمه إلى "احترام مضيفه وطبيعة المنتدى الاقتصادية"، فيما يشبه توعده في حلبة أخرى أكثر ملاءمة للتلاسن، وهذا ما حاول المنظمون تجنبه حين قال المدير التنفيذي ريتشارد آتاس إن الدعوات لم توجه للمسؤولين السياسيين هذه المرة (خصوصاً الأميركيين)، كي لا يتحول المؤتمر إلى سجال سياسي.

 

وشهدت جلسات المنتدى حالاً من الآراء المتضاربة، إلا أن حال الذعر من المستقبل ظلت مخيمة على أحاديث الخبراء وخصوصاً الآتين من الغرب، على عكس نظرائهم الخليجيين والآسيويين، فبالنسبة إلى السعوديين كانت إشارة الجدعان لافتة عندما حكى أنه في مثل هذه الأيام من العام الماضي اجتمع مع وزراء المال في دول الـ 20 بعد الجائحة، ولم يشاركوه مخاوفه في شأن حاجة الأسواق والعالم إلى اتخاذ مبادرات استباقية تجنب الدول أخطاراً اقتصادية جمة، إلا أنهم قبل أسابيع عندما اجتمعوا مجدداً كانوا أكثر هلعاً مما ينبغي.

وطبقاً لأرقام الاستطلاع الذي أجرته "إبسوس" الأميركية لمصلحة مبادرة مستقبل الاستثمار التي نشرت نتائجه أخيراً، فإن المؤشرات تبرر هذا الانقسام بين الشرق والغرب في النظر إلى المستقبل، فبينما يراه الآسيويون بتفاؤل تشير الأرقام إلى النقيض في منطقة العالم الغربي.

سجال صيني - أميركي على الطاولة

وربما يفسر ذلك نسبة الثقة التي تبدو في أحاديث الصينيين في المنتدى على رغم طول أمد الإغلاق في بكين أكثر من غيرها، بسبب سياستها الشهيرة في التعامل مع الفيروس "صفر كوفيد"، إذ قال ساي منغبو إن "الميزة التنافسية للصين هي امتلاكها سوقاً كبيرة وقدرة إنتاج هائلة"، مما يعني أنها قد تكون أكثر من غيرها قدرة على الصمود في مثل ظروف العالم الراهنة، إلا أن الإغلاق يضربها في مقتل هي الأخرى، فضمن استراتيجيتها التنموية تستهدف الجمهورية التي أعاد حزبها الأوحد انتخاب رئيسها شي جينبينغ مجدداً، أن تمثل التجارة الأجنبية 35 في المئة من نشاطها الاقتصادي، مما أتاح لها الفرص لتحقيق نمو هائل جعلها منافساً لأميركا التي طمأن مواطنها رجل الأعمال المخضرم نيلسون بيلتز الحضور أمام منافسيه الصينيين قائلاً "لا ندري من سيكون الثاني أو الثالث، لا يهم، لكن أميركا ستبقى هي الأولى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كانت تلك الحرب الكلامية بين رجال المال والاقتصاد من الجانبين، فإنها قطعاً بين السياسيين ستكون أعلى، وإن كان الرئيس الصيني قد قال اليوم "علينا التعاون مع أميركا لتهدئة العالم"، وهو ما يبدو أنه تحقيق لأمنية كثيرين في المنتدى بأن يجلس العملاقان الصين وأميركا إلى طاولة واحدة كي لا يدفع أبرياء جياع في الصومال أو جنوب أفريقيا وبوركينافاسو وهايتي ثمن صدام الفيلة.

نصبوا فخاً للسعوديين

وفي هذا السياق ظل الروس الغائب الحاضر، فمع أن الحرب كانت على رأس الطاولات تصريحاً أو تلميحاً إلا أن أحداً من ممثليها لم يبرز على المنصات، وهو ما قال رجل أعمال روسي على هامش المؤتمر تحدث إلى "اندبندنت عربية" وفضل عدم ذكر اسمه، إنه مؤشر إلى أن السعودية أرادت تجنب إلقاء نفسها في دائرة الصراع بين الغرب وروسيا، مع أن "الغرب يحاول الضغط عليها لتتخلى عن حيادها الإيجابي وتكون مثل ألمانيا التي دفعها الغرب إلى الإضرار بنفسها على حساب شعبها الذي يدفع ثمن سياسات قادته غالياً الآن. إنه فخ"، معتبراً أن ما سمي بالتنمر الأميركي على الرياض هو نمط "إملاء" اعتدنا عليه من واشنطن، بيد أن السعودية تعرف مصالحها جيداً سواء أكانت مع الروس أو ضدهم، "ألا يخجل الأميركيون؟ ألا يذكرون كيف شنت الرياض حرب أسعار بلا رحمة مع الروس عندما كان ذلك في مصلحة الرياض"؟

وتتهم الإدارة الأميركية السعودية بأنها بدعمها خفض الإنتاج في "أوبك+" هذا الشهر أضرت بالأسواق ولم تضع مصالح حلفائها الأميركيين في الحسبان، بل دعم خطوتها الروس الأعضاء في المنظمة، لكن رد الرياض كان قاسياً، إذ قالت إن "إيران أيضاً عضو في أوبك" ولا يمكن افتراض دعمها، وأن طلب البيت الأبيض تأجيل خفض الإنتاج شهراً كان لغرض انتخابي، فيما بني قرار المجموعة في فيينا على أسس اقتصادية بحتة.

 

من جهته قال الاستشاري المالي السعودي أيمن سجيني على هامش المنتدى "إن من يعتقد أن السعودية قد تدير ظهرها للعالم لا يعرف كيف تدار الأمور هنا، فعلنا ما اعتدنا على القيام به دائماً بإحداث التوازن في الأسواق، وحضور الجميع في هذا المنتدى وجلوسه إلى طاولة واحدة لنقاش هموم العالم وليس فقط السعودية والخليج والمنطقة، دليل على مستوى الوعي بأن حل أزمات العالم يعني الجميع".

دعم وتحذير

وكان وزير الطاقة السعودي قال إن "صادرات المملكة النفطية تضاعفت إلى أوروبا خلال سبتمبر (أيلول) إلى 950 ألف برميل يومياً مقارنة بـ 490 ألف برميل في العام الماضي، وخلال الأشهر المقبلة سنورد النفط إلى كل من يحتاجه منا"، إلا أنه حذر من عواقب وخيمة جراء السحب المستمر من مخزونات النفط.

وأعلنت "أرامكو السعودية" بدورها على هامش المنتدى إنشاء صندوق للاستدامة بقيمة 1.5 مليار دولار للاستثمار في التقنية التي يمكن أن تدعم تحولاً مستقراً وشاملاً للطاقة، يعتبر أحد أكبر صناديق رأس المال الجريء على مستوى العالم.

وفي الوقت نفسه انتقد الرئيس التنفيذي للشركة أمين الناصر خطوات غير مدروسة للتحول من طاقة إلى أخرى من دون وعي كاف بأخطار ذلك على أمن الطاقة، داعياً قادة السياسات في هذا الصدد إلى التحالف مع شركات النفط، فهي صاحبة القدرة والخبرة على ابتكار الحلول، كما قال إن منظمته فعلت في ما يتعلق بالاستثمار طويل الأمد في "الهيدروجين".

 

مضت أيام منتدى "دافوس الصحراء" كما يلقب بنقاشاته وسجالاته في هذه النسخة، إلا أن الأسئلة التي أثار والتحديات حول مستقبل الإنسانية في ظل الانقسام العالمي لم تنته، وستظل تلح على أذهان الباحثين عن حلول أزمات صنعتها أطراف ثم تلوم أطرافاً أخرى على عدم حلها، مما جعل أحد الباحثين يلخص الأمر بالقول "ظننا أن الدول تعلمت من درس الجائحة لكن أزمة اليوم تقول إننا لم تعلم شيئاً"، لكن زميله يفتح نافذة أمل بإضافة أن "التعاون وسط كورونا يحيي أملنا في أن تعاون العالم وتكاتفه يمكن أن يحل أية مشكلة مهما عظمت، ولقاح في بضعة عشر شهراً معجزة ملهمة".

وكان المستضيف السعودي كشف عن مبادرات إثر أخرى للإسهام في حلول تلك المعضلة ذاتياً أو في سياق المنظومة الدولية في دول الـ 20 وسواها، توجت بإعلان ولي عهد البلاد الأمير محمد بن سلمان ثاني أيام المؤتمر عن قيام صندوق الاستثمارات العامة الذي يترأسه بتأسيس خمس شركات إقليمية تستهدف الاستثمار في الأردن والبحرين والسودان والعراق وسلطنة عمان، وتضاف إلى إطلاقه في أغسطس (آب) الماضي شركة سادسة للاستثمار في مصر تستهدف قطاعات واعدة عدة في مصر، باعتبارها إحدى أهم الأسواق الاقتصادية الاستراتيجية في قارة أفريقيا.

المزيد من تقارير