Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسم الهجوم على "أوبك"

له تاريخ قديم بدأ مع المقاطعة النفطية في 1973 وتبنته واشنطن سياسياً وإعلامياً وأكاديمياً وسينمائياً حتى اليوم

المشكلات الكبرى التي تعانيها الولايات المتحدة لا علاقة للسعودية أو "أوبك" بها  (رويترز)

رو كهانا من أكثر أعضاء الكونغرس تهجماً على السعودية في الفترات الأخيرة. يهاجم السعودية وكأن له ثأراً! كهانا يمثل إحدى مقاطعات كاليفورنيا في الكونغرس الأميركي.

كاليفورنيا تعاني من مشكلات متعددة في قطاع الطاقة، منها عجز في إمدادات الكهرباء ونقص في إمدادات البنزين، وارتفاع كبير في أسعار الوقود والكهرباء وكافة مصادر الطاقة.  

إنتاج النفط في كاليفورنيا انخفض بنحو 50 في المئة في السنوات الأخيرة، على رغم أن الولاية غنية بالنفط، كما انخفض إنتاج البنزين والديزل فيها، وارتفعت أسعارهما بشكل كبير.

السعودية و"أوبك" لا علاقة لها بانخفاض إنتاج النفط لأن ذلك نتج من القوانين والسياسات المتطرفة المعادية لصناعة النفط في الولاية. فلماذا يلوم كهانا السعودية و"أوبك" ويطالب بمعاقبتهما؟

السعودية و"أوبك" لا علاقة لهما بانخفاض إمدادات البنزين والديزل وارتفاع أسعارهما في الولاية لأن ذلك نتج من إغلاق العديد من المصافي بسبب ارتفاع التكاليف الناتج من القوانين البيئية المتطرفة من جهة، كما نتج من عمليات الصيانة في ست مصافي في وقت واحد من جهة أخرى.

تعاني كاليفورنيا من الحرائق والجفاف، وتعاني مدنها الكبيرة من انتشار كبير للمشردين الذين يعيشون في الشوارع ويفترشون الأرض. وتفاقم الأمر في العامين الأخيرين إلى أن أصبح موضوع المشردين قضية انتخابية في الانتخابات النصفية المقبلة. وكهانا يخوض الانتخابات الآن للحفاظ على مقعده.

مدن كاليفورنيا الأكثر تلوثاً في الولايات المتحدة الأميركية في كافة مقاييس التلوث، على رغم أنها أكثر الولايات تطرفاً في سياساتها المناخية. كما أن ارتفاع أسعار العقارات والإيجار بشكل جنوني، لم يسهم في زيادة عدد المشردين فقط، ولكن، على خلاف العقود الماضية، تعاني كاليفورنيا من هجرة عكسية وهروب السكان إلى ولايات أخرى.

السعودية و"أوبك" لا تصدران الكهرباء إلى كاليفورنيا. السعودية و"أوبك" لم توقفا المطر ولم تخفضا منسوب المياه في السدود التي تستخدم لتوليد الكهرباء. السعودية و"أوبك" لا تصدران البنزين إلى كاليفورنيا. السعودية و"أوبك" لم تسببا الحرائق في كاليفورنيا، ولم تسهما في رفع أسعار العقارات والإيجارات.  ماذا يريد كهانا؟

الهجوم على "أوبك" قديم

الهجوم الحالي على "أوبك" والعرب ليس جديداً، بل يمتد لعقود، حيث بدأ مع المقاطعة النفطية أثناء حرب رمضان في عام 1973 ميلادية. منذ ذلك الوقت يشتد الهجوم كلما ارتفعت أسعار النفط، ويشتد نوعاً ما إذا انخفضت الأسعار بشكل كبير. الهجوم الأخير يأتي ضمن سلسلة طويلة من الهجوم على "أوبك" لدرجة أنه تم ترسيخه بشكل أكاديمي وإعلامي واجتماعي، وفي أفلام هوليوود أيضاً.

من عجائب القدر أن تكون هذه الفترة هي الذكرى 49 للمقاطعة النفطية أثناء حرب رمضان في عام 1973 ميلادية. كانت الولايات المتحدة تعاني من أزمة طاقة خانقة بدأت في بداية السبعينيات، ونتجت منها أمور عدة، منها طوابير البنزين.  جاءت المقاطعة في أوج الأزمة، فاستغلتها حكومة الرئيس نيكسون استغلالاً بشعاً ورمت بكل المشكلات التي تعاني منها الولايات المتحدة من تضخم وبطالة وقص في إمدادات الطاقة على "أوبك" والعرب. وجيشت إعلامها ومولت البحوث الأكاديمية لترسيخ هذا الأمر في أذهان الناس. حتى الصور التي تنشر الآن على أنها صور طوابير البنزين وقت المقاطعة أغلبها صور من قبل المقاطعة!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من عجائب القدر أن يتكرر الأمر نفسه بعد قرابة الـ50 عاماً: تعاني الولايات المتحدة من نقص في إمدادات الطاقة والتضخم بسبب سياساتها المحلية، ثم تستغل قيام "أوبك" بتخفيض الإنتاج للومها على كل ما حصل! لإنتاج النفط إلى أقل مما كان عليه في عام 2019، كما أن الطاقة التكريرية انخفضت بنحو 11 في المئة.

الهجوم على "أوبك" قديم، اشتد عدة مرات خلالها. ما يميز الهجوم الأخير أنه ركز على السعودية من جهة، وكان بسبب إعلان تخفيض أثره محدود جداً ولا تمكن مقارنته بما حصل في الماضي.

أثر التخفيض بسيط

لا يمكن فصل النفط عن السياسية، والأحداث الأخيرة دليل يضاف إلى مئات الأدلة على ذلك. ولكن ليست هناك أدلة مقنعة على أن قرار "أوبك+" الأخير هدفه التأثير في الانتخابات الأميركية، على رغم مطالبة إدارة بايدن السعودية بتأخير التخفيض حتى الانتهاء من الانتخابات.

اعتماد الولايات المتحدة على واردات النفط من السعودية بسيط، وآثار التخفيض بسيطة، ومشكلة الوقود الأميركية هي مشكلة مصافٍ، وليست مشكلة إمدادات نفطية بدليل أن صادرات الولايات المتحدة النفطية زادت في الشهور الأخيرة، وبدليل أن وزيرة الطاقة نفسها قالت إن الإدارة تفكر في وضع سقف للصادرات بهدف تخفيض الأسعار محلياً. هذه الأمور كلها لا تتواءم بأي شكل من الأشكال مع هجوم إدارة بايدن والديمقراطيين، بخاصة النائب رو كهانا والسيناتور بارني ساندرز، الأمر الذي يوحي بأن موضوع تخفيض إنتاج النفط وقرار "أوبك+" استخدم غطاء لقضايا تتعلق بالانتخابات الأميركية، وربما في قضايا أخرى لا نعرفها.

السحب من المخزون ومشروع "لا لأوبك"

هناك خيارات عدة أمام إدارة بايدن لتخفيض أسعار النفط أو البنزين عما عليه الآن، إلا أن أحلاها مر، وما له فائدة سياسية له مساوئ اقتصادية وما له منافع اقتصادية ضار سياسياً. ولعل أكثر ما يمكن تبنيه هو سحب المزيد من المخزون الاستراتيجي حتى تنتهي الانتخابات، ومحاولة "تحريك" أو "إقرار" قانون "لا لأوبك"

سحب المزيد من المخزون الاستراتيجي سيخفض أسعار النفط. ولكنه سيُفسّر من قبل الجمهوريين وغيرهم على أنه حركة سياسية رخيصة قبل الانتخابات. ولكن لو تم ذلك في جو مشحون ضد السعودية و"أوبك"، وأنه رد "قومي ووطني" عليهما، فإن إدارة بايدن تستطيع الدفاع عن نفسها بأن الموضوع متعلق بالسعودية و"أوبك" وليس بالانتخابات، وطبعاً لديهم مئات التقارير والمقالات التي نشرت في الأيام الأخيرة التي تؤيد موقفهم.

مشروع "لا لأوبك" تم تجاهله من الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، لهذا لم يصبح قانوناً. وهذا دليل على أنه مشروع قديم. ما لا يعرفه كثير من الناس أن أكبر مشجع لهذا القانون تاريخياً هو مواطن أميركي اسمه دونالد ترمب، والذي كتب عن الموضوع في كتابه الذي نشر في عام 2011. هذا المواطن الأميركي هاجم دول "أوبك" بشدة وطالب بمحاكمة دول "أوبك" أثناء حملته الانتخابية في عام 2015. استمر ترمب في هجومه على "أوبك" عندما أصبح رئيساً، ولكن بسبب علاقته الخاصة مع السعودية، لم يحرز قانون "لا لأوبك" أي تقدم في عهده.

استغل مؤيدو مشروع "لا لأوبك" الهجوم الأخير على السعودية و"أوبك" وبدأوا بتحريكه في الكونغرس ومجلس الشيوخ، ربما بضوء أخضر من الرئيس بايدن، علماً بأن القانون يؤيده الجمهوريون أكثر من الديمقراطيين.

إذا تم التصويت عليه وأقره الكونغرس ومجلس الشيوخ، وهذا أمر سهل بحسب الوضع الحالي، فإن مصيره يعتمد على نسبة نجاحه: هل هي أقل من الثلثين، أم الثلثين فأكثر؟

إذا مُرّر بأقل من الثلثين، فإن الأمر يصبح كله بيد الرئيس بايدن: إما يوقعه فيصبح قانوناً، أو يستخدم حق الفيتو ويلغيه، أو يتجاهله كما فعل بوش وأوباما من قبله.

ولكن المشكلة إذا مرر بغالبية الثلثين، بخاصة بعد الفيتو الرئاسي، لأنه يصبح قانوناً على كل حال.

عندها يعود الأمر إلى الرئيس بايدن: لديه قانون يقضي بمحاكمة دول "أوبك". يمكنه تفعليه عن طريق إرسال أمر رئاسي إلى وزارة العدل لأجراء التحريات اللازمة والقيام بما تراه مناسباً، أو يتجاهل الأمر ويضع القانون على الرف، ويصبح مصيره مثل مصير قانون جاستا الذي مرر بغالبية الثلثين على رغم معارضة الرئيس أوباما له. المؤكد في هذه الحالة أن بايدن سيستخدم هذا القانون كورقة رابحة في المفاوضات مع السعودية ودول "أوبك".

ولعل أحد الأسباب التي تمنع تمرير القانون أو أنها تضعه على الرف إذا تم تمريره هو أن الرئيس دونالد ترمب، الممثل القانوني للولايات المتحدة، طلب رسمياً من دول "أوبك" في مارس (آذار) 2020 تخفيض الإنتاج وشكَرهم على ذلك.  لا يمكن أن تطلب الولايات المتحدة من دول "أوبك" رسمياً تخفيض الإنتاج وتشكرها على إدارة السوق ثم تعاقبها على ذلك.

خلاصة القول... نحن في موسم الهجوم على "أوبك"!

المزيد من آراء