Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متقاعدو الجيشين الأميركي واللبناني ليسوا سواء

زبدة المجتمع بالولايات المتحدة ونظراؤهم يعانون الانهيار في بيروت

الأزمة الاقتصادية جاءت لتساوي بين جميع موظفي القطاع العام في لبنان لكن بشكل كوميدي بسبب دوامة التضخم (أ ف ب)

هبطت قيمة رواتب العسكريين في لبنان بشكل كبير مع ارتفاع سعر الدولار وإفلاس الخزينة العامة للبلاد، التي تؤمن رواتب موظفي القطاع العام.

وخلال عهود الجنرالات الرئاسية المتلاحقة بعد اتفاق الطائف وتوقف الحرب الأهلية أوائل تسعينيات القرن الـ20، بات العسكري في لبنان يتمتع بمزايا صحية وطبية وتعليمية لأولاده من الدرجة الجيدة.

وكان الضباط أصحاب الرتب يحصلون على إضافات مالية تتعلق برفاهيتهم من قبيل أجرة خادمة المنزل، وإيصالات وقود سياراتهم الخاصة والعسكرية التي يمكن استخدامها عند أي محطة وقود.

كما أن العسكريين، جنوداً وضباطاً، يمكنهم التقاعد مبكراً من الخدمة ليحصلوا على تعويض كبير جداً، مقارنة مع تعويضات سائر موظفي القطاع العام من الرتبة الوظيفية نفسها.

وكان يحق للمتقاعد اختيار المعاش التقاعدي الذي لا ينقص كثيراً عن الراتب الأصلي لمدى الحياة وترثه الزوجة ثم ابنته المطلقة، هذا كله يضاف إلى رواتب العسكريين المضاعفة عن رواتب أقرانهم من الموظفين.

إلى الشركات الخاصة

الأزمة الاقتصادية أصابت اللبنانيين في طبقتهم الوسطى التي كان تعدادها الأكبر من بين موظفي القطاع العام، وعلى رأس لائحة هذه الطبقة كان العسكريون مع كل المزايا المالية الفائضة والباذخة التي تثقل على خزينة الدولة من دون مبرر معين يتعلق بتمييزهم عن غيرهم.

إلا أن الأزمة الاقتصادية جاءت لتساوي بين جميع موظفي القطاع العام في لبنان، لكن بشكل كوميدي، فمن بات راتبه يعادل 50 دولاراً أميركياً، لا يختلف كثيراً في وضعه المعيشي عمن بات راتبه يساوي 150 دولاراً، فالأمر سيان في دوامة التضخم بالنسبة إلى عقيد أو جندي متقاعد.

في خضم التحركات الشعبية المعترضة على ما يجري في القطاعات الحكومية ولموظفي القطاع العام اللبناني، برز العسكريون المتقاعدون وقادوا تحركاتهم الخاصة في مناسبات مختلفة قبل وخلال وبعد تحركات 17 (تشرين) 2019 حتى اليوم.

وقد برزوا كجماعة منظمة بطريقة عسكرية وبتحررهم من القيود الرسمية التي تمنعهم من الإدلاء بآرائهم السياسية، فيعبرون أيضاً عن مطالب زملائهم الذين ما زالوا في السلك، فالمطلوب الحفاظ على من بقي من العسكريين بعدما غادر المؤسسات الأمنية اللبنانية عدد كبير منهم بشكل يدعو إلى القلق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان شرط الإدارة العسكرية للموافقة على ترك الخدمة بلا مسوغ قانوني هو التخلي عن تعويض نهاية الخدمة وسائر الإضافات والمساعدات، وقد وافق عدد كبير منهم على هذه الشروط لسببين، الأول، بالنسبة إلى الجنود من ذوي الرواتب الصغيرة فإن الراتب لم يعد يكفي لسد كلفة التنقل بين المنزل والثكنة، فبات من الأجدى البحث عن عمل آخر.

وبالنسبة إلى قسم آخر، تحديداً الضباط المتخصصين من الرتب المتوسطة والعليا الذين ما زالوا في ذروة عطائهم، تركوا مواقعهم ورتبهم بعدما وجدوا وظائف في شركات خاصة تستفيد من خبراتهم في أنحاء العالم، وتحديداً الخليج العربي، مقابل رواتب عالية جداً يقال إن بعضها يوازي شهرياً مبلغ التعويض الذي تركه خلفه.

ومنهم الطيارون الذين تستخدمهم شركات الطيران الخاصة للقيادة أو للتدريب، وبعضهم التحق بجيوش نظامية كمدربين أو مستشارين في الهندسة العسكرية أو في الاتصال أو في الأمور الأمنية، وآخرون في الأمور القتالية كتلك التي تطلبها الجيوش الخاصة الشرعية التي تستخدمها بعض الدول في حروبها بدلاً من الجيوش الرسمية تخفيفاً من الخسائر، مثل "بلاك ووتر" التي استقدمها الجيش الأميركي إلى العراق وأفغانستان، وهناك فرق كثيرة مثلها تستخدمها الجيوش الأخرى كالإنجليزي والروسي.

هذه الوظائف التي قد يحصل عليها الضباط المدربون في أفضل الدورات العالمية، وتحديداً الدورات التي كان يقدمها الجيش الأميركي ضمن دعمه للجيش اللبناني، يتمكن قلة من المتقاعدين الحصول عليها، إما بسبب السن أو بسبب فقدانهم اللياقة البدنية أو لعدم متابعتهم للتطور الحاصل داخل الجيوش الحديثة، كما هي حال الضباط الشبان.رو

وكانت المطالب الأخيرة التي أطلقها العسكريون اللبنانيون المتقاعدون قبل أسبوع حين حاولوا اقتحام مبنى البرلمان في وسط بيروت أثناء انعقاد جلسة مجلس النواب لإقرار الموازنة السنوية العامة تتعلق برواتبهم والمساعدات المالية وأصل الراتب والزيادة المطلوبة عليه، وقد تحققت معظم مطالبهم بعد تلقي الدولة اللبنانية مساعدات دولية بهدف دوام واستمرارية الإدارة اللبنانية.

زبدة المجتمع الأميركي

في الولايات المتحدة الأميركية عشرات المؤسسات التي تعتني بالعسكريين المتقاعدين من المحاربين القدامى أو الجدد، فالمحارب في الحرب العالمية الثانية يتمتع بمزايا المحارب في العراق نفسها، ويتبع بعضها إلى قسم التقاعد ذي الميزانية الضخمة في الجيش الأميركي، لأنه يضم أجيالاً من العسكريين الذين يستفيدون من خدماته الكثيرة كي لا يتحول العسكري بعد تركه الخدمة إلى عاطل من العمل أو عالة على السلطات ودافعي الضرائب، وعقيدة الجيش الأميركي تقوم على مقولة إن "الجندي الأميركي هو جندي إلى الأبد".

توجه هذه المؤسسات والجمعيات المدنية والكنسية والفردية والحزبية النصائح للعسكريين لما قد يفعلونه بعد التقاعد، على سبيل المثال يتوجه الجيش الأميركي عبر موقعه الإلكتروني للمتقاعدين الجدد بأنه "حان الوقت الآن للتفكير في كيفية ومتى ستفعل ما حلمت كل حياتك بفعله حين كنت مشغولاً جداً في الجيش، وحين كنت تنتظر سن الـ65، بينما يكبر أطفالك وأحفادك، حان الوقت الآن لإعادة تصور الحياة بعد الجيش" وهي طريقة تبدو كما لو أنها اعتناء إضافي ومصمم لتقدير تضحياتهم.

ولدى المتقاعدين قصص كثيرة حول الحياة بعد الجيش، منها السفر عبر الولايات المتحدة في كارافان، أو العمل في قاعدة عسكرية أميركية بالخارج، أو الإبحار بدوام كامل في مركب شراعي، أو استخدام قرض الدراسة في الخارج، أو التقاعد الدائم في دولة أجنبية حيث الكلفة المعيشية منخفضة.

وينصح الجيش متقاعديه بالسفر لأنه "جزء من حياتنا أثناء الخدمة العسكرية، وبعد الانتقال إلى الحياة المدنية لن يكون البقاء في مكان واحد محتملاً"، وينصح الجيش بأخذ إجازة لبضعة أشهر قبل التقاعد من أجل التكيف مع الحياة المدنية ويشير عليهم بالانتقال إلى بلد أو ولاية أخرى، حيث تكلفة المعيشة المنخفضة تساعد في اختيار التقاعد المبكر.

كيف تبدأ الحياة بعد الجيش؟

مقارنة العسكريين المتقاعدين من الجيش الأميركي مع أقرانهم في الجيوش الأخرى لا يهدف إلى التح،ر على أوضاع العسكريين في دول العالم الثالث مثلاً، بل للإشارة إلى أهمية العقيدة العسكرية الأميركية في الحياة العامة. فعدا عن كون العسكريين وتحديداً المحاربين القدامى منهم بمثابة أيقونات في المجتمع الأميركي، فإن أغلب السياسيين قدموا من الجيش إلى الإدارة، ويتقدمون داخلها بحسب إنجازاتهم العسكرية، وتعتني الإدارة جيداً بكل العسكريين المتقاعدين، وتغري الشباب من الجيل الجديد بالالتحاق بالجيش مقابل رواتب وضمانات اجتماعية مختلفة ومغرية تمتد إلى ما بعد انتهاء الخدمة.

وتمنح مزايا التقاعد العسكري قدراً كبيراً من المرونة والخيارات للحياة بعد الجيش، والقاسم المشترك بين الخيارات هو التنقل حول العالم أو الانتقال إلى بلد جديد يمكن الاسترخاء فيه لبقية العمر.

أولى المزايا، التأمين الصحي "TRICARE" الذي يغطي حامله في كل أنحاء العالم، ويحق لكل متقاعد الحصول على السلع الغذائية المنزلية مجاناً لمدة عام من تاريخ التقاعد، وبما أن سنوات التقاعد قد تمدد لست سنوات، لذا يمكن للجندي أن يخزن المواد الغذائية مجاناً طوال هذه المدة.

وتمنح الإدارة قيمة إيجار لمدة سنة إذا قرر الانتقال بعد الخدمة، ويتمتع المتقاعدون العسكريون بخيار استخدام مزايا "GI Bill" للبرامج التعليمية بما في ذلك الرسوم الدراسية وتغطية الرسوم للمحاربين القدامى والمتقاعدين المؤهلين.

يقول جو والاس، وهو من قدامى المحاربين خدم لمدة 13 عاماً في القوات الجوية الأميركية وكمراسل لقناة "Air Force Television News"، إن "الإحساس بالهوية والهدف متأصل بعمق في أولئك الذين يخدمون بلادهم، ومع ذلك يمكن أن تنقلب هذه العقلية الوطنية رأساً على عقب عندما يترك قدامى المحاربين العسكريين المتقاعدين للتنقل في مناطق مجهولة في العالم المدني".

المزيد من تقارير