Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التونسي الفرنسي أوبير حداد يروي عبث الديمومة وألآمها

ملحمة سردية تحتفي بالشعراء المنسيين في صميم الذاكرة الجماعية

"الشاعر" لوحة لبيكاسو (متحف بيكاسو)

منذ انطلاق مسيرته الكتابية في نهاية الستينيات، ما برح الكاتب التونسي ــ الفرنسي أوبير حداد يبهرنا بأعمال تجاوز عددها 80 عنواناً، وتنتمي إلى مختلف الأنواع الأدبية. أعمال لا تعود أهميتها إلى غزارتها وتنوعها المدهشين، أو إلى قيمة كل واحد منها الأكيدة، ووقعه الكبير على قارئه، بقدر ما تعود إلى قوة الإلهام التي توحدها، وإلى ذلك الانتباه الشديد الذي يبديه صاحبها فيها إلى موارد الخيال اللامتناهية، وإلى لغته الصاعقة في جمالياتها.

جديد حداد اليوم رواية رائعة صدرت حديثاً عن دار "زولما" الباريسية بعنوان "اختراع الشيطان"، ويستثمر فيها مجدداً الخيال والواقع لمنح بطلها، مارك بابييون دو لافريز، قدراً يضارع في مغامراته قدر عوليس، وقارئها، سفراً مثيراً في تاريخ فرنسا.

وتجدر الإشارة بداية إلى أن مارك بابييون شخصية حقيقية، وتحديداً شاعر باروكي ساخر وإيروسي من القرن الـ16، يستخدم حداد اللغز الذي يحيط بوفاته، وإحدى قصائده الأخيرة، لتخيل هذه "الأوديسة" الساحرة. في القصيدة المذكورة، نقرأ "أيها الشيطان الشاهد على قسمي/ حتى لو جازفت بروحي ودمي/ اختم عقد خلود/ بريشة مغموسة في يدي/ طالما أن المجد لم يعط لي/ أبداً لن أدخل إلى القبر المظلم". وماذا لو أن هذا الشاعر باع حقاً روحه للشيطان ليعرف الخلود ويبلغ المجد الشعري؟ سؤال لا يتردد الكاتب في تحويله إلى حقيقة روائية ليفتح أمام بطله أبواب الزمن.

مغامرات وجبهات

وفعلاً، بفضل هذه الصفقة، يخوض بابييون في رواية حداد مغامرات لا تحصى، ويواجه التطورات التقنية والسياسية والأخلاقية للقرون التي سيعبرها، ويعشق نساء كثيرات، ويقاتل على جبهات مختلفة. لكن بما أن لا أحد قادر على إيقاف عبور الزمن، لا يلبث الواقع المأساوي لمحدودية الكائنات أن يلحق به، فيصبح خلوده سجناً له، منفى لن يعرف فيه لا السعادة ولا المجد الذي يرغب في معانقته.

لكن قبل حدوث ذك، نعرف في مطلع الرواية أن هذا الرجل اختبر الموت منذ سن الرابعة. فبعد أيام قليلة من وفاة والده، دهسه خنزير، لكنه نجا بأعجوبة من علاج الفصد، غير المجدي، الذي اعتمده الأطباء لإنقاذه، فتوارت الحمى التي كادت تودي به، لكن بقيت كوابيسها معه. بعد ذلك، تتقدم الرواية بنا إلى عام 1598، وكان بابييون قد بلع سن الـ40 ومل الحروب الدينية التي عرفتها فرنسا آنذاك وشارك فيها كفارس مقدام على مدى 22 عاماً، والموت الملازم لها. "الموت حلم آن يمكن أن يدوم حياة بكاملها"، يقول هذا الرجل في لحظة ما. قول لا مبالغة فيه حين نعرف عدد الأخوة في السلاح الذين لفظوا نفسهم الأخير بين ذراعيه، خلال الحروب المذكورة، ثم فقدانه أمه، فأخته الصغرى، فشقيقه من والده، وفي نهاية المطاف، ابنته الوحيدة مارغريت. وحين نعرف أيضاً أنه كان يعشق الشعر، بموازاة القتال، ويمارسه بمهارة كبيرة، لكن من دون إقرار محيطه الشعري بموهبته، نفهم صفقته مع الشيطان التي ستحكم عليه بالبقاء على قيد الحياة طالما لم تعرف قصائده الشهرة التي تستحقها.

هكذا نعبر القرون برفقة هذا الرجل ونعيش معه الأحداث التاريخية الكبرى وديمومته الموجعة التي تجعله يشارك في حروب لا تحصى، ويختبر السجن مع الماركيز دو ساد، ويرى مقصلة الثوار تقطع آلاف الرؤوس، ويلتقي بنابليون عند أقدام تمثاله الخاص، ويفلت من يد الغيستابو... ديمومة يعتقل خلالها ويعذب ويقتل مرات عديدة، لكن في كل مرة يعود إلى الحياة أقوى. وحين يرى بألم رفيقات دربه يتوارين، الواحدة تلو الأخرى، يكتشف في النهاية أنه يعشق امرأة واحدة، مثالية، لم يلتق بها بعد، ويأمل في العثور يوماً عليها...

أسطورة فاوست

باختصار، يخط حداد، بإعادة إحيائه أسطورة "فاوست"، ملحمة تاريخية كبرى نقفز فيها من قرن إلى آخر، ونعبر تاريخ فرنسا من عهد الملك هنري الثالث حتى زمننا الراهن، مروراً بالمعارك الدموية بين الكاثوليك والبروتستانت، وعهد لويس الـ14 ونابليون والحربين العالميتين. وهو ما يجعل من "اختراع الشيطان" رواية مغامرات مذهلة، قبل أي شيء، تمسك بأنفاسنا وتخبئ لنا أكثر من مفاجأة عند كل منعطف من تسكع بطلها في الجغرافيا والزمن. رواية نتلقى كل فصل من فصولها على شكل مسرحية قصيرة من بضع صفحات تظهر فيها شخصيات عديدة، ما أن نتعرف إليها ونتعلق بها أو نمقتها حتى تتوارى في نهاية الفصل وتحل مكانها شخصيات أخرى، وفقاً لإيقاع لقاءات بابييون.

لكن قيمة هذا العمل الفذ لا تقتصر على البعد المذكور. فمن خلال القصائد الغزيرة التي تطعم سرديته، نتعرف أيضاً إلى عدد كبير من شعراء الأزمنة الماضية الذين يشكلون أفضل شهود على ضوضاء التاريخ ونفسه الهادر. شعراء نصغي إليهم ونمسك بهم وبجوهر مشروعهم الشعري من تحت جلد بابييون، الشاعر المتطلب إلى أبعد، الذي يتغذى من رحيق الشعر، لا من نفاياته. وهو ما يحول الرواية إلى نشيد احتفاء بالشعراء المنسيين وآثار إبداعهم، وعموماً، بسلطة الأدب وجماله الذي لا يقوى عليه الزمن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا السياق، لم يبالغ أحد النقاد الفرنسيين بقوله فيها "أكثر من رواية، إنها نبوءة، التاريخ بمعناه الأكثر عظمة وسرية. المعتم فيها يحمل ألق العالم. وفي مملكة التألق الوجودي هذه، يعزم صاحبها تراجيديا الكون. عمل فريد وغير متوقع، يجدد الأدب بتوليفات أخرى، مبتكرة، ويسمو فوق الصور الضيقة والضعيفة للأدب المعاصر، في رهانه المأساوي على الجمال داخل دوامة الخيال العظيمة".

يبقى أن نشير إلى أن سعة الاطلاع التاريخية والأدبية الهائلة التي يبديها حداد في هذه الرواية تجعل من قراءتها مهمة صعبة للغاية تتطلب وقتاً طويلاً وتركيزاً حاداً نظراً إلى المعطيات الغزيرة التي يتوجب استيعابها وفهم مغزاها، وإلى لغة الكاتب الباهرة في تكيفها، وأحياناً التصاقها بلغة كل حقبة يعبرها شاعره. لكن ضياعنا وارتباكنا أمام هذه اللغة ومفرداتها الغنية إلى أبعد حد لا يحل دون افتتاننا بها.

لغة تشكل، بقدراتها التعبيرية والإيحائية المذهلة، وبجمالها الخاطف مثل فرار اللحظات التي تمسك بها، خير ركيزة لصاحبها كي يعيد ابتكار موضوع الصفقة مع الشيطان، بين حلم وذاكرة، وكي يتأمل بألمعية نادرة في الإلهام الشعري، في تلك الخسارات المستمرة التي تشكلنا، وفي الموت الذي نهابه ويحثنا منذ فجر التاريخ على البحث، عبثاً، عن سر الخلود.

المزيد من ثقافة