Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تراس تخاطر بتدمير الاقتصاد ومعه حزب المحافظين 

سياسات ليز تراس الاقتصادية: هل يمكن أن تنجح؟ بحلول عام 2024، سوف تزيد الوقائع الكئيبة في الحياة الاقتصادية

تراس تخاطر بتدمير الاقتصاد ومعه حزب المحافظين (رويترز)

تشوب سياسات تراس الاقتصادية الكثير من العيوب. واستناداً إلى ما نعلمه حتى الآن، يمكن القول إنها تتطلب الكثير من الثقة في قدرة التخفيضات الضريبية و"الإصلاحات من جهة الإمدادات" لتتمكن من إطلاق العنان لموجة انتعاش اقتصادي ضخمة لدرجة أن تعيد المملكة المتحدة إلى معدل النمو الاقتصادي الجيد نسبياً الذي كان يسود قبل كورونا وقبل بريكست وقبل الأزمة المالية. 

لو تحققت هذه الظروف، سوف تصبح التخفيضات الملحوظة في الضرائب المفروضة على الأفراد والمؤسسات التي اقترحتها ليز تراس ووزير خزانتها كواسي كوارتنغ قادرة على "تمويل ذاتها"؛ بمعنى أن الزيادة في العائدات الضريبية المقتطعة من الأنشطة الاقتصادية الأكثر نشاطاً سوف تموّل نفسها من تلقاء ذاتها. هذا ما يُسمى أحياناً "التاتشرية"، في سبيل تذكير الشعب البريطاني الذي ربما نسي بعض الشيء حقبة الازدهار في ثمانينيات القرن الماضي.

ففي الواقع، وفيما خفضت تاتشر الضرائب على الدخل الفردي، فقد موّلت هذا التخفيض عبر مضاعفة الضريبة على القيمة المضافة تقريباً، وفرض ضريبة على أرباح المصارف المفاجئة وتقليص خطط الإنفاق العام. كما زادت من الضغط على الاقتصاد عن طريق رفع معدلات الفائدة إلى 17 في المئة. وجاءت النتيجة على شكل ركود اقتصادي حاد، وبطالة جماعية، وتحويل المنطقة الصناعية في الشمال والوسط- ميدلاندز- إلى أراضٍ مقفرة- إنما في نهاية المطاف، تراجع التضخم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن ما تصبو إليه سياسات تراس الاقتصادية في المقابل هو تفادي الركود-وتمويل التخفيضات الضريبية من خلال الاقتراض، وربما تعزيزها عبر خطة وضع سقف لفواتير الطاقة. وهذا النهج أقرب بكثير إلى سياسات ريغان الاقتصادية، حين راكم الرئيس ريغان عجزاً هائلاً في الميزانية والميزان التجاري، بسبب التخفيضات الضريبية التي فرضها. نجح الأمر إلى حد ما، ولكن هذين العجزين يلازمان الحياة الاقتصادية الأميركية منذ ذلك الوقت تقريباً، وهما مموّلان اليوم بفضل قروض من الصين. لكن خلافاً للمملكة المتحدة، تتمتع أميركا بـ"امتياز هائل" لكونها تدير العملة الاحتياطية العالمية. وعلى نقيض الوضع في بريطانيا، فالإقبال العالمي على سندات وأذون الخزانة الأميركية يكاد لا ينضب.

من جهة أخرى، تعني سياسات تراس الاقتصادية أيضاً تطبيق سياسة ضريبية وسياسة مالية تسيران في اتجاهين معاكسين- وهو ما يعتبر عادة غير مجدٍ، في أفضل الأحوال. فالتحفيز الضريبي جرّاء التخفيضات الضريبية والإنفاق العام سيدفعان التضخم إلى الارتفاع- لكن سيكون على البنك المركزي رفع معدلات الفائدة لكي يعيد سحب القدرة الشرائية من الاقتصاد بحيث ينخفض التضخم ويبلغ الهدف المحدد له، عند 2 في المئة. كلما زادت التخفيضات الضريبية ترتفع معدلات الفائدة. وهو ما قد يعني: ركود، وإفلاس بالجملة، وانهيار سوق الرهون العقارية، بالتالي، وقوع العائلات الكادحة التي تسدد قروضاً عقارية كبيرة في الفقر. إما هذا، أو أن تحفيز النمو سينجح والإنتاج سيبلغ مستويات عالية جداً.

سوف نرى كيف تسير هذه التجربة. فالتوقعات متضاربة، ولكن مجرد تنفيذها أساساً يتطلب عنصراً لا ينتبه له خبراء الاقتصاد بما فيه الكفاية، وهو: السياسة. لكي تنجح سياسات تراس الاقتصادية وتتخطى كل التناقضات والمخاطر التي تترافق معها، هي بحاجة إلى قاعدة سياسية مُعتبرة.

في أحسن الأحوال، حين يخوض زعيم سياسي تجربة مماثلة، سيحتاج إلى ثلاثة أمور:

أولاً، دعمٌ يوليه الشعب عبر انتخابات عامة للبرنامج، الذي يُطرح في بيان عام، قبل أن تُنظمّ حملة شرسة تدافع عنه بقوة. خلال عمليات انتخابهما المختلفة، طبّقت تاتشر كما ريغان معظم هذه الخطوات؛ وعندما حان وقت إعادة انتخابهما، كانا يتمتعان بتاريخ وإنجازات تدعمهما.

لكن من الواضح جداً بأن تراس لم تحصل على هذا الشكل من التفويض من الشعب البريطاني لكي تطبّق سياساتها غير المُجرّبة بعد. فقد ورثت عن بوريس جونسون غالبية جيدة، استندت إلى بيان مثقل بالشعارات تغيب عنه التفاصيل- وفي أي حال لم يكن من الممكن أن يتنبأ بالمصائب التي وقعت لاحقاً. ومع ذلك، ففي المحصّلة، لم يصوّت الشعب البريطاني لمصلحة سياسات تراس الاقتصادية. 

وثانياً، يجب أن يتمتع القادة الناجحون بالسلطة التي تخوّلهم السيطرة على حكوماتهم الخاصة كما على أحزابهم. يعود نجاح جونسون بالتمسك بموقعه طيلة هذه الفترة إلى النتائج المبهرة التي حققها في انتخابات 2019، ولو أنها نُظّمت في ظروف عجيبة. 

صحيح أنه حمل معه رأس المال السياسي هذا إلى الحكومة، ولكنه استُخدم أو تبدّد خلال ثلاث سنوات أو نيف من الفوضى التي تلت ذلك. أما تراس، فسمعتها، ورأس المال الذي تملكه ويمكنها استخدامه، أقل بكثير. لا يمكنها أن تزعم بأن الشعب انتخبها ولا يمكنها الادعاء بأن سياساتها الاقتصادية حصدت دعماً حماسياً من قاعدة الناخبين.

فمناطق الجدار الأحمر، والجدار الأزرق، واسكتلندا وويلز ولندن... لم يُستشر أي منها. حرصت تراس على تشكيل حكومتها من الأصحاب والمقرّبين، الذين يرُجّح أن يدعموها في وجه التحديات، لكن سلطتها أضعف على الحزب الأوسع في البرلمان. إن بدا أنها تتجه نحو النجاح في خطتها- وإن نجحت سياسات تراس الاقتصادية- سوف تحدث سلسلة من التطورات الحميدة التي تغذي بعضها البعض، فيما يحفّز التحسن الاقتصادي التقدم على الصعيدين السياسي والانتخابي. لكن إن لم يحصل ذلك، فقد ينتهي حكمها في غضون ستة أشهر. 

مثل العادة -وما ينطبق على السياسة ينطبق على سياسات تراس الاقتصادية- كل ما يهم هو الرأي العام. فهو الذي أنهى حكماً لديفيد كاميرون وتيريزا ماي وبوريس جونسون قبل انتهاء ولايتهم: نتائج كارثية في الانتخابات وتدهور معدلات الشعبية في استطلاعات الرأي (إضافة إلى الاستفتاء على بريكست، في حال كاميرون).

حتى الآن، إن استشهدنا بما قالته عن إيمانويل ماكرون، "لم يصدر الحكم بعد" بشأن تراس وسياساتها الاقتصادية. قد يكون التقدم الأولي في التجربة مشجعاً فعلاً. سوف تُطبق تخفيضات على الضريبة والإسهامات في التأمين الوطني بسرعة؛ وسوف يوضع سقف على فواتير الطاقة على المدى القصير، بغض النظر عن الجهة التي ستسدد ثمنها في النهاية. قد تكون تلك اللحظة المثالية للاستفادة من الوضع عبر تنظيم انتخابات مبكرة- بين فصلي الربيع والخريف المقبلين. 

إذ بعد تلك المرحلة- فيما تتسارع وتيرة التضخم نحو معدل 20 في المئة، وترتفع معدلات الفائدة إلى أكثر من عشرة في المئة (وهو سيناريو كئيب) وتهوي أسعار المنازل- سوف تنتهي "العطلة من الواقع" وسوف يشعر الشعب بالسخط تجاه تراس واندفاعها المجنون نحو النمو.

بحلول عام 2024، سوف تزيد الوقائع الكئيبة في الحياة الاقتصادية. وخلال هذه الفترة، قد تحدث الكثير من الإضرابات والاضطرابات المدنية والمصاعب. قد تقضي سياسات تراس الاقتصادية على الحزب، كما الاقتصاد. سوف يندمون على وضع ثقتهم في ليز- ولكنها قد تذهب قبل أن تضطر لمواجهة الناخبين بوقت طويل؛ ضحيةً للغطرسة وبريكست.

© The Independent

المزيد من تحلیل