Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التسول في المجتمعات العربية... من الحاجة إلى الابتزاز

أسلوب استجداء تحول إلى رقمي بعد انتشار كورونا وهو ظاهرة تعكس الاختلالات الاقتصادية والسياسية

أنتجت الصعوبات الاجتماعية متسولين يستدرون عطف الناس (أ ف ب)

التسول ظاهرة اجتماعية تنتشر في دول العالم أجمع، ولدت في الدول النامية ولم تخل منها تلك المتحضرة، لغير القادرين على توفيرحاجاتهم بالعمل، إن بسبب الفقر أو العوز أو المرض أو العجز أو نتيجة ضعف الملاحقة القانونية، أضف إلى ذلك الحروب والنزاعات وعدم ممارسة المؤسسات المعنية المتخصصة لدورها.
ولا شك في أن التسول ظاهرة قديمة لكنها بدأت تأخذ أشكالاً جديدة مستحدثة إلكترونية وموسمية خاصة بالمناسبات والأعياد وغيرها.
وقد استفحلت بعد انتشار كورونا في ظل التردي المستمر للأوضاع الاقتصادية والسياسية، فما هي الظروف والضغوط المجتمعية التي تدفع بأولئك الأشخاص إلى استجداء عطف الناس وطلب يد المساعدة؟
ومن هي فئة المتسولين؟ وما هي أشكال التسول؟ وكيف تحولت مواقع التواصل إلى أداة للاستجداء؟ وما آثار ظاهرة التسول على المجتمع؟

التسول أزمة تستعصي على الحل في مصر

من الرضع وحتى المسنين، يتنوع المتسولون الذين لا يكاد يخلو شارع منهم في العاصمة القاهرة وغيرها من المدن المصرية. فالظاهرة القديمة تزداد انتشاراً على الرغم من الحملات الأمنية، وسط دعوات بتشديد التشريعات لردع المتسولين عن تحقيق مزيد من الأرباح على حساب "فاعلي الخير".

وتشير البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية المصرية إلى زيادة قضايا التسول خلال أغسطس (آب) الماضي بنسبة نحو 40 في المئة، حيث بلغت قضايا التسول 2280 قضية ارتفاعاً من 1689 قضية خلال الشهر السابق يوليو (تموز)، وذلك من خلال الحملات الأمنية التي تقوم بها في الميادين والشوارع الرئيسة في مختلف المحافظات.

 

استغلال المصريين

وعلى الرغم من عدم توافر أرقام رسمية عن أعداد المتسولين في مصر، إلا أن عضو مجلس النواب علاء والي قال في بيان صادر عام 2017، إن العدد بلغ نصف مليون شخص منهم ما يزيد على 97 ألفاً من الأطفال. وتقدر تقارير صحافية المتسولين بأكثر من ذلك الرقم، كما أن الظاهرة تتفاقم خلال شهر رمضان الذي يشهد ما يسمه المجلس القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في تقرير سابق "تسول موسمي"، إذ "تزداد أعداد المتسولين بشكل ملحوظ في الشوارع، استغلالاً للحالة الروحانية لدى المصريين في الشهر الفضيل، واتجاه البعض لدفع زكاة الفطر وتوزيع وجبات على المحتاجين في الشارع".

لكن وقائع كثيرة شغلت الرأي العام المصري شككت في كون كل متسول محتاجاً، إذ تداولت وسائل الإعلام أكثر من مرة أنباء عن القبض على أشخاص يمتهنون التسول على الرغم من امتلاكهم عقارات وسيارات وأموال بالملايين في البنوك. وهناك مقاطع فيديو كثيرة صورت خلسة متسولين يتحدثون عن مكاسبهم الكبيرة. ففي مايو (أيار) العام الماضي، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشخص يتفاخر بامتهانه التسول، مؤكداً أنه يدخن أفخم أنواع السجائر ويكسب 50 ألف جنيه شهرياً من سؤاله المارة في الشارع. وعقب انتشار الفيديو، ألقت أجهزة الأمن القبض عليه في مدينة طلخا بمحافظة الدقهلية شمال القاهرة، وتبين أنه سبق أن اتهم بقضايا تسول في محافظات عدة.

وبشأن الحكم الشرعي للتسول، أفادت دار الإفتاء بأن الحكم الشرعي لـ"سؤال الناس" يختلف باختلاف الأحوال، موضحة على موقعها الإلكتروني أن السؤال يكون على قدر الحاجة، أما من لديه من يكفيه فيحرم عليه سؤال الناس.

شبكة مافيا

ويؤكد عضو مجلس الشيوخ والخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي أن التسول وسيلة لكسب المال بسهولة، ولا علاقة له بالحاجة المادية أو الظروف الاقتصادية، مشيراً إلى لجوء المتسول إلى أسلوب استدرار العطف باستخدام الأطفال في كثير من الأحيان، وكذلك الإلحاح الذي يدفع المارة وقائدي السيارات لمنحه المال، ظناً منهم أنهم يقومون بعمل الخير والإحسان، ولا يعلمون أنهم يساعدون ذلك المتسول في الاستمرار بامتهان سؤال الناس باعتبارها الطريق الأسهل لكسب المال. وأكد أن التسول ليس ظاهرة فردية وإنما شبكة أشبه بـ"المافيا"، لأن في كل منطقة يكون هناك "بلطجي" يقف وراء "تسريح" هؤلاء المتسولين، ويحصل منهم على جزء كبير من "إيراد" التسول اليومي.

وقال مساعد وزير الداخلية الأسبق لـ"اندبندنت عربية"، إن تغيير الإطار التشريعي ضروري لمواجهة ظاهرة التسول، التي لا يتم القضاء عليها على الرغم من الحملات الأمنية المستمرة، لافتاً إلى ضعف العقوبة للمتسول وفق القانون، كما أن 90 في المئة من المضبوطين يحصلون على براءة أو حكم مخفف في المحكمة، بسبب تعاطف القضاة مع المتسولين، واعتبارهم لم يحصلوا على فرصة لكسب رزقهم عن طريق آخر.

الإطار التشريعي

وينص قانون مكافحة التسول على معاقبة المدان بجريمة التسول في الطرق العامة بالحبس لمدة شهرين، في حال كان صحيح البنية، والحبس لمدة شهر إن كان "غير صحيح البنية"، وتزداد العقوبة إلى 3 أشهر لمن يتصنع الإصابة بجرح أو عاهة للتسول، أما من استخدم طفلاً في التسول أو سلمه لآخر لهذا الغرض، فعقوبته الحبس بين 3 و6 أشهر. تلك العقوبات التي يراها اللواء المقرحي غير كافية معمول بها منذ عام 1933، ما دفع إلى إطلاق دعوات لتحديث التشريعات لمواجهة التسول. ووصلت تلك الدعوات لمجلس النواب حيث أعد عضو مجلس النواب هشام الجاهل مشروع قانون لمكافحة التسول والتشرد.

وأوضح عضو مجلس النواب أنه اعتزم تقديم مشروع القانون بعدما قرأ خبراً عن أحد السياح يرتدي قميصاً مكتوب عليه "أنا مفلس" ليبعد عنه المتسولين، وهو ما يسيء لصورة مصر كبلد سياحي. وأشار إلى أن القانون يهدف لمكافحة التسول عبر وضع حلول تسبق العقوبات، باعتبار المتسول جزءاً من المجتمع والدولة ملتزمة برعايته.

وعرّف مشروع القانون المتسول بأنه "كل شخص وجد في الطريق العام أو الأماكن أو المحلات العامة أو الخاصة يستجدي صدقة أو إحساناً من الغير، حتى وإن كان غير صحيح البنية أو غير قادر على العمل. أما المتشرد فهو كل من وجد متسكعاً أو نائماً في الطريق العام أو الأماكن أو المحلات العامة أو الخاصة، ولم يكن له مأوى أو وسيلة مشروعة للعيش". وحظر القانون التسول والتشرد في الطريق العام والأماكن العامة والخاصة، حتى وإن كان ذلك المتسول "غير صحيح البنية أو غير قادر على العمل". ونص مشروع القانون على أن من يجد متسولاً أو مشرداً فليبلغ دار رعاية متخصصة لدراسة حالته وإجراء الفحص الطبي والنفسي.

تكرار الفعل

وأكد الجاهل أن على الدولة الالتزام بتوفير العمل اللازم للمشرد في حال قدرته على العمل، ورعايته في دور رعاية إذا لم يكن قادراً. أما العقوبات التي نص عليها مشروع القانون فهي لا تطبق في المرة الأولى للقبض عليه، وإنما يودع بدار الرعاية، وفي حالة الهرب منه أو العودة للتسول حينها تطبق العقوبة وهي الحبس 3 سنوات وغرامة قدرها 5 آلاف جنيه (258 دولاراً) أو إحدى العقوبتين، وتضاعف العقوبة إذا عاد للفعل نفسه مرة أخرى بعد قضاء العقوبة، وتصل العقوبة إلى السجن 5 سنوات والغرامة 50 ألف جنيه (2587.5 دولار) أو إحدى العقوبتين لمن استخدم شخصاً آخر في التسول، وتضاعف العقوبة إن كان ولياً أو وصياً على الشخص المستخدم أو المحرض على التسول أو التشرد.

وأشار النائب إلى أنه يقوم حالياً باستكمال التوقيعات اللازمة من النواب لتقديم مشروع القانون رسمياً إلى إدارة الأمانة العامة لمجلس النواب، تمهيداً لمناقشته. وأكد أن التسول غير مرتبط بالأوضاع الاقتصادية وإنما هو نشاط إجرامي مرتبط بشبكات منظمة من المنتفعين يشبهون "المافيا"، الذين يتحكمون في عدد من المتسولين لتحقيق مكاسب مالية بسرعة وسهولة.

استغلال الأطفال

الضحية الأكثر تضرراً في التسول غالباً ما يكون الطفل الذي يستخدمه المتسول لاستعطاف المارة، سواء أكان المتسول من أسرة الطفل أم لا. فبعض هؤلاء الأطفال يكونون "مستأجرين" مقابل نحو 100 جنيه يومياً، تعطى للأم مقابل استغلال المتسول الطفل في أعماله، وضبطت قوات الأمن حالات مشابهة عدة، وفق تقارير صحافية محلية.

وذكرت وزارة التضامن الاجتماعي في إحصائية العام الماضي أنه بين أكتوبر (تشرين الأول) 2020 وحتى مطلع 2021، ضبطت قوات الأمن 1690 متسولاً ومتسولة، منهم 870 طفلاً دون سن الثامنة عشرة، أي ما يشكل نحو 52 في المئة من إجمالي المتسولين، وتشكل النساء والأطفال معاً حوالى 90 في المئة من المتسولين المضبوطين.

وبحسب رئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث (صغار السن)، محمود البدوي، فإن القضايا المضبوطة أقل بكثير من نسب الاستغلال الذي يتعرض له الأطفال، مشدداً في تصريحات صحافية على ضرورة تحرك الأجهزة لإنقاذهم من شبكات المتسولين، بالإضافة لأهمية تحديث التشريعات بالتوازي مع التوعية للأسر للمحافظة على أطفالهم.

وتوجد 7 دور لرعاية المتسولين تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، في 6 محافظات مصرية، وتقدم خدماتها لنحو 300 شخص، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة بنهاية عام 2016.

التسول بين الحاجة والابتزاز في السعودية

تصاعدت ظاهرة التسول في المدن السعودية خلال الأعوام الماضية، التي تعد من أخطر الظواهر التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها.

وتعددت أساليب وأنماط التسول، فمنها المباشر وغير المباشر والإجباري والاختياري والموسمي، فاحتوت الطرقات نساءً ضعافاً وأطفالاً بؤساء ورجالاً عُوز يطلبون سد الحاجة، بتقديم مستندات عن عجز تسديدهم مصروفات الحياة الأساسية من ماء وكهرباء وإيجار ومسكن، أو وصفات طبية لتوفير العلاج.

 

ومن الطرق غير المباشرة "تحية الإسلام... السلام عليكم" التي يلقيها عمال النظافة على المارة في الطرقات للفت الأنظار إليهم واستعطاف قلوبهم، ومن صور التسول الإجباري تنظيف المركبات عند إشارات المرور، حيث يحاول المتسولون من مخالفي الأنظمة السعودية تنظيف واجهة السيارة خلال توقفها عند الإشارة من دون إذن صاحبها بغرض التسول.

ومنهم من يتقمص دور المرشد السياحي لإرشاد بني جلدته في الأماكن الأثرية والدينية في مكة المكرمة والمدينة المنورة لاستغلالهم مادياً.

تسول موسمي

وفي المواسم الدينية كشهري رمضان وذي الحجة يزداد عدد المتسولين، استغلالاً لرغبة المسلمين في الصدقة التي يتضاعف أجرها في تلك المواسم.

وفي سبتمبر (أيلول) 2021، ضيقت الجهات الأمنية في السعودية الخناق على المتسولين باستحداث نظام مكافحة التسول وتضمن "التسول الرقمي"، وعرف المتسول بكل من يستجدي للحصول على مال غيره دون مقابل أو بمقابل غير مقصود بذاته نقداً أو عيناً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في الأماكن العامة أو المحال الخاصة أو في وسائل التقنية والتواصل الحديثة أو بأي وسيلة كانت، وممتهن التسول كل من قبض عليه للمرة الثانية أو أكثر يمارس التسول.

وأكد النظام أنه يحظر التسول بصوره وأشكاله كافة مهما كانت مسوغاته، وأن ممتهن التسول يحال إلى الجهة المتخصصة بالتحقيق في مخالفات النظام، لاتخاذ الإجراءات النظامية اللازمة في حقه، كما تخصصت وزارة الداخلية بالقبض على المتسولين.

وأشار النظام إلى ضرورة التنسيق بين الجهات ذات العلاقة في ما يخص مكافحة التسول، من دراسة الحالة الاجتماعية والصحية والنفسية والاقتصادية للمتسولين السعوديين وتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والنفسية والاقتصادية لهم بحسب احتياج كل حالة، وفقاً للأنظمة والقرارات ذات الصلة وإرشادهم للاستفادة من الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية والأهلية والخيرية، ومتابعتهم من خلال الرعاية اللاحقة.

وتوعد النظام كل من امتهن التسول أو حرض غيره أو اتفق معه أو ساعده بأي صورة كانت على امتهان التسول، بالسجن مدة لا تزيد على (ستة) أشهر، أو غرامة لا تزيد على 50 ألف ريال (أكثر من 13 ألف دولار)، أو بهما معا، كما يعاقب كل من امتهن التسول أو أدار متسولين أو حرض غيره أو اتفق معه أو ساعده على أي من ذلك ضمن جماعة منظمة تمتهن التسول، بالسجن مدة لا تزيد على (سنة)، أو غرامة لا تزيد على 100 ألف ريال (أكثر من 26 ألف دولار)، أو بهما معاً، وبالنسبة إلى المتسولين غير السعوديين، فالإبعاد عن البلاد سيكون مصير كل من امتهن التسول، أو حرض عليه من غير السعوديين، عدا زوجة السعودي، أو زوج السعودية، كما يمنع الشخص من دخول البلاد باستثناء أداء شعيرتي الحج أو العمرة.

انخفاض نسبة المتسولين

في سياق متصل، تقول المتخصصة في السياسات السكانية والتنمية، الدكتورة عبلة مرشد إن "ظاهرة التسول من الظواهر الاجتماعية المسيئة للصورة الحضارية للوطن، بخاصة ونحن نتطلع لتحقيق رؤية 2030 بجميع ما تحمله من مستهدفات تنموية تسعى نحو جودة الحياة والارتقاء بجميع الخدمات وتقديم صورة حضارية تليق بالوطن ومقدراته".

وتضيف "كانت حزمة القوانين المختلفة والتشريعات التي واكبت انطلاق الرؤية والمساعي الحثيثة نحو بلورتها إلى منجزات وواقع نعيشه، من أحد أهم ممكنات تحقيق الرؤية وضبط وسائل تنفيذها، ويعد تشريع نظام وقانون لمكافحة التسول من أحد هذه التشريعات المهمة، بخاصة مع ارتفاع نسبة العمالة في السعودية، واستقبال المعتمرين والحجاج والزائرين للمملكة الذين يتدفقون بالآلاف سنوياً، فمنهم من يتخلف عن السفر في مدته النظامية ويعيشون على التسول أو العمل غير النظامي، وعليه فإن تشديد العقوبة عليهم وعلى المتسترين مطلوب، لإنجاح تنفيذ التشريع الخاص بذلك، كما يمكن وضع حوافز لمن يبلغ عنهم بما يسهم في الحد من وجودهم".

وأكدت المرشد على استمرار وجود المتسولين عند تقاطعات الطرق وعند الحرمين الشريفين وفي مراكز التسوق، عل الرغم من انخفاض نسبتهم بعد مرور عام على التشريع، مشددة على ضرورة القضاء على وجودهم تماماً وعدم تمكينهم من التسول في مختلف المناطق والمدن.

التسول في الأردن هل تحول إلى مهنة منظمة؟ 

وفي الأردن، أنعشت جائحة كورونا التسول بشكل كبير وحولته إلى مهنة، فزاد عدد المتسولين وأخذ الأمر أشكالاً وطرقاً جديدة كالتسول الإلكتروني، في وقت كشفت فيه السلطات عن وجود متسولين أردنيين يملكون شركات عقارية وأرصدة مصرفية.

ويرصد مراقبون ظاهرة بيع الأشياء البسيطة أو تقديم الخدمات المتواضعة في الشوارع أو على الإشارات الضوئية، باعتبارها أحد أشكال التسول.

 

بل إن الأمر تطور لاحقاً إلى تسول بعضهم خارج الأردن، ودخول دول أجنبية بتأشيرة سياحية لهذا الغرض، ما أكد للسلطات أن التسول بات مهنة تقوم بها مجموعات منظمة.

ففي أحدث فصول التسول أردنياً، أكدت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين أنها تتابع من خلال السفارة الأردنية في نيروبي موضوع توقيف 40 سائحاً أردنياً بتهمة التسول في شوارع المدينة.

مهنة منظمة

ضبطت السلطات الأردنية خلال السنوات الأخيرة آلاف المتسولين، بعدما تضخمت هذه الظاهرة الاجتماعية وتدحرجت لتصبح أسرع طريقة للثراء، ومهنة قائمة بحد ذاتها لها مناطقها وقوانينها وأعرافها.

ولا يبدو أن قانون العقوبات الأردني الذي يعاقب المتسولين بالحبس والغرامة يفلح في تقليل حجم الظاهرة، بدليل تكرار نحو 80 في المئة من المتسولين الذين يتم ضبطهم امتهان الأمر مجدداً.

غير أن وزارة التنمية الاجتماعية المعنية بملف التسول تكشف عن معلومات صادمة من بينها أن معظم المتسولين الذين يتم ضبطهم لديهم ممتلكات متنوعة، ووفقاً لمدير مكافحة التسول يمتلك 76 في المئة من المتسولين في الأردن سيارات وعقارات وشركات وأرصدة كبيرة في المصارف.

ووفقاً للسلطات يبلغ دخل بعض المتسولين شهرياً ما يزيد على خمسة آلاف دينار وبواقع 200 دولار يومياً، وتحتل العاصمة عمان الحصة الأكبر في عدد المتسولين تليها مدينة الزرقاء، وتشير دراسات اجتماعية متخصصة إلى أن معظم المتسولين الذين يتم ضبطهم أصحاء وقادرون على العمل ومقتدرون مالياً وسط مطالبات بتغليظ العقوبات.

التشهير لمحاربة التسول

وتشكل التقاطعات والطرق المهمة والمساجد والمجمعات التجارية مناطق مفضلة للمتسولين، ينما تعتبر أيام الجمعة وشهر رمضان والأعياد مواسم مهمة.

وفي محاولة منها لإنهاء هذه الظاهرة، هددت السلطات المتسولين أخيراً بالكشف عن هوياتهم، وخصصت رقماً خاصاً للتبليغ عنهم.

إلا أن أخطر ما في ملف التسول أردنياً وجود نحو ثلاثة آلاف طفل ضمن عصابات التسول في الشوارع، بعضهم معرض بشكل كبير للاتجار بهم أو استغلالهم جنسياً.

في العام الحالي، ضبط 4834 متسولاً من بينهم 1586 طفلاً، وفق تصريح مساعد أمين عام وزارة شؤون التنمية والرعاية محمود الجبور.

وكانت الحكومة الأردنية أدرجت التسول ضمن الجرائم المنصوص عليها في قانون الاتجار بالبشر، بهدف حماية الأطفال من استغلالهم في التسول أو العمل بالسخرة، وهو ما ارتفع بشكل لافت في الآونة الأخيرة إثر انتشار فيروس كورونا.

تسول إلكتروني 

وخلال الجائحة العالمية ومع انقطاع التواصل المباشر بفعل الإغلاقات وقرارات حظر التجوال، باتت شبكة الإنترنت وجهة مفضلة للاستجداء، وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة كبيرة ونشطة لجمع التبرعات والصدقات تحت لافتة "التسول الإلكتروني".

في ذلك الوقت غاب المتسولون عن الشوارع وابتعدوا عن أعين السلطات التي تلاحقهم واختبأوا خلف شاشات هواتفهم ليمارسوا مهنتهم بكل ذكاء وحرفية، متسلحين تارة بتقارير طبية مزورة استجداء للعواطف، وتارة أخرى بفواتير ومطالبات مالية متراكمة أو رسوم جامعية لم تدفع.

وأصبح التحول الرقمي في الأردن نقمة بعد تحوله لوسيلة تسهل التسول الإلكتروني، ويلجأ كثير ممن يمتهنون هذا النوع من التسول إلى المؤثرين والمشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي، لنشر مناشداتهم وعرض حاجتهم، بل إنهم يزودونهم برقم الدفع الإلكتروني الخاص بهم، وخلال ساعات فقط تنهال عليهم تبرعات "أهل الخير".

 يقع كثير من المواطنين في براثن الاستغلال والخداع عبر مئات الرسائل والمنشورات التي يجري تناقلها يومياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ويطلب أصحابها مساعدة مالية تحت ذرائع مختلفة وعبر استغلال عواطف الناس مثل طلب مساعدة مالية لمريض سرطان، أو دفع رسوم طلبة جامعيين على أبواب التخرج، أو تأمين ثمن أدوية، أو حتى إيجارات متراكمة منذ أشهر.

لكن الظاهرة الجديدة نسبياً دفعت الحكومة الأردنية إلى وضع مشروع قانون لمكافحة التسول الإلكتروني، وملاحقة جامعي التبرعات غير المرخصة وفق النظام والقانون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها احتيالاً وجزءاً من التسول الإلكتروني، غير أن هناك من يرى أنه لا بد من النظر بعين الشفقة والعاطفة إلى بعض ممن هم بحاجة حقاً إلى مساعدة ومد يد العون لهم لانتشالهم من مخاطر الوقوع في دائرة العنف والسرقة.

المستولون في المغرب "أثرياء"

لا تكاد تبرح سيدة خمسينية، ترتدي جلباباً أسود رثاً وتضع نقاباً، مكانها المعتاد قرب أحد المطاعم المشهورة بمدينة طنجة السياحية شمال المغرب، حيث تحرص على "توقيف" كل مار من الطريق، مستعطفة إياه لتطلب منه صدقة ونقوداً.

طريقة تسول هذه المرأة كانت تثير انتباه المارة، فيضطر بعضهم إلى منحها نقوداً لتفادي "ابتزازها"، بينما يفضل آخرون تجنب المرور من ذلك المكان تحديداً حتى لا يقعوا فريسة لاستعطافات المتسولة "المحترفة".

وإذا كانت تلك المرأة مثالاً للمتسول الذي يتعمد الابتزاز إلى حد الاحتيال، إذ ضبط "متسولون أغنياء" بالمغرب، فإن هذا لا ينفي وجود متسولين محتاجين بالفعل إلى تلك الصدقات.

 

محتاجون

تقف "عيشة" بالقرب من أحد أكبر مساجد مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط، تمد يدها لعلها تحصل على صدقة تعينها على نوائب الدهر. تقول لـ"اندبندنت عربية" إنها مضطرة إلى التسول من أجل إعالة نفسها وثلاثة أطفال بعد أن تخلى عنهم أبوهم نهائياً.

وتشرح المتحدثة بأن زوجها لما رزق بثلاثة أولاد، اثنان منهم مصابان بإعاقة ذهنية، فضل الهرب من المسؤولية، وغادر بيت الأسرة من دون معرفة وجهته منذ سنوات، فاضطرت إلى العمل أحياناً عاملة نظافة، وأحياناً كثيرة تمد يدها قرب المسجد لنيل تعاطف المحسنين.

الحاجة أيضاً أجبرت عبدالقادر، وهو في عقده الخامس، على التسول قرب أحد الأسواق الممتازة بالرباط، حيث أسر لـ"اندبندنت عربية" بأنه فقد عمله سائقاً في شركة، بسبب جائحة كورونا قبل سنتين، ولم يجد بداً من مد يده بسبب سوء حالته الصحية أيضاً.

ورأى أنه لا يتعين على الناس رمي المتسولين في سلة واحدة، واتهامهم بالتحايل أو الابتزاز، لأنه بالفعل هناك أشخاص محتاجون حقيقيون إلى أي فلس يتصدق به المحسنون، من أجل ضمان لقمة عيش أو سداد دين.

مبتزون

وفي مقابل حالات الحاجة والاضطرار، تكثر حالات الابتزاز والاحتيال عند "جحافل المتسولين" في المجتمع المغربي، حيث يشتكي كثيرون من تعمد المتسولين إحراجهم وابتزازهم من أجل كسب تعاطفهم ونيل نقودهم.

التسول في البرلمان

انتشار التسول بمختلف أصنافه، سواء أكان عن حاجة حقيقية أم ابتزازاً وتحايلاً، أثار حفيظة أحزاب سياسية ونواب برلمانيين مغاربة طرحوا أسئلة عدة موجهة إلى الوزراء المعنيين في الحكومة.

وقالت البرلمانية زينب السيمو، عن حزب "الأحرار" الذي يقود الحكومة، إن ظاهرة التسول باستخدام الأطفال والرضع أصبحت منتشرة بالبلاد، في الشوارع والأسواق التجارية الكبرى والمقاهي وأمام المساجد، متابعة بأن "بعض المتسولين من جميع الأعمار والفئات الذين يطلبون المال علناً جعلوا من هذه الممارسة الاجتماعية مهنة مدرة للربح".

من جهته قال البرلماني رشيد حموني عن حزب "التقدم والاشتراكية"، إنه "إذا كان لظاهرة التسول أسباب موضوعية وقاهرة تتعلق بالفقر والهشاشة وضيق ذات اليد وضعف الحماية الاجتماعية ونقص دور الرعاية، لا سيما بالنسبة إلى المسنين والمسنات، والأشخاص المعاقين، فإن الموضوع يتخذ أبعاداً خطيرة وإجرامية، حين يتعلق بامتهان التسول وتنظيم شبكات منظمة تتخصص في استغلال الأطفال".

ومن القصص الطريفة والمؤسفة في آن، ضبط متسولين "أغنياء" لديهم سيارات ومنازل وحياة رغدة، وعلى الرغم من ذلك يمارسون التسول، إما لأنه صار مصدراً للاغتناء، أو لأن التسول صار بمثابة إدمان بالنسبة إلى هؤلاء المتسولين.

ولا يزال المغاربة يتذكرون قصة سيدة في عقدها الرابع عندما ضبطتها الشرطة بضواحي مدينة أغادير، في مارس (آذار) من العام الماضي، وهي تركب سيارة فارهة بعد أن انتهت من ممارسة التسول.

وذكرت مصادر إعلامية متطابقة حينها بأن المتسولة التي باتت شهيرة بلقب "مولات الكاط كاط" (أي سيارة رباعية الدفع) كانت تعيش حياة رغدة بمعية أبنائها ووالدتها، وتمتلك شركة مسجلة باسم ابنتها، وشقة فخمة، لكنها على الرغم من ذلك تحرص على ممارسة التسول بعد أن تترك سيارتها بعيداً، وتغير ملابسها وترتدي النقاب، وهو ما رصده عدد من كاميرات المنطقة.

ونسبت إلى "المتسولة المليونيرة" تهم "النصب والاحتيال عن طريق تغيير الملامح لاستعطاف وإثارة شفقة الآخرين". ويعاقب القانون المغربي بالسجن من شهر إلى ستة أشهر سجناً نافذاً كل من كانت لديه وسائل العيش أو كان بوسعه الحصول على عمل، لكنه اعتاد ممارسة التسول"، كما أن العقوبة تنسحب على التسول المقرون بالتهديد أو التظاهر بمرض أو عاهة.

التسول "مهنة" في السودان

يعاني السودانيون أوضاعاً اقتصادية متدنية أدت إلى خروج الآلاف من سوق العمل. وأصبحت الوظائف البسيطة والهامشية معدومة، مما أدى إلى انتشار ظاهرة التسول، إضافة إلى انتشار الأطفال فاقدي السند والمتشردين، حيث أكد آخر الإحصاءات وجود 40 ألف مشرد في الخرطوم.

تقول الباحثة الاجتماعية هنادي مصطفى إن تفشي الظاهرة "يعود في البداية لسوء الأوضاع الاقتصادية، مما دفع كثيرين إلى اللجوء إلى الشارع من أجل سد احتياجاتهم، لكن الأمر خرج عن السيطرة"، مشيرة إلى أن "ارتفاع نسب الأطفال المشردين زاد من التسول في البلاد، إذ يتم استغلالهم للابتزاز وممارسة أعمال غير شرعية".

 

المتسول في قانون النظام العام الملغي هو الشخص الذي اعتاد التكسب باستجداء الناس وبالسؤال المباشر أو عن طريق جمع الصدقات أو التبرعات، وحظر القانون حينها ممارسة التسول أو جمع أية تبرعات أو صدقات من دون إذن مكتوب. وتسعى الجهات المتخصصة لوضع تشريع اتحادي يقضي على الظاهرة أو إقرار قانون منفصل لها، لكن لم يتم الأمر حتى الآن.

مع انتشار الظاهرة وتوسعها في السودان اتخذت الحكومة السودانية إجراءات للتخفيف منها، حين أعلنت في مطلع عام 2022 خطة واضحة بواسطة وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم. وطالب المدير العام لوزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني في اجتماع لها "الجهات ذات الصلة بضرورة لعب دور إيجابي لدعم وزارته في إنفاذ الخطط الموضوعة للقضاء على الظواهر السلبية"، موضحاً أن معظم المتسولين بولاية الخرطوم من فئة الأجانب، مما يستدعي تدخل بعض الوزارات الاتحادية ذات الصلة.

فيما أوضح مدير الإدارة العامة للشرطة المجتمعية بولاية الخرطوم معاوية الصديق محمد أن "الظواهر السلبية تفشت في العاصمة بصورة كبيرة، وأصبحت ذات ارتباط بالجريمة المنظمة، مما انعكس على أمن المواطن واستقراره".

مجموعات دخيلة وجهات متورطة

الحروب والنزاعات التي تعانيها الدول المجاورة للسودان صدرت مجموعات من المتشردين والمتسولين الذين غزوا البلاد، وأصبحوا يتسولون باسم السودان من دون الكشف عن جنسياتهم الرئيسة.

ويستخدم المتسولون طرقاً مختلفة للكسب، سواء أكانت بصورة مباشرة وصريحة، أو عن طريق افتراش منتجات لا قيمة لها والهدف منها التسول، أو حتى المتاجرة عن طريق الدين وقراءة القرآن والمدائح النبوية.

وأكد متخصصون في قضايا اللجوء أن التسول في الخرطوم له وجه خفي، ولا يكون بدافع الاحتياج فقط، بل إن هناك جهات تستقدم أجانب بطرق غير شرعية وتوزعهم في الشوارع من أجل التسول، وهي شبكات منظمة تدار بواسطة زعماء، وتمارس التسول كمهنة تدر دخلاً معلوماً، وهو عالم آخر لا يعرفه كثيرون.

عميد معهد دراسات الهجرة واللجوء والتنمية بجامعة المغتربين خالد لورد، يقول لـ"اندبندنت عربية"، إن "ما نشاهده في شوارع الخرطوم ليس مجرد تسول، بل هو مهنة وفقاً لما كشفت عنه أكثر من دراسة، ويمثل جريمة يعاقب عليها القانون، ويمكن تصنيفه ضمن عمليات الاتجار بالبشر".

تسول إلكتروني

مع ظهور نظام الدفع الإلكتروني انتشرت ظاهرة نشر طلبات للتبرع لمرضى عن طريق ذلك النظام، ومع انتشار الأمر تم الكشف عن عدد ممن ينشرون حالات غير صحيحة بأوراق مزورة. يقول الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي حيدر حمد إن "الظاهرة منتشرة منذ سنوات، لكن حالياً بات الكشف عنها يحدث بسهولة لانتشار الوعي والتنبيه بعدم دفع أي مبالغ مالية لحالات مرضية من دون الرجوع إلى المستشفيات المسؤولة عن العلاج، بل إن الأمر وصل إلى الاتفاق بين بعض المستشفيات أو العيادات الخاصة والمرضى، لذلك لا بد من تنظيم الأمر وعدم التبرع إلا لجهات معروفة وأشخاص موثوق بهم للقضاء على الظاهرة".

قوانين تحتاج إلى إعادة النظر في العراق

باتت ظاهرة التسول مصدر إزعاج كبير للأسر العراقية في الحدائق العامة وتقاطعات الطرق والأسواق والمزارات الدينية والمجمعات التجارية وحتى في المجمعات والعيادات الطبية، البعض منهم يدعي الجوع وأنه يرغب في الحصول على المال لأنه جوعان، فيضطر بعض الناس إلى إعطائه المبلغ الذي يريده.

يستخدم المتسولون كثيراً من الوسائل لكسب التعاطف والحصول على الأموال، فبعضهم يدعي الإعاقة وآخرون ولا سيما النساء اللاتي يحملن أطفالاً في أعمار أقل من سنة ويدعين مرض الطفل لجلب مزيد من التعاطف بالتالي الحصول على أموال أكثر.

 

اتسعت ظاهرة التسول في العراق مع سوء الأوضاع الاقتصادية وازدياد نسبة البطالة والتفكك الأسري، كما أن البعض امتهن مهنة التسول هو وعائلته، وباتت المهنة الأساسية التي يعتاش منها.

فقد أثارت سابقاً قضية وفاة متسولة في النجف وبحوزتها في البيت الذي تسكن فيه مبلغ مالي يقدر بـ50 ألف دولار كثيراً من التساؤلات حول عدم صدقية الشخص المتسول، وأنها أصبحت مهنة أكثر من كونها وسيلة للحصول على الاحتياجات الرئيسة بدافع الفقر.

القانون العراقي وقضية التسول

عاقب المشرع العراقي على جريمة التسول باعتبارها من الجرائم الاجتماعية في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، إذ نصت المادة 390 الفقرة (1) بأن "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على شهر كل شخص أتم الثامنة عشرة من عمره وكان له مورد مشروع يتعيش منه أو كان يستطيع بعمله الحصول على هذا المورد وجد متسولاً في الطريق العام أو في المحال العامة أو دخل من دون إذن منزلاً أو محلاً ملحقاً لغرض التسول، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر إذا تصنع المتسول الإصابة بجرح أو عاهة أو ألح في الاستجداء".

قوانين بحاجة إلى تعديل

يقع رصد حالات التسول للقصر الذين تقل أعمارهم عن السن القانونية على عاتق وزارة الداخلية التي بدورها تنسق مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لغرض إيداع المتسول في دور المشردين، بهدف إعادة تأهيله وتدريبه للحصول على عمل في حال تم الإفراج عنه.

في هذا السياق يوضح القانوني علي التميمي أن قانون العقوبات العراقي عاقب في مواده 390 و391 و392 بالحبس البسيط والغرامات على التسول أو الإيداع في دور الدولة في حالة التكرار، مضيفاً أن القانون وعند التمعن فيه أجاز التسول لمن لا عمل له مع ضرورة وجود عقوبات رادعة لكن بشرط إيجاد البدائل.

التسول يرتبط بالاتجار بالبشر

وفقاً لبيانات مديرية الشرطة المجتمعية فإن المديرية سجلت حالات لعصابات تؤجر الأطفال في عمليات التسول، وهذه تعد جريمة منظمة يعاقب عليها وفق القانون ضمن جريمة الاتجار بالبشر.

وفي هذا السياق يقول الناطق باسم وزارة الداخلية خالد المحنا إن هناك جماعات وعصابات تؤجر الأطفال لغرض التسول، وقد تمكنت وزارة الداخلية من الوصول إلى هذه العصابات وأحالتهم على القضاء، موضحاً أن حالات تأجير الأطفال لغرض التسول ليست بالحالات الكثيرة.

ويؤكد أن الشرطة المجتمعية تختص بموضوع محدد وهو محاسبة من يقوم بالتسول على رغم حالته الاقتصادية الجيدة، من يمتهن التسول ويجبر أفراد عائلته على التسول، وهذا يدخل ضمن جريمة تعنيف الأطفال، وعليه "فإن هناك إجراءات لمحاسبة أولياء الأمور الذين يجبرون أطفالهم على التسول".

ويوضح المحنا أن هناك إجراءات تتعاون فيها كل من وزارة الداخلية ووزارة العمل الاجتماعية لضم الأسر التي هي تحت خط الفقر لشبكة الحماية الاجتماعية، للحد من ظاهرة التسول التي تكون بدافع تأمين الاحتياجات الأساسية.

"بائعو المناديل" و"ماسحو الزجاج" في شوارع الجزائر

في الشارع المؤدي إلى ساحة أودان بقلب العاصمة الجزائرية، ينتشر عدد من الأطفال الصغار وهم يلحون على المارة وسائقي السيارات لشراء علبة من المناديل الورقية، مشهد لم يكن في السابق موجوداً في الجزائر، بخاصة أن هذه المهنة كانت مقتصرة على الكبار وفي أماكن محددة كمحطات النقل العام، أو أمام مداخل الأسواق.

يحاول رفيق ذو الـ13 سنة، أن يقنع الزبائن بصوته الطفولي وإصراره على المارة بأن يشتروا من علبته الصغيرة المصنوعة من الكرتون إحدى علب من المناديل الورقية وبسعر 20 ديناراً أي ما يعادل يورو، مهملاً رفض البعض وابتسامة البعض ورغبة آخرين في تلافيه أو عدم الإنصات إليه.

 

اللافت للنظر أن رفيق الذي ودع الدراسة في فصل الصيف فقط، لا يذعن لردود فعل المارة خصوصاً الرجال منهم الرافضين لدعواته شراء علبة من المناديل، بل عرف أنه بإمكانه أن يستعطف قلب النساء والفتيات، ما جعله يحظى ببيع وفير، وغالباً ما يأخذ ثمناً أكبر بكثير من العرض.

ليس رفيق وحده من اكتشف سبيل كسب المال، بل هو عينة بسيطة من الأطفال والأولاد الذين يجوبون قلب العاصمة الجزائرية في عز الحرارة، ويطوفون عبر جنبات المحلات الخاصة ببيع المأكولات السريعة والملابس.

ويردد الأطفال القصر الحاملون "مناديل ورقية"، عبارة "أشري عليا تعيشي" (اشترِ مني أرجوك)، لاستعطاف المحسنين، ما يجعل المشتري يمنح الطفل قطعاً نقدية تفوق سعر "المناديل".

وأمام استماتة البعض في محاولات بيع ما تيسر من مناديل ومياه معدنية باردة، يعتبرها كريم ذو الـ35 سنة عبارة عن "تسول من نوع آخر ولكن بكرامة"، لافتاً إلى أن بيع المناديل الورقية يعتبر طلباً للإعانة وغالبية الزبائن ترفض أخذ المناديل لكنه يدفع الثمن وربما أكثر من الثمن المعروض من طرف ذلك الطفل الصغير.

لفتة إنسانية

في الحيز نفسه، وغير بعيد من شارع "ديدوش مراد"، يواجه السائقون الذين يعبرون الطريق المؤدي إلى ساحة البريد المركزي، مكان توقف الإشارات المرورية، شباناً يحملون ماسحات الزجاج وقوارير مياه ويغسلون واجهة السيارة من دون استشارة السائق ويطلبون مقابل ذلك مبلغاً من المال.

اللافت أن هناك معارضة شديدة في ذهنية الجزائريين لما يسمى "خدام الناس" أو من يؤدي خدمة مسح الزجاج" على اعتبار أنها سلوك غير محبب في نظر البعض، في مقابل أنها تحولت إلى مهنة تذل الفرد الجزائري، على حد قول سمية قواسمي التي قالت، إنها ترفض ذلك فلديها يدان، وهي من يقوم بسمح زجاج سياراتها وليس لها حاجة إلى أن ترى بعينيها طفلاً أو شاباً يقوم بذلك.

على عكس هذه النظرة، ثمة من يرى أنها مهنة للحصول على مدخول يومي، ولا ضير إن كان يؤديها أطفال من أجل لقمة العيش، فيما يلجأ البعض إلى تقديم إعانة مالية لهذه الشريحة علاوة على تنظيف السيارة أو مسح الزجاج.

لكن يبدو أنها مهنة القوت والأقوى، إذ في إحدى المرات تطور هذا المشهد إلى صراخ وخصومة بين أحد هؤلاء الشباب وسائق سيارة قال، إنه لم يطلب من الشاب أن يمسح زجاج سيارته، وإنه تعدى على خصوصيته ومن دون استشارته وهو من التصرفات غير اللائقة.

لعل ما يبرر هذا التصرف بحسب عدد من المستجوبين من المارة في حديثهم، أن التسول في الجزائر لم يكن أمراً مألوفاً، فالمعروف أن الناس في هذا البلد الذي يقترب عدد قاطنيه من نحو 45 مليون نسمة، متعففون ولهم من عزة النفس، ما يمنعهم من مد أيديهم، عملاً بمقولات شعبية مثل "شاقي ولا محتاج"، و"الكفاف والعفاف".

غلاء المعيشة

برزت هذه الظاهرة إلى السطح بعد عودة الحياة العادية لما بعد أزمة كورونا، إذ ذهب البعض إلى ربطها بفقدان كثير من العائلات الجزائرية لمصادر دخلها خصوصاً في ما تعلق بالمهن الحرة لأرباب البيوت، كما قال الناشط الحقوقي كريم بوسعدية، لافتاً إلى أن عمالة الأطفال كانت مقتصرة على بيع الخبز في بلدات ريفية شرق غربي العاصمة، ولم تكن تظهر في المدن إلا منذ فترة ليست بالبعيدة.

ويشير بوسعدية وهو أستاذ في المرحلة الثانوية إلى أن التغيرات الاجتماعية لها دورها في فرض بعض المهن التي لا يمكن أن يمارسها إلا الأطفال الصغار كبيع المياه المعدنية في محطات الحافلات وفي الأحياء الشعبية وبيع المناديل الورقية بخاصة في فصل الصيف، إذ تستقطب كثيراً من الزبائن ولو بسعر مرتفع مقارن بسعرها في المحلات.

" حرفة": تسول من نوع آخر

في إطار آخر، تشهد الجزائر ظواهر جديدة متعلقة بالتسول، فالمتجول في شوارع العاصمة، يلحظ بروز طرق أخرى للحصول على رأفة واستعطاف المارة، وهي أساليب "لا تخطر على بال أحد" كما رددت السيدة سعيدة (54 سنة)، متحدثة أن البعض بات يتحجج بنسيان محفظة نقوده في البيت مثلاً، أو القول إنه قام باقتناء مشتريات ونفذت أمواله وليس له المبلغ الكافي للعودة إلى المنزل، وهي من الطرق المبتكرة في التسول بل باتت حرفة مبتكرة.

ويبدو أن استغلال الأطفال وبخاصة الرضع في عالم التسول، أصبح يهدد تماسك الجزائريين والتضامن في ما بينهم، إذ يلفت أستاذ علم الاجتماع عبدالله أوفة، أن المجتمع الجزائري معروف بالتضامن في ما بين أفراده، غير أن مظاهر "السينما في عالم التسول، أدت إلى تفطن البعض لتلك الحيل التي يستعملها البعض لاستعطاف الناس من أجل حفنة من المال"، مشيراً إلى أنها أضحت تجارة ولكن بطرق غير قانونية وفيها كثير من "الحيلة والمكر".

وفي سياق متصل، يقول إن هناك عملية مؤطرة من البعض الذين يستغلون أطفالاً رضعاً لا تتجاوز أعمارهم السنة أحياناً وحتى من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يبقون ساعات طويلة في الشارع تحت أشعة الشمس الحارقة.

ودعا خبراء في القانون وحقوق الإنسان إلى أهمية إعادة تقنين الظاهرة من حيث القوانين الرادعة، وإيجاد مخرج، إذ اقترحت الباحثة في حقوق الطفل بجامعة الجزائر كريمة سوامي وضع شرطة التسول عبر مختلف المحطات الكبرى للنقل والشوارع والساحات الكبرى في المدن، وهذا كمساعدة أولية لضبط كل من يستغل الأطفال في هذا المجال من أجل المال، رافضة أن يبقى الردع عبارة عن قوانين لا يمكن تنفيذها حرفياً في أرض الواقع.

يذكر أن الحكومة الجزائرية خصصت صناديق مالية موجهة للفئات الهشة، تستهدف أساساً عدة شرائح من المجتمع، منهم ذوو الدخل الضعيف أو الفئات من دون مدخول أو بالنسبة إلى الأيتام والأرامل، في خطوات لمحاربة استغلال الوضع الاجتماعي كوسيلة لقتل براءة الأطفال.

التسول في لبنان بين المهنة والحاجة

في لبنان دوماً ما تبوء محاولات القوى الأمنية والدولة للجم ظاهرة التسول بالفشل، وذلك لأن المتسول اتخذها مصدراً للرزق يعتاش منه من دون أن يعمل "تحت إمرة أحد".

ومن الظواهر الغريبة أن هناك بعض المخضرمين فيها يجلبون الأطفال بسياراتهم الفخمة ليقوموا بنشرهم أمام المقاهي والملاهي، لا سيما في شوارع بيروت، وفي الآونة الأخيرة ومع سلسلة الأزمات ونزوح حوالي مليوني لاجئ سوري باتت ظاهرة التسول في كل المناطق اللبنانية ولم تعد تقتصر على العاصمة.

 

التسول في لبنان

يوسف (9 سنوات) يظهر التعب والإرهاق على ملامح وجهه، ويقول وهو يحمل ربطة خبز يريد إيصالها إلى أهله إنه يعمل مساعداً في التنظيف لتأمين الطعام اليومي لعائلته، ويتابع "لا أحب المدرسة وأفضل العمل لإطعام عائلتي"، لافتاً إلى أن طعامه اليومي المفضل هو "طبق الرز".

أما وليد (66 عاماً) فيأتي إلى بيروت يومياً لأن "الناس يعرفونني وقد اعتادوا عليّ وهنا مصدر رزقي"، وقال "لدي أربع بنات وصبي وأحاول أن أساعدهم قدر الإمكان ليكملوا دراستهم وتأمين قوتهم اليومي ليعتاشوا"، معبراً عن استيائه "لما وصل إليه البلد، إذ لا توجد دولة تحمينا".

وعن المبلغ الذي يحصل عليه من خلال التسول في الشوارع والذي أصبح مهنته الأساس يقول، "أجني قرابة 300 ألف ليرة يومياً، ولكن هذا لا يكفي لسداد فاتورة إيجار المنزل ودفع اشتراكات الكهرباء والماء".

بدوره أثار سعيد (61 عاماً) موجة قلق وذعر لدى المارة على أحد الجسور، إذ أصبح الرصيف مسكنه الثاني مع نارجيلته الشهيرة الثابتة في مكانها من دون فحم، ويقول "كنت أسكن في بعلبك في منزل زوجتي ولكن بعدما حصل الخلاف قررت أن أعاقبها وبناتي الأربع بالرحيل عنهن لأنهن وقفن ضدي. أنا هنا لأني أردت أن أدفن نفسي بعدما تعرضت للضرب على عيني وأصبت بعطب في كاحلي"، لافتاً إلى أنه لا يستطيع أن يعمل "لأن حالي الصحية متدهورة"، ملقياً اللوم على "الدولة التي باتت عاجزة عن النظر إلى حالي".

الأرقام غائبة

وفي السياق توضح مديرة المشروع الوطني لمكافحة التسول في وزارة الشؤون الاجتماعية سيما معاوية "أنه لا توجد أعداد أو حتى أرقام رسمية لعدد الأطفال المتسولين، والسبب يعود في ذلك لكون هؤلاء الأطفال في حركة دائمة يصعب رصدها".

أما بالنسبة إلى جنسياتهم "فإن الغالبية القصوى التي تتعدى 56 في المئة من النازحين السوريين أو مكتومي القيد، بحسب آخر إحصاء جرى عام 2016، والباقي يتوزع على جنسيات عدة، أما اللبنانيون فنسبتهم قليلة جداً".

التسول إلى ارتفاع

أما أسباب تزايد أعداد هؤلاء الأطفال فتعود بحسب معاوية إلى "تراكم الأزمات التي تعرض لها لبنان خلال الآونة الأخيرة من جائحة كورونا والانتفاضة ويليها انفجار المرفأ وتدهور قيمة الليرة وما رافقها من أزمة اقتصادية ونهب أموال المودعين، وكوننا باحثين في علم الاجتماع لا نحتاج إلى أرقام، فدورنا نقل المشكلة لتصبح على مرأى من الجميع، وتسليط الضوء عليها لمعالجتها والإحاطة بها خوفاً من توسعها أكثر، وخوفاً مما يمكن أن تحمله من تداعيات سلبية على الواقع والمجتمع اللبناني، فهناك العديد من أرباب الأسر فقدوا عملهم جراء إفلاس المؤسسات والشركات بسبب إقفال البلد لأكثر من عامين، مما تسبب برفع نسبة البطالة في لبنان، إضافة إلى ارتفاع نسبة التسرب المدرسي لدى عدد كبير من أطفال الطبقتين الوسطى والفقيرة لأكثر من ثلاثة أعوام، وبسبب إقفال المدارس الرسمية وعدم قدرة معظمها على مواكبة التدريس من بعد، ما اضطر هؤلاء الأطفال إلى الانخراط في سوق العمل".

الخطة الوطنية لمكافحة التسول

أما عن الخطة الوطنية لمكافحة التسول فتقول "نحن اليوم بصدد تأمين تمويل لمشاريع عدة من شأنها سحب هؤلاء الأطفال من الشارع وإعادة دمجهم في مقاعد الدراسة، علماً أن معظم أطفال النازحين لديهم تغطية دراسية من قبل ’يونيسف‘ لمشروع مشترك مع وزارة التربية والتعليم العالي، أما بالنسبة للأسر اللبنانية فوزارة الشؤون الاجتماعية كانت قدمت دعماً عبر برنامج الأسر الأكثر فقراً لـ 150 ألف عائلة لبنانية، إضافة إلى البطاقة التمويلية أو بطاقة دعم التي استفاد منها كافة الشعب اللبناني من دون شروط تذكر".

أما بالنسبة إلى توزيع المسؤوليات التي تلحق بالمؤسسات الرسمية عن وجود هؤلاء الأطفال في الشارع، فتوضح أنها "مسؤولية مشتركة ولا تقع فقط على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية"، لافتة إلى أن "لبنان قام بتوقيع اتفاق حقوق الطفل والذي يقضي بحماية الأطفال الموجودين على أراضيه كافة باختلاف جنسياتهم، إلا أن وزارة الداخلية والبلديات معنية بمنع وجود هؤلاء الأطفال على الطرق، لما يمثلونه من خطر على سلامتهم بالدرجة الأولى والسلامة العامة بالدرجة الثانية. وكذلك دور المنظمات في دعم أسر هؤلاء الأطفال من دون أي شرط من خلال التكفل بتأمين الحماية والعيش الكريم والتعليم وغيرها من المسؤوليات مع دور الأهل وأسرة الطفل التي تحصل على أموال من المنظمات والهيئات الدولية لمتابعة الطفل ودراسته، ونحن اليوم نعمل على مشروع إعادة تأهيل أطفال الشوارع عبر المهن المبتكرة والدعم النفسي والاجتماعي من خلال مراكز وزارة الشؤون الاجتماعية المنتشرة في كافة المناطق اللبنانية، وبالشراكة مع الجمعيات الأهلية والمنظمات الدولية، أما بالنسبة إلى المسنين فلدينا العديد من دور الرعاية المتعاقدة مع الوزارة غير قادرة على إرغام أي مسن متسول على الطريق ويتمتع بكامل قواه العقلية، أن يقطن داخل هذه الدور من دون موافقته أو موافقة عائلته، فالقانون لا يسمح لنا بهذا، وقد واجهتنا العديد من الحالات التي بذلنا فيها جهداً لوضعهم في دار المسنين ولكن الرفض كان إما من العائلة أو من المسن نفسه".

التسول في تونس ظاهرة قديمة توسعت خلال العشرية الأخيرة

لا تعتبر ظاهرة التسول غريبة عن التونسيين، لكنها انتشرت خلال العشرية الأخيرة بشكل لافت، فتنوعت الأجناس والجنسيات، إذ نجد النساء والأطفال والشباب والشابات، كما نجد التونسيين والسوريين وأخيراً الأفارقة، الذين جعلوا من تونس محطة استراحة لمواصلة الرحلة نحو أوروبا، وهذا يتطلب الحصول على المال بأية طريقة ليكون التسول أحدها.

كل له أسبابه وغاياته، فمنهم الجائع الباحث عن سد الرمق ومنهم المتحيل من جعل من التسول مهنة، وبعضهم الآخر يستعطف شفقة الناس في الطرقات وأمام أبواب الجوامع.

 

استغلال الأطفال عبر التسول

ويبقى استغلال الأطفال من أفظع أساليب التسول ولفت النظر، وقد تلقت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في تونس حوالى 390 إشعاراً خاصاً بتعريض الطفل إلى التسول والاستغلال الاقتصادي سنة 2021.

وأفادت الوزارة بأن عدد الإشعارات المتعلقة بتعريض الطفل للتسول واستغلاله اقتصادياً بلغ 441 إشعاراً خلال سنة 2020، و392 إشعاراً سنة 2021، وفقاً لمخرجات التقرير الوطني حول وضع الطفولة في تونس لسنتي 2020 و2021، 

وبعضهم يرى أن الوضع السياسي والاقتصادي السيئ في تونس خلال العشرية الأخيرة أسهم في انتشار ظاهرة التسول.

ويقول رئيس حزب الجمهورية الجديدة محمد علي عباس في هذا الصدد، إن "آلاف الأفارقة اللاجئين يتسولون في شوارع تونس التي يعاني أكثر من 90 في المئة من شعبها الفقر والعوز".

وتابع، "عندما تتجول في شوارع المدن والقرى التونسية تتفاجأ بظاهرة جديدة وهي وجود آلاف الأفارقة اللاجئين إلى تونس هرباً من جحيم الفقر والظلم الذي أصابهم في دولهم"، مضيفاً "عدد الأفارقة في تونس يزداد بين الساعة والساعة ظناً منهم أن تونس ستكون محطة لن تطول فيها الإقامة للتوجه بعدها إلى أوروبا وخصوصاً فرنسا".

ويكمل، "ووصل التسول أيضاً إلى المجتمع التونسي، فنجد آلاف التونسيين يقفون تحت لهيب الشمس الحارقة أو في البرد القارس يلتقطون قوارير الماء الفارغة لبيعها لشركات تجمع البلاستيك والألومينيوم لإعادة تدويرها"، وهو يرى أن "آلاف التونسيين يتسولون أيضاً بسبب الفقر الذي أصاب المواطنين"، مرجحاً أن تطول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتتعمق "بغياب تصورات وحلول وبرامج واضحة".

ظاهرة اجتماعية مقلقة

وتظهر بيانات للبنك الدولي حول الآفاق الاقتصادية لتونس نشرت في أبريل (نيسان) الماضي أنه من المتوقع أن يصل معدل الفقر إلى 3.4 في المئة خلال عام 2022، و3.1 في المئة عام 2023.

وكانت دراسة أنجزها المعهد بالتعاون مع البنك الدولي ونشرت في سبتمبر (أيلول) 2020 بعنوان "خريطة الفقر في تونس"، كشفت عن ارتفاع نسب الفقر بشكل رئيس في المناطق غير الساحلية، وتحديداً في وسط البلاد وشمالها.

ووصلت نسبة الفقر بحسب إحصاءات المعهد إلى 15.2 في المئة سنة 2015، ولفهم هذه الظاهرة وتحليلها يقول الباحث في علم الاجتماع شهاب اليحياوي إن التسول يعد من الظواهر الاجتماعية المقلقة"، مفيداً بأن "عوامل عدة أسهمت في انتشاره ومن أهمها النموذج التنموي المعتمد في تونس منذ الاستقلال"، معتبراً أنه أفضى إلى تهميش كثير من الفئات الاجتماعية، وهذا واضح بالمقارنة بين محافظات الداخل والمحافظات الساحلية، فالأخيرة تتمتع بنسق تنموي أفضل".

ولفت إلى أن عدم الاستقرار السياسي وطول الفترة الانتقالية أسهما في ارتفاع نسبة الفقر في تونس وتأخر الإصلاح الاقتصادي، مؤكداً أن تلك "العوامل أدت إلى تراجع المقدرة الشرائية للفئات الضعيفة التي كان أيضاً من بين نتائجها التسرب المدرسي، وهذا ما يفسر تزايد ظاهرة استغلال الأطفال للتسول لمصلحة عائلاتهم أو شبكات منظمة".

وأضاف اليحياوي أن "ظاهرة التسول منتشرة في كل المجتمعات، ولكن حجمها وتوسعها يؤشران إلى وجود خلل ما في الدولة"، موضحاً أن "استفحال الظاهرة يدل على وجود معضلة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة، ومساس بالعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات".