"باكوراو" فيلم برازيلي يروي قصة قرية على قارعة التاريخ والاغتراب

 المخرجان كليبير مندونسا فيلو وجوليانو دورنيليس يقرعان ناقوس الخطر

مشهد من الفيلم البرازيلي (اندبندنت عربية)

الأوضاع السياسية في البرازيل بعد انتخاب اليميني المتطرف جايير بولسونارو تستدعي القلق. أفلام عدة ولدت من هذا القلق في الفترة الأخيرة، أفلام تدق ناقوس الخطر وتقدّم رواية أخرى عمّا يحصل من تغييرات سلبية في أكبر بلد أميركي لاتيني، تناقض في فحواها كلّ ما نراه ونسمعه في وسائل الاعلام: تضييق على الحريات، نزعة قومية، نشر أفكار رجعية. من جملة هذه الأفلام: "باكوراو" للثنائي البرازيلي كليبير مندونسا فيلو وجوليانو دورنيليس، الذي عُرض في الدورة الأخيرة من مهرجان كانّ السينمائي حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم.

"باكوراو" ليس فيلماً عن بولسونارو أو عن الخطوات العدائية التي قامت بها السلطة ضد فئات من المجتمع. ولكن كلّ شيء فيه يذكّرنا بالسلطة والعدائية والتهميش. فهذا فيلم شديد القسوة، قساوة يجدها البعض رد فعل بديهي وقد حلّت بالبرازيل، موطن فيلو ودورنيليس، كارثة حقيقية، مع وصول بولسونارو إلى سدة الرئاسة وتكريس التطرف. هذا وصول كافٍ عند الكثير من الفنّانين لإعلان حال الطوارئ، أقله سينمائياً، في البلاد، والتصدي له صوتاً وصورة.

باكوراو اسم قرية "منسية" في البرازيل تعيش فيها مجموعة بشرية مهمّشة على قارعة التاريخ والجغرافيا بسبب انها تتحدر من منطقة ينظر الآخرون إلى سكّانها باعتبارهم مواطنين درجة ثانية. الأحداث التي ينطلق بها الفيلم تجري في مستقبلٍ قريب جداً، في اشارة قد توحي بحال البرازيل راهناً، اجتماعياً وسياسياً. كأن الفيلم من خلال الزمن الذي يختاره يحذّر من حدوث الأسوأ. البلدة الصغيرة هذه تختزل من وجهة نظر المخرجين، برازيل الحالية الواقعة في فخ الكراهية والعنف. هناك احساس أبوكاليبتي يخيّم على المناخ العام للفيلم، منذ الافتتاحية حتى لحظة الختام. 

 يتولى الفيلم تصوير الجماعة التي تعيش بتناغم مع بيئتها إلى حين وصول مَن سيعكّر صفو الأشياء. الجزء الأول فيه شيء من المعاينة الأنثروبولوجية الدقيقة، اذ ان مراسم دفن احدى كبيرات السن في القرية تفتح المجال لرسم بورتريه جميل لعادات البلدة وتقاليدها. الا ان دخول بعض السياح وانطلاق الأحداث الدموية، سيضعان أهل البلدة في دائرة الخطر، لتصل المسألة بهم إلى اختفائهم الكلّي عن الخارطة!

الواقع المعقد

صحيح ان "باكوراو" لا يتصدى مباشرة إلى قضية انتخاب بولسونارو، ذلك انه يجول في بال المخرجيَن منذ نحو عقد من الزمن، الا ان الاستبداد الذي ينتظر البرازيل يلقي بظله على الفيلم. يروي المخرجان ان الموضوع مستوحى من نقطة شديدة الارتباط بالواقع البرازيلي. يقول فيلو: "كانت رغبتنا في الأساس انجاز وسترن مغامرات عن السلطة والقوة. وعندما تفكّر بالقوة. الصداقة التي تربطني بجوليانو وحبّنا المشترك للأفلام، فضلاً عن النفوذ الذي وفّره لي فيلمي السابق "أكواريوس"، هذا كله حفزني لإنجاز هذا الفيلم الذي ينتمي إلى سينما النوع. مع ذلك، أعلم انه لا يمكن تجنّب ربط برازيل الماضي ببرازيل الحاضر، بالتوتر الذي تعيش فيه وبتناقضاتها المجنونة". 

يروي دورنيليس ان ما شجّعه على إنجاز هذا الفيلم هو الناس المهمّشين الذين التقاهم في أحد المهرجانات السينمائية، معتبراً ان هذا الفيلم ردّ اعتبار إلى هؤلاء البشر الذين يأتون من منطقة شمال شرق البرازيل (المنطقة التي ولد فيها). فقبل بضع سنوات، كان هو وفيلو في مهرجان سينمائي يقضيان فيه بعض الوقت بمشاهدة عدد كبير من الأفلام. يومها، شاهدا الكثير من الوثائقيات عن الاتنيات المختلفة في البرازيل. ولكن أكثر ما أثار قلقه وحفيظته هو رؤيته شابة فقيرة جداً ظهرت في أحد الأفلام الوثائقية. شاهدها تجلس على كنبة جلدية فاخرة وهي ترتدي ملابس رثّة وتبدو غريبة عن المكان. يتذكّر المبلغ المالي الذي تقاضاه وقتها من المهرجان لشراء المأكولات ويقول انه كان يكفي لشراء الطعام طوال شهر كامل. كانت هي وغيرها من الفتيات يرتدين ملابس رثّة، الأمر الذي منعهن من دخول المطاعم. أزعجته جداً رؤية هذا المشهد. صحيح ان الكلّ حول البنات كانت نياتهم حسنة، ولكن هذا لا ينفي ان الموقف كان شديد العنف. رغبة المخرجان في إنجاز "باكوراو" وليدة هذه اللحظة القاسية. 

يعلّق فيلو على هذا الموضوع قائلاً بأنه يوجد تقسيم ثقافي واجتماعي بين شمال شرق البرازيل وجنوبها حيث ريو وساو باولو، مركز الأموال. هو ودورنيليس من هذا الاقليم، ممّا يعني انهما يتعرضان باستمرار إلى تمييز طبقي على خلفية اصولهما، ولن يساعدهما انتخاب بولسونارو الذي يروّج لأفكار يمينية غير مريحة في محاربة هذ التمييز. "نواجه الكثير من الأفكار المسبقة تجاهنا. لحسن حظنا، ولاية برنمبوك التي آتي منها غنية جداً من النواحي الثقافية: موسيقى، أدب، فيلم. المشهد الثقافي فيها محل تقدير وإحترام الجميع. لكن خارج هذا المشهد، نرى الويلات!".

بعيداً من السياسة، يمكن القول ان فيلو ودورنيليس من السينمائيين الذين لا ينسون ما تعلّموه من السينما يوم كانوا مجرد مشاهدين. فخلال فترة كتابة السيناريو، كانا يستعينان بالحلول المتوافرة في بعض الكلاسيكيات في كلّ مرة شعرا بأنهما أمام حيط كتابي مسدود. لذلك، شاهدا الكثير من الوسترن. "كومبانييروس" لسرجيو كوربوتشي أحد هذه الأفلام التي اضطلعت بدور مهم، وتأثيره في "باكوراو" جد واضح. "لفتنا جوّ القسوة والحقارة الذي كان ينبعث منه"، يقول فيلو قبل ان يصرح بأن السينما الهوليوودية لطالما أرادت اقناع المشاهدين في أنحاء العالم كافة بأن البطل المطلق لا يمكن الا ان يكون أميركي الهوية وأبيض البشرة، ولكن "باكوراو" يقول عكس هذا. 

المزيد من سينما