Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جميل الحجيلان، مئة عام من … الانفتاح!

الثبات في المواقف ليس خبراً بلا مبتدأ

الدبلوماسي السعودي جميل الحجيلان عندما كان سفيرا لبلاده في فرنسا ( غيتي )

تفيدنا قراءة السير الذاتية في معرفة المواقف التي وقعت خلال حياة الكاتب، سواءً كانت من لدنه أو من لدن المحيط الذي عاش فيه، أفراداً أو مؤسسات، مجتمعات أو دول.

يحدث هذا في أي سيرة ذاتية، فكيف إذا كانت هذه السيرة لرجل دولة من طراز رفيع ودبلوماسي مرموق، وخبير خاض غمار العمل الحكومي لأكثر من 70 عاماً، وما زال على الرغم من قربه من الـ 100 عام، يعطي من خبراته وحكمته لمن أراد إليها سبيلاً.

أكتب هذه الكلمات وأنا أقلّب بين يدي، بمنتهى الإمتاع والمؤانسة، مسودة مذكرات معالي الشيخ جميل الحجيلان، التي شرّفني بالاطلاع عليها وهي ما زالت "تتزيّن" استعداداً للخروج إلى الناس المتشوّقين لظهورها.

 

لا أبالغ إذا قلت بأن السيرة الذاتية المرتقبة للشيخ جميل الحجيلان، ليست سيرة شخص ولا سيرة جيل، بل سيرة دولة [السعودية] عاصرها هذا الإنسان منذ تأسيسها على يد الملك الراحل عبد العزيز وحتى ما وصلت إليه اليوم على يد الملك سلمان. ماذا نتوقع من رجل عايش وتعامل مع سبعة ملوك غير أن يكون زاخر التجربة، ثريّ الذكريات والمواقف.

حياة بطل مذكراتنا ليست 100 عام من العزلة، بل 100 عام من الانفتاح؛ الانفتاح على مجموعة متنوعة من الثقافات واللغات والمجتمعات والأيديولوجيات والسياسات، التي شكّلت بمصهورها شخصية جميل الحجيلان.

لن أُحرق عليكم متعة قراءة المذكرات عند صدورها قريباً، كما أتطلّع. لكني سأكشف عن تفاصيل موقف واحد، لا أدري إن كان يصح أن أسميه واحداً أو موحّداً، ذلك هو الموقف السعودي من الأطماع العراقية في الكويت.

قد يظن كثير من أبناء جيلي أن هذه الأطماع العراقية بدأت مع غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وأن الموقف السعودي الصارم ضد العبث بأمن جارته كان قد ظهر حينذاك. بالطبع من السهولة البحث في محرك "غوغل" أو "ويكيبيديا" عن السوابق العراقية في هذا الشأن، لكنك قد لا تجد الآن الشخص الذي يروي لك الحكاية عن قرب، كما يفعل الحجيلان الذي كان أول سفير سعودي لدى الكويت، بل أول سفير ودبلوماسي يقدّم أوراق اعتماده لأمير الكويت بعد أن استقلت عن بريطانيا في 19 يونيو (حزيران) 1961. ولكن ما كادت الكويت وأهلها يكملون أفراحهم واحتفالاتهم بالاستقلال إلا وأعلن رئيس الحكومة العراقية عبد الكريم قاسم، في مؤتمر صحافي يوم 25 يونيو، "رفضه لاستقلال الكويت، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من العراق". واقتباساتي بين معكوفتين ستكون كلها من مسودة مذكرات الحجيلان.

 

"كانت المملكة العربية السعودية أول دولة عربية أنكرت على الحكم في العراق هذا الادعاء الأخرق"، وقد عبّرتْ فوراً عن موقفها ببرقية أرسلها الملك سعود إلى الشيخ عبدالله السالم، جاء فيها بمنتهى الوضوح: "أما نحن فمعكم في السراء والضراء، وسوف نكون أوفياء في ما تعاهدنا عليه، ونحن على أتم الاستعداد لمواجهة كل خطر تتعرض له الكويت الشقيقة". لم يتوقف الملك سعود عند هذه البرقية التطمينية لأمير الكويت، بل أرسل برقية في غاية الوضوح إلى الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم جاء فيها: "وفضلاً عن أن الكويت بلد عربي نكنّ له نفس شعور المحبة والإخاء الذي نشعر به نحو البلاد العربية الأخرى، فإن في أعناقنا عهداً مقطوعاً للكويت في أن نهرع لنجدته إذا تعرض لأي خطر".

ولم يكتفِ الملك سعود بتحذير الظالم وتطمين المظلوم، وهو السقف الأعلى المتوقع في التعبير عن الموقف السياسي والمزاج الدبلوماسي، بل عندما شعر بتراخي موقف زعيم عربي مؤثر في تلك الحقبة، وهو الرئيس المصري جمال عبد الناصر، من التهديد العراقي للكويت، أرسل إليه برقية واضحة على الرغم من العلاقة الوطيدة بينهما، أشار فيها إلى البيان الذي أصدره عن الحدث، وفيه: "يجب أن يكون معلوماً لدى الجميع أن الكويت والسعودية بلد واحد، وما يمس الكويت يمس السعودية، وما يمس السعودية يمس الكويت، وقد أحببت إحاطتكم علماً بذلك".

وماذا بعد؟ هل من مزيد يمكن أن تفعله السعودية أبلغ من هذه التحركات الدبلوماسية والبيانات السعودية؟!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نعم، يوجد المزيد على البرقيات المتبادلة، التي قد تظن الأطراف المعنية أنها مجرد مجاملة دبلوماسية لرفع الحرج. يقول الحجيلان، "وتحسباً لأي عدوان عسكري مفاجئ من العراق على الكويت، بادر جلالة الملك سعود بإرسال وفد عسكري مكون من اللواء إبراهيم الطاسان والعقيد محمد الطيب التونسي والعقيد علي قباني للاجتماع بسمو أمير الكويت والبحث في ترتيبات قدوم القوات السعودية دفاعاً عن الكويت، وقد وصلت تلك القوات يوم 29 يونيو 1961 وأُرسلت إلى الحدود مع العراق بعد ثلاثة أيام من إعلان العراق رفضه استقلال الكويت".

يتوقف الحجيلان هنا ليستذكر نفسه وسط تلك المعمعة التي انغمس بها وهو حينذاك ما زال في الثلاثينات من عمره فيقول، "لقد عايشت هذه الأزمة منذ بدايتها حتى نهايتها. فقد كنت عندما أعلنت الكويت استقلالها مديراً للمديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر في المملكة العربية السعودية"، وهي نواة لوزارة الإعلام السعودية التي تأسست لاحقاً في مارس (آذار) 1963 وعُيّن الحجيلان أول وزير لها. وفي خضم الأزمة، صدر الأمر الملكي بتعيين الحجيلان سفيراً للسعودية لدى الكويت. ويتابع الحجيلان، الذي أصبح بعد سنين سفيراً لدى فرنسا، استذكاراته قائلاً، "كيف كان لي أن أتنبأ بعد أن انتهيت من إذاعة التعليق في 20 يوليو (تموز) 1961، أنني سأعود بعد 30 عاماً لأجد نفسي في موقع من مواقع الصدارة، دفاعاً عن الكويت بالحديث والقلم، وأني سأعمل وأنا سفير لبلادي في باريس، على مدى سبعة شهور، متنقلاً بين وسائل الإعلام الفرنسية إذاعة وصحافة وتلفزيوناً، كي أندد بالعدوان الهمجي على الكويت"، وهو عدوان الزعيم العراقي صدام حسين عام 1990.

 

هل تتشوقون لمعرفة موقف غير سياسي وغير عسكري لتأكيد الوشائج العميقة بين السعودية والكويت؟ حسناً، يقول الحجيلان في موضع آخر من مسودة مذكراته، "استدعاني سمو الشيخ عبدالله السالم [أمير الكويت حينها] في أحد أيام شهر فبراير (شباط) 1962 وقال لي إن فريقاً من الفنيين التابعين لحكومة الكويت سيقوم بمسح استقصائي لمكامن المياه في الكويت، وقد يضطر هؤلاء الفنيون لتجاوز الحدود الكويتية - السعودية لعدة كيلومترات داخل المملكة، أرجو إخبار جلالة الملك سعود بذلك". ويتابع "رفعت لجلالته برقية بهذا المعنى، فجاء الرد على النحو التالي: أخبروا سمو الأخ الشيخ عبدالله ترحيبنا بالفريق الفني في أي مكان في المملكة، حتى لو أراد البحث في مدينة الرياض عن الماء للكويت".

ما بين موقف الملك سعود مع قاسم عام 1961 وموقف الملك فهد مع صدام عام 1991، تكمن خصلة الثبات في المواقف لدى السعودية، وهي خصلة صعبة المنال ونادرة التحقق في السياسة الدولية، وإن ادّعتها العديد من الدول في نشرات أخبارها.

وفي سيرة حياة الحجيلان المديدة والثرية، ستتعرف إلى مواقف السعودية في أكثر من موقع، ونحو العديد من القضايا التي ما زالت ساخنة، وما زال موقف الرياض منها الآن كموقفها في الستينيات وقبل ذلك التاريخ وبعده. الموقف من القضية الفلسطينية (المستدامة!)، الموقف من اليمن (غير السعيد)، الموقف من الولايات المتحدة الأميركية (بحزبيها)، وغيرها مما تزخر به مذكرات الحجيلان، الذي لم يعد، وقد قارب الـ 100 من عمره، يدفعه للإبانة عن هذه المواقف السعودية النبيلة، الطمعُ في منصب وظيفي أو في مال أو في جاه أكثر مما ناله ومما هو فيه الآن، بل يدفعه فقط إنصاف وطنه والإدلاء بشهادته للحق والتاريخ.

وبعد، فقد يكون هذا واحداً من أطول مقالاتي في حياتي، والسبب أني عشت قرابة 100 سنة في قراءة المذكرات، ولم أكتب لكم سوى عن سنتين منها فقط، فتخيلوا ما في تلك المذكرات من أشخاص وأحداث وقعت لرجلٍ واحد.

وختاماً، شاركوني فضلاً التشوّق والتشوّف لصدور السيرة الذاتية لمعالي الشيخ جميل الحجيلان، فقراءتها من المسودة تشبه تذوق الطعام وهو ما زال على النار!!

المزيد من ثقافة