"غزو الكويت"... تاريخ شاهد على "ذروة" الانقسام العربي

إعلان الرئيس المصري تصويت كل دولة عربية على موقفها على الملأ وفي بث تلفزيوني حيّ كان مفاجأة للجميع

على قَدْر فجائيّة الغزو العراقي للكويت كان انقسام الصفّ العربي. دول أدانت التحرك وطالبت الرئيس العراقي صدام حسين بضرورة الانسحاب "غير المشروط"، وأخرى أيّدته ضمنا أو امتنعت عن التحرك ولو "دبلوماسياً" لمواجهته، فيما كانت الدولة المعتدى عليها تترقب المواقف.

وفق تعبير الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، خلال دعوته في الثامن من أغسطس (آب) 1990، أي بعد أيام من الغزو العراقي (2 أغسطس)، لعقد قمة عربية طارئة في غضون 24 ساعة، لإيجاد حل سريع "في الإطار العربي"، فإن "الصورة كانت سوداء ومخيفة، وفي حال عدم تدارك الموقف ستصبح الأمة العربية جثة هامدة ومن دون كيان"، وهو ما تجلت صورته من انقسام للصف العربي خلال القمة التي التأمت بالقاهرة في العاشر من أغسطس (آب) 1990.

من يتابع عن كثب تطورات الموقف العربي في السنوات الأخيرة، يجد أن حادث غزو الكويت "بسابقته الخطيرة" في العلاقات العربية- العربية، وفق تعبير البعض، كان بمثابة الشرارة التي أظهرت حجم الانقسام التي تعانيه الأمة العربية، فكيف كانت مواقف الدول العربية من الغزو العراقي، وكيف تعاطت مع الأزمة خلال ما عرف بـ"حرب تحرير الكويت"، أو كما أسماها التحالف الدولي آنداك "عاصفة الصحراء"؟

 

 

قمة عاصفة

في إعلانه لعقد قمة طارئة، طالب الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، أمام عدسات العشرات من الصحف والتلفزيونات في القاهرة، من الأمة العربية "عقد قمة طارئة خلال مدة لا تتجاوز 24 ساعة لعلنا نصل لحل"، وبحسب تعبير مبارك، فإن دعوته تأتي "ليس لقمة عربية لتبادل الاتهامات والشتائم وتمزيق ملابس بعضنا البعض، وإنما لحل المشكلة في الإطار العربي الذي هو أكرم للأمة العربية".

ومع الإعلان عن عقد القمة، بدأت الأنظار الدولية تتجه صوبها لتدارك مواقف الدول العربية من الغزو العراقي، ويقول روبرت كمت، وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية آنذاك "كنا ننظر إلى اجتماع القمة العربية بشيء من القلق على نتائجها"، وبحسب كمت، الذي نقلت عنه في تقرير لها عن ذكرى الغزو العراقي للكويت، صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية "كان اجتماع القمة العربية اجتماعا حرجا، فأي غموض في التصريحات الختامية سيعزز شعور صدام حسين بأن الجامعة ودولها المعتدلة سوف لا تدعم الإجراءات الصارمة التي كانت تنوي الولايات المتحدة اتخاذها، لذلك عملنا مع أكبر عدد من وفود الدول المشاركة من أجل توضيح حقيقة أن أي اعتداء صارخ من هذا النوع ليس من مصلحة أي دولة في المنطقة سواء كبيرة أو صغيرة".

وبعد ساعات من الإعلان المصري عن القمة العربية، بدأت تتوافد الوفود العربية إلى القاهرة لحضور القمة التي قرر لها أن تكون في العاشر من أغسطس (آب) 1990، وكان أول الواصلين حينها، الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وكذلك ولي العهد الكويتي، آنذاك، الشيخ سعد العبد الله الصباح.

 

يشار إلى أنه، وبعد يوم من إعلان القاهرة عزمها استضافة قمة عربية، وكردٍّ على التطورات العربية والدولية، أعلن العراق في 9 أغسطس (آب) 1990 ضمّ الكويت وأنها أصبحت المحافظة العراقية التاسعة عشرة، وأغلق كل السفارات الموجودة فيها وألغى كل سفاراتها في العالم. كما غيّر العراق اسم العاصمة الكويت إلى "كاظمة"، قائلا إنها عادت إلى "الوطن الأم"، ومحْييا بذلك مطالبات عراقية بالكويت تعود إلى لحظة استقلالها عن بريطانيا عام 1961، رغم أنه اعترف بها رسميا وبحدوده معها في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1963.

ووفق رواية سعد العبد الله، التي نقلها عنه في وقت لاحق من تحرير الكويت في أواخر فبراير (شباط) 1991، وثائقي بثته قناة "العربية"، قال العبد الله إن "بلاده كانت تخشى أن تناصر الأغلبية في القمة العربية العراق في غزوه للكويت وتؤيد موقف صدام حسين، ما يعني تغيير موقف الجامعة العربية المناهض للغزو، وهو الأمر ذو التداعيات الخطيرة". من هنا اكتسبت تلك "القمة الفارقة" أهمية من حيث الهدف والمضمون. وذلك بالتوازي مع تحركات دولية تقودها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي آنذاك بالأمم المتحدة ومجلس الأمن.

وبحسب أغلب الكتابات والمذكرات التي نُشرت لمن عاصروا تلك الفترة، فقد شهدت تلك القمة "انقساما لم يسبق له مثيل" في مسيرة العمل العربي تحت مظلتهم الجامعة العربية.

وبحسب ما جاء في كتاب "حرب الخليج: أوهام القوة والنصر"، يقول كاتبه، الصحفي الشهير محمد حسنين هيكل "كانت الحالة فوضوية وتؤكد العجز العربي التامّ في تلك الفترة"، مضيفاً أنه بينما كان القادة العرب في طريقهم إلى القاهرة، كانت "إمكانيات الوصول إلى حل عربي للأزمة تتلاشى، فالمغرب أرسلت قوات إلى السعودية، وراحت مصر تستعد لإرسال مقدمة إدارية تستطلع أماكن إيواء القوات عندما يجيء وقت تمركزها في السعودية".

من جانبه، وفي مذكراته المعنونة "كتابيه"، يقول وزير الخارجية المصري آنذاك، عمرو موسي "لم تتمكن القمة من الانعقاد في التاسع من أغسطس (آب) لعدم وصول الأمانة العامة للجامعة العربية إلى القاهرة، فضلا عن تأخر وصول عدد من الرؤساء والملوك، وتحفّظ البعض على انعقاد القمة، مثل تونس التي رأت تأجيلها لعدة أيام، وبعد شدّ وجذب تقرّر عقد الجلسة الافتتاحية للقمة في التاسعة من صباح يوم الأربعاء 10 أغسطس (آب)".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع انعقاد القمة في صباح الأربعاء العاشر من أغسطس (آب)، جاءت أبرز المشاهد التي تجلت فيها صورة الانقسام العربي من الغزو العراقي للكويت، تلك المشادة التي حدثت على شاشات التلفزيون بين الرئيس المصري حسني مبارك، ونظيره الليبي معمر القذافي. وذلك عندما أعلن مبارك التصويت على القرار الختامي للقمة على الملأ، ليردّ عليه القذافي محتجاً بأنه من حقه أن يتكلم، فيردّ مبارك بالقول "أيوه يا أخ العقيد... إحنا قعدنا نتكلم 7 ساعات... لم أسمع صراخ فعال علشان احتواء الأزمة... كل واحد قاعد يحكي قصة". ثم يقترح القذافي جلسة مغلقة، فلا تتوفر الأصوات اللازمة لعقد تلك الجلسة، فيحتجّ القذافي ويزداد احتجاجه عندما توافق الأغلبية (12 صوتا) على القرار الذي اتخذته الجامعة بإدانة الغزو.

وبحسب مذكرات موسى "تحدث في الجلسة الختامية رئيس وفد العراق طه ياسين رمضان، ثم أعطيت الكلمة لرئيس الوفد الكويتي، ولي العهد الشيخ سعد العبد الله الصباح، قبل أن يفتح الباب لمناقشة عامة حول الأزمة تلاها مشروع القرار، الذي طالب بإدانة الغزو العراقي والانسحاب الفوري ودون شروط". وذكر موسى "بعد كلمتيّ رئيسيّ الوفد العراقي والكويتي، ساد الهرج والمرج القاعة، الكل يريد الحديث، هذا مؤيد وذاك معارض، فتدخل مبارك باعتباره رئيس الجلسة، وقال: لدينا مشروع قرار وزعناه في الصباح وسوف أطرحه الآن للتصويت، فارتفعت أصوات تناشده تأجيل طرح القرار للتصويت، لأن المناقشة لم تستوفِ حقها بعد والموضوع فيه خطر والظروف أشد خطرا".

ثم يتابع موسى "بعد أن عدّ الرئيس مبارك الأصوات الموافقة على مشروع القرار، والتي بلغت 12 صوتا من أصل 20 دولة، تجلّت حالة الانقسام العربي"، ويلفت موسى "لا شك أن الانقسام العربي كان واضحا حيال غزو العراق للكويت، وهو ما أدى إلى إصابة الجسد العربي كله بهزال ما زلنا نعاني منه إلى يومنا هذا"، موضحا "لم يكن سيصدر القرار لو لم يفاجئ مبارك الجميع بالتصويت عليه على الملأ، إذ كانت هناك احتمالات أن تتكتل الدول الرافضة لإدانة الغزو العراقي للكويت وتحبط استصدار القرار أو أن تهدد بالانسحاب من الجامعة العربية". ثم يتابع موسى "بعد انتهاء الجلسة وجدت ياسر عرفات يخطب خطبة عصماء خارج القاعة مدافعا عن العراق، وانبرى حينها مفيد شهاب الذي كان مستشارا قانونيا برئاسة الجمهورية المصرية آنذاك بخطبة مماثلة دفاعا عن الكويت".

وفي سياق الانقسام العربي ذاته، وبحسب وثائق بريطانية نشرها الأرشيف الحكومي البريطاني بعد سنوات من الغزو، فإن الانقسام العربي حيال تلك الأزمة كان "عميقاً"، وتحديداً بين أولئك الذين هبّوا للوقوف إلى جانب الكويت وحكومتها الشرعية، وبين أولئك الذين ساندوا الرئيس العراقي صدام حسين أو اعتُبروا أنهم يقفون في صفّه، على الرغم من إصرارهم على أنهم حياديون ويريدون لعب دور الوسيط لتأمين انسحاب العراق من الكويت.

وتتحدث حزمة من تلك الوثائق، بأنه وبينما تضامنت دول الخليج مع الكويتيين في محنتهم، اتّخذ العاهل الأردني الملك حسين والرئيس اليمني علي عبد الله صالح، إضافة إلى زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، مواقف بدت كأنها مؤيدة للعراقيين. ووفق تلك الوثائق، فإنه وخلال لقاءات عقدها وزير الخارجية البريطاني آنذاك، دوغلاس هيرد، مع عدد من الزعماء العرب خلال جولة له في المنطقة في الفترة ما بين 31 أغسطس (آب) إلى 5 سبتمبر (أيلول) 1990، تتحدث برقية للسفير البريطاني في عمّان، سير أنتوني ريف، عن محادثات هيرد مع الملك حسين وولي عهده الأمير حسن، ويقول "ما زال الملك حسين ينوي العمل على خفض التصعيد والحل الوسط. ولي العهد أكثر وعياً بضرورة تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 660 في شكل كامل ومواجهة الكارثة الاقتصادية التي تلوح في الأفق"، مضيفا أن ذلك الموقف كان مشابها لما وجده خلال لقائه بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح في صنعاء.

 

 

مَنْ كان مع مَنْ في الأزمة؟

وبينما كانت الدول الغربية، على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حينها، تمضي قدما في استصدار قرارات من مجلس الأمن تدين التحرك العراقي في الكويت، وتحشد تأييدا دوليا لتشكيل تحالف دولي لإجبار بغداد على الانسحاب دون شروط ولو بالقوة العسكرية، خرج أخيرا في العاشر من أغسطس (آب) القرار العربي الذي دان الغزو العراقي على الكويت، واعتبر ضمّ بغداد للكويت وما يترتب على ذلك من نتائج باطلًا، كما شجب التهديدات العراقية لدول الخليج العربي، واستنكر حشد القوات العسكرية العراقية على حدود السعودية، كما أعلن الاستجابة لطلب الرياض بنقل قوات عربية إليها.

وبحسب أرشيف الجامعة العربية، فقد رفضت الغزو العراقي 12 دولة، تصدّرتها دول الخليج ومصر وسوريا والمغرب، فيما أيّدته مجموعة أخرى، في مقدمتها الأردن وليبيا والجزائر والسودان واليمن وموريتانيا ومنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات. وفي 11 أغسطس (آب) 1990، وصلت إلى السعودية قوات مصرية وسورية ومغربية للإسهام في تحرير الكويت..

ووفق رصد لـ"إندبندنت عربية" لمواقف الدول العربية من الغزو العراقي للكويت، فإنه تواصل طوال شهور الأزمة، والتي وصلت إلى 7 أشهر، تعرض الصف العربي لشرخ كبير، إذ انقسم لعدة فرق بين مؤيد ومعارض، في حين تحفظت دول أخرى.

فعن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، مع كل من مصر وسوريا، كانت المواقف نابعة من رؤية مشتركة، مفادها أن الأزمة الراهنة هي قضية غزو دولة عربية دولةً عربية أخرى بالقوة المسلحة، والعمل على ضمها، ومحو هويتها. ورأى هذا الفريق أن حل كل المشاكل الناجمة عن هذا الغزو، يرتبط بالدرجة الأولى، بانتفاء السبب الجوهري وراءها، أي الغزو نفسه. ومن ثم فإن الانسحاب العراقي، وعودة الشرعية إلى الكويت، كفيلان بأن يعيدا الأمور إلى سابق عهدها.

في المقابل، جاءت الأردن وليبيا واليمن وفلسطين، معتبرين أن القضية أساساً، هي قضية عربية، بمعنى أنها خلاف بين طرفين عربيين في إطار البيت الواحد، وأن الأمر لا يستدعي هذا الحشد الدولي، ولا يقتضي استدعاء القوة الأجنبية. كما اعتبر بعضهم أن هناك خللاً كبيراً في توزيع الثروة العربية، وأن دخول العراق إلى الكويت يتوخى تصحيح ذاك الخلل.

وعلى الرغم من إعلان الأردن أن غزو العراق للكويت يُعد مرفوضاً، وأنها لن تقبل بنتائجه، ارتكز الموقفان السوداني واليمني على أن القضية ليست قضية إدانة، بل إنها قضية في حاجة إلى جهود إيجابية مكثفة لدى الأطراف المعنية، وسائر الأشقاء العرب. وأن الوجود الأجنبي، يشكل تهديداً للأمن العربي ككل. وأنه يجب حل المشكلة في إطار عربي.

وفي أقصى المغرب العربي، كان الاستثناء في موقف المغرب، حيث بادر إلى تقديم كل أنواع المساعدة، بما في ذلك إرسال القوات إلى السعودية لصدّ أي هجوم محتمل من العراق، فيما سعت الدول الأخرى (الجزائر وموريتانيا وتونس) إلى التوسط لدى طرفي الصراع العربيين في أزمة الخليج، محاولة بذلك الحفاظ على موقف وسط بين موقف العراق، المصممّ على الاحتفاظ بالكويت، وموقف الكويت والسعودية ومصر وسوريا، ومعها سائر دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي تدين الغزو.

المزيد من العالم العربي