ملخص
كان الزيدي قد وجه كتاباً رسمياً إلى مجلس النواب يقترح فيه تحديد جلسة للتصويت على نوابه والوزارات الشاغرة والمستحدثة، مشيراً إلى أن نواب رئيس الوزراء سيعملون من دون رواتب أو تخصيصات مالية أو تعيينات جديدة لمكاتبهم.
يتجه مجلس النواب العراقي، اليوم الخميس الـ15 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري إلى عقد جلسة مفصلية للتصويت على الدفعة الجديدة من المرشحين للمناصب الحكومية، في خطوة ينتظر أن تنهي أكثر من خمسة أشهر من الخلافات السياسية التي أبقت تسع حقائب وزارية خارج التشكيلة الحكومية لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وتفتح الباب أمام إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل السلطة التنفيذية، مع طرح أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء وثلاث وزارات مستحدثة ضمن التفاهمات المتداولة.
وتكتسب الجلسة أهمية استثنائية في المشهد العراقي، ليس فقط بسبب عدد المناصب المطروحة للتصويت، وإنما لكونها تمثل اختباراً لقدرة التحالفات التي منحت الزيدي الثقة في منتصف مايو (أيار) الماضي على الانتقال من مرحلة التفاوض على الحصص إلى مرحلة استكمال المؤسسات التنفيذية وتحديد مسؤولياتها.
وكان البرلمان قد منح الثقة لـ14 وزيراً من أصل 23 وزيراً مقترحاً، فيما بقيت تسع وزارات شاغرة نتيجة الخلافات في شأن المرشحين وتوزيع الحقائب بين القوى السياسية. واستمرت المفاوضات خلال الأشهر الماضية في ظل تنافس الكتل على الوزارات ذات التأثير الأمني والاقتصادي والخدمي، إلى جانب مطالب تتعلق باستحداث مناصب جديدة داخل الحكومة.
وبحسب ما أعلنه النائب كريم العليوي، فإن اتفاقاً جرى بين "الإطار التنسيقي" ورئيس الوزراء والشركاء السياسيين على عقد الجلسة والتصويت على المرشحين، بعد لقاءات واتصالات شملت مناقشة الأسماء المطروحة.
وأكد العليوي في تصريح صحافي أن التفاهمات وصلت إلى مرحلة متقدمة، مع إعلان أسماء المرشحين لنواب رئيس الوزراء والحقائب الوزارية المتبقية.
وتشير هذه التطورات إلى أن الخميس يمثل محطة حاسمة في مسار استكمال الحكومة، وإن كان نجاح التصويت سيبقى مرتبطاً بالتزام الكتل السياسية التفاهمات التي سبقت انعقاد الجلسة.
تسوية سياسية تتجاوز التمثيل البروتوكولي
يتصدر ملف استحداث أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء أبرز محاور الجلسة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بتوزيع النفوذ داخل الحكومة، وطبيعة العلاقة بين رئيس الوزراء والقوى السياسية التي تشارك في إدارة الدولة.
وتضم قائمة الأسماء المتداولة ليث الخزعلي ومحسن المندلاوي ومحمد تميم وفارس البريفكاني، في إطار تفاهمات تراعي التوازنات السياسية بين القوى الشيعية والسنية والكردية. ولا تكتسب هذه الترشيحات صفتها النهائية إلا بعد استكمال إجراءات التصويت والمصادقة البرلمانية.
وكان الزيدي قد وجه كتاباً رسمياً إلى مجلس النواب يقترح فيه تحديد جلسة للتصويت على نوابه والوزارات الشاغرة والمستحدثة، مشيراً إلى أن نواب رئيس الوزراء سيعملون من دون رواتب أو تخصيصات مالية أو تعيينات جديدة لمكاتبهم.
ويحد هذا التعهد من جانب يتعلق بالأعباء المالية المباشرة للمناصب الجديدة، لكنه لا يحسم الجدل السياسي في شأن دوافع استحداثها، ولا يوضح وحده طبيعة الاختصاصات التي ستسند إلى شاغليها.
فالدستور العراقي، بموجب المادة 78، يجعل رئيس مجلس الوزراء المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، ويتولى إدارة مجلس الوزراء ورئاسة اجتماعاته، فضلاً عن قيادته العامة للقوات المسلحة، ولا تنتقل هذه الصلاحيات تلقائياً إلى نوابه بمجرد استحداث مناصبهم، بل ترتبط طبيعة عملهم بالتشريعات النافذة والتكليفات والتفويضات المحددة لهم.
وفي المقابل، تفرض البيئة السياسية العراقية واقعاً تتداخل فيه الصلاحيات الرسمية مع نفوذ الأحزاب والكتل البرلمانية. ومن شأن هذا التداخل أن يجعل إدارة الحكومة أكثر تعقيداً إذا تحولت المناصب الجديدة إلى مراكز تمثيل لمصالح سياسية متباينة، بدلاً من أن تكون أدوات لتنسيق الملفات الحكومية وتسريع تنفيذ القرارات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بدوره يكشف الباحث السياسي، ميثم الزبيدي، أن الاتفاق على المرشحين يعكس قدرة القوى السياسية على الوصول إلى تسوية عندما تصبح كلفة استمرار الخلافات أعلى من كلفة التنازل المتبادل، لكنه يضع الحكومة أمام مرحلة أكثر حساسية تتعلق بتوزيع المسؤوليات وإدارة الملفات اليومية.
وبحسب الزبيدي، تتمثل أهمية هذه المرحلة في الانتقال من التفاوض على المناصب إلى تحديد النتائج المطلوبة من كل وزارة، وربط المسؤولية السياسية بالأداء الفعلي، بما يمنع تحول التفاهمات التي سهلت تمرير المرشحين إلى قيود تحد من قدرة الحكومة على اتخاذ القرارات.
ويضيف "تزداد هذه المسألة أهمية في ظل التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجه العراق، والحاجة إلى قرارات متماسكة في شأن الإنفاق العام والاستثمار والخدمات والإصلاح الإداري، فوجود حكومة مكتملة يوفر إطاراً مؤسسياً أكثر وضوحاً للمساءلة، لكنه لا يعوض غياب البرامج التنفيذية أو ضعف التنسيق بين الوزارات"، مبيناً أنه تبقى قيمة التوافق السياسي مرتبطة بقدرته على توفير الاستقرار اللازم لعمل المؤسسات، لا بمجرد توسيع دائرة المشاركة في المناصب الحكومية.
توزيع الحقائب في المرحلة الأخيرة
يشمل جدول التفاهمات المتداولة تسع حقائب وزارية، تمثل محوراً رئيساً للمنافسة بين الكتل السياسية خلال الأشهر الماضية.
وبحسب الأسماء التي أعلنها النائب كريم العليوي، تضم قائمة المرشحين صفاء الكناني لوزارة الشباب والرياضة، وياسر المالكي لوزارة الداخلية، وحيدر بهاء لوزارة التعليم العالي، ومحمد الموسوي لوزارة العمل، ونايف الشمري لوزارة الدفاع، وياسين العيساوي لوزارة الثقافة، ومحمد علي النعيمي لوزارة التخطيط، وعلي الدخيلي لوزارة السياحة، ومحمد صاحب الدراجي لوزارة التكنولوجيا الرقمية.
وتعكس هذه القائمة اتساع نطاق الملفات التي يشملها التصويت، من الوزارات الأمنية التي ترتبط بإدارة المؤسسات الحساسة، إلى الوزارات الاقتصادية والخدمية المعنية بالتخطيط والتنمية والعمل والتحول التقني.
وقد ارتبطت المفاوضات في شأن بعض الحقائب بمطالب القوى السياسية الحصول على وزارات تتناسب مع حجم تمثيلها البرلماني وموقعها داخل التحالفات، فيما استمرت الخلافات في شأن أسماء المرشحين وآليات توزيع المسؤوليات.
وتظل الأسماء المعلنة مرشحة للتصويت، ولا تتحول إلى تعيينات نهائية إلا بعد استكمال الإجراءات الدستورية، كذلك فإن إعلان التوصل إلى اتفاق سياسي لا يلغي دور البرلمان في التصويت على المرشحين وفق الآليات المعتمدة.
ومن الناحية العملية فإن إنهاء ملف الوزارات الشاغرة سيمنح الحكومة فرصة لتوحيد المسؤولية التنفيذية، ويتيح للبرلمان تقييم أداء الوزراء على أساس برامجهم ونتائجهم، بدلاً من استمرار النقاش حول الحقائب غير المحسومة.
توسع إداري وثلاث وزارات مستحدثة
إلى جانب استكمال الوزارات الشاغرة، تتضمن التفاهمات المتداولة طرح ثلاث وزارات مستحدثة، تشمل السياحة والتحول الرقمي أو الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن وزارة دولة يتداول تخصيصها للمكون التركماني.
ويعكس هذا التوجه محاولة لإضافة ملفات جديدة إلى الهيكل الحكومي، لكنه يثير في الوقت ذاته أهمية تحديد الاختصاصات بدقة، خصوصاً في المجالات التي تتقاطع مع مسؤوليات مؤسسات قائمة.
فإنشاء وزارة معنية بالتحول الرقمي يمكن أن يسهم في توحيد السياسات التقنية وتطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية، شريطة أن تتولى تنسيقاً واضحاً بين المؤسسات، وأن تمتلك برنامجاً قابلاً للقياس يحد من تكرار الجهود وتداخل الصلاحيات.
أما السياحة فتملك إمكانات اقتصادية تتصل بالآثار والسياحة الدينية والثقافية والترفيهية، ويمكن أن تشكل أحد مسارات تنويع الإيرادات وفرص العمل بعيداً من الاعتماد شبه الكامل على النفط، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب بنية تحتية مناسبة، وبيئة استثمارية مستقرة، وخططاً لتطوير المواقع السياحية والخدمات والنقل.
وفي المقابل، فإن استحداث الوزارات من دون دراسة تنظيمية ومالية واضحة قد يضيف مستويات جديدة إلى الجهاز الحكومي، ويرفع النفقات التشغيلية أو يؤدي إلى ازدواجية الاختصاصات.
وتتصل هذه المسألة أيضاً بطبيعة التفاهمات السياسية التي رافقت طرح الوزارات، إذ إن منح حقيبة جديدة ضمن تسوية حزبية لا يكفي لتبرير استحداثها ما لم تكن هناك حاجة مؤسسية واضحة وأهداف قابلة للتنفيذ والتقييم.
وإذا نجحت الجلسة في تمرير الدفعة الجديدة من المرشحين فستكون الحكومة قد قطعت خطوة مهمة نحو اكتمال تشكيلتها، لكن الاختبار الأعمق سيبدأ بعد التصويت، عندما تنتقل المسؤوليات من قوائم المرشحين إلى مؤسسات الدولة.