Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل فقدت مصر خيارها العسكري تجاه سد النهضة بعد الملء الثالث؟

متخصصون: انهياره سيسبب أضراراً جسيمة للسودان لكن على إثيوبيا أيضاً ألا تركن إلى الاطمئنان

بحسب التسريبات الإثيوبية وصلت المياه خلف السد إلى 18.5 مليار متر مكعب مع نهاية الموسم الحالي للملء (أ ف ب)

لم تعد شهور الصيف خلال الأعوام الأخيرة تشهد فقط طقساً ساخناً، بل امتدت سخونة الأجواء إلى ملف الصراع في شأن سد النهضة الإثيوبي، فهذا هو موسم سقوط الأمطار على الهضبة الإثيوبية وبالتالي فيضان نهر النيل، وهو الموسم الذي يشهد كذلك ملء بحيرة السد للعام الثالث على التوالي.

تبادل التصريحات والمواقف بين مصر وإثيوبيا أشبه بـ "حرب بيانات" تبدي فيها القاهرة رفضاً لأفعال أديس أبابا وتعتبرها خرقاً للقانون الدولي واتفاق "إعلان المبادئ"، بينما تصر الأخيرة على أنها ليست ملزمة قانوناً بمشاركة التفاصيل الفنية للسد مع الجانب المصري، في وقت تغيب فيه المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا منذ أبريل (نيسان) العام الماضي، كما لم تعقد جلسة لمجلس الأمن خلال الصيف الحالي لمناقشة الملف على خلاف العامين الماضيين.

اعتراض مصر

في الـ 29 من يوليو (تموز) الماضي وجه وزير الخارجية المصري سامح شكري خطاباً إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتسجيل اعتراض مصر ورفضها التام استمرار إثيوبيا في ملء سد النهضة "بشكل أحادي من دون اتفاق مع مصر والسودان حول ملء وتشغيل السد"، وهو ما وصفه بمخالفة صريحة لاتفاق "إعلان المبادئ" الموقع بين الدول الثلاث عام 2015، وانتهاك جسيم لقواعد القانون الدولي التي تلزم إثيوبيا، بوصفها دولة المنبع، بعدم الإضرار بحقوق دول المصب، وأكد أن إثيوبيا أفشلت جميع الجهود لحل الأزمة خلال السنوات الماضية.

كذلك أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال لقائه أعضاء هيئة التدريس وطلبة الكلية الحربية، السبت، موقف مصر الثابت في شأن ملف سد النهضة وحماية أمن مصر المائي، مشيراً إلى أن مصر تبنت مساراً دبلوماسياً وتفاوضياً تجاه أزمة سد النهضة بهدف إيجاد حل، موضحاً "نحن نتحرك في موضوع سد النهضة ولكن بهدوء وبتفاوض، ودائماً أقول إن الأمور لا تحل بالصوت العالي بل بالقدرة والعمل والصبر، فمياه مصر أمانة في رقابنا كلنا وفي رقبتي، ولن أسمح لأحد المساس بها".

شفافية إثيوبيا

على الجانب الإثيوبي بعث سفير إثيوبيا لدى الأمم المتحدة تاي أتسكي سيلاسي أمدي إلى مجلس الأمن الدولي نص خطاب وجهه كبير المفاوضين الإثيوبيين في شأن سد النهضة سيشلي بيكيلي إلى وزير الري المصري محمد عبدالعاطي، وتضمن زعم إثيوبيا عدم وجود التزام قانوني عليها بإخطار مصر بمعلومات في شأن عملية الملء الثالث للسد، مؤكداً أن ذلك يندرج ضمن جهود "الشفافية وحسن الجوار".

واعتبر أن بناء السد وملأه عمليتان متزامنتان وفق "إعلان المبادئ"، معتبراً أن أي طرح عكس ذلك هو "مجرد محاولة لتحدي هذا الإعلان، كما يتعارض مع تصميم السد وهندسته"، وفق تعبيره. وقال المسؤول الإثيوبي إن "إعلان المبادئ لا يمكن أن يكون وسيلة لإخضاع أي جانب من جوانب استخدام المياه في إثيوبيا، بما في ذلك ملء السد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اللافت أن الخطاب المصري إلى مجلس الأمن تضمن احتفاظ "مصر بحقها الشرعي المكفول في ميثاق الأمم المتحدة باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان وحماية أمنها القومي، بما في ذلك إزاء أية أخطار قد تتسبب بها مستقبلاً الإجراءات الأحادية الإثيوبية"، على الرغم من أن تقديرات الخبراء خلال السنوات الماضية حذرت من أن ملء خزان بحيرة السد قد يحصنه من أي عمل عسكري أو تخريبي، لأن التدفق الهائل للمياه قد يؤدي إلى نتائج كارثية على السودان الذي يقع على بعد نحو 15 كيلو متراً من موقع السد في إقليم بني شنقول غرب إثيوبيا.

لكن أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة عباس شراقي أكد أن قرار العمل العسكري مستبعد، لأن الدولة المصرية حتى الآن تتبع نهج الصبر والتفاوض وليس بسبب عدم استطاعتها القيام بضربة عسكرية، مؤكداً أن الجميع "لا يريد الوصول إلى تلك النقطة ويتمنى التوصل إلى حل تفاوضي".

وشرح شراقي لـ "اندبندنت عربية" الصلة بين احتمال توجيه ضربة عسكرية للسد وكمية المياه المخزنة في بحيرته، مؤكداً أن خلو الخزان "كان يسهل بالطبع القيام بعمل عسكري، لكن في ظل التقنيات العسكرية المتقدمة يوجد عدد من الخيارات لاستخدامها عند الحاجة".

سدان متكاملان

أستاذ الموارد المائية أوضح أن سد النهضة مكون من سدين، أحدهما السد الرئيس الذي يحتجز المياه حالياً، ويستطيع حجز نحو 14 مليار متر مكعب، وهو ما يتطابق مع الدراسات التي أعدتها الولايات المتحدة منذ عقود لمصلحة إثيوبيا، أما باقي كمية المياه التي تتدفق أثناء الفيضان فتتجه بحكم الطبيعة الجغرافية إلى أحد الأودية، وهو ما دفع أديس أبابا لإنشاء السد الركامي أو سد السرج، وهو الجزء الثاني من سد النهضة الذي بفضله ارتفعت حصيلة المياه المنتظر تخزينها إلى 74.5 مليار متر مكعب عند اكتمال ملء بحيرة السد.

ولفت شراقي إلى أنه من المنتظر أن يبلغ إجمال كمية المياه المخزنة بنهاية الملء الثالث هذا الشهر إلى 16 أو 17 مليار متر مكعب كحد أقصى، مما يعني أن المياه معظمها أمام السد الرئيس، أما الكمية المخزنة أمام السد الركامي فستكون قليلة وربما لا تصل إليه، وبالتالي فإن توجيه ضربة له ستظل قائمة، إضافة إلى أنه حتى في حال زيادة الكميات في بحيرة السد فمن الممكن توجيه ضربات دقيقة تسمح بمرور كميات قريبة من التي تمر وقت الفيضان وبالتالي لن يتضرر السودان من هذا التحرك العسكري.

تحصين السد

لكن أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة نادر نور الدين يرى أنه باكتمال الملء الثالث تكون الخيارات المصرية الأخرى قد انتفت نسبياً إذا وصلت المياه خلف السد إلى 18.5 مليار متر مكعب مع نهاية الموسم الحالي للملء بحسب التسريبات الإثيوبية، وهي نحو 10 مليارات هذا الموسم تضاف إلى 3 ملايين من العام السابق و5.5 خلال الملء الأول، وهذه كميات هائلة وإن تدفقت بسبب عمل عسكري فقد تؤدي إلى أضرار جسيمة في السودان تصل إلى مدينة الخرطوم، أما في مصر فإن وجود السد العالي ومفيض توشكى يتيح لها استقبال كميات إضافية من المياه من دون أن تتأثر.

وقال نور الدين إن هناك سيناريو آخر يجعل إثيوبيا لا تركن إلى الاطمئنان خلال الشهور المقبلة، وهو أنه بعد الفيضان ستفقد بحيرة السد نحو ملياري متر مكعب بسبب التبخر خلال أشهر، بخاصة أن إقليم بني شنقول من أكثر المناطق الحارة عالمياً، إضافة إلى احتمال فقد 10 مليارات متر مكعب نتيجة توليد الكهرباء خلال عام حتى ما قبل الفيضان المقبل في صيف 2023، وبالتالي فإنه قبل الفيضان قد يكون أمام السد نحو 6 مليارات متر مكعب، وتلك الكمية لا تمثل خطورة على السودان أو مصر في حال انهيار سد النهضة أو الإضرار به، مؤكداً أنه بمجرد تنفيذ الملء الرابع العام المقبل فسيكون السد أكثر تحصيناً من ذي قبل.

ولم تهدد مصر باستخدام الحل العسكري صراحة، واستبعد الرئيس المصري أكثر من مرة أن يكون الحل لأزمة سد النهضة عسكرياً، وقال في مارس (آذار) 2021 إن مياه مصر "خط أحمر، وإن الحصول على نقطة مياه واحدة تعني دخول المنطقة في حال عدم استقرار لا يتخيلها أحد"، وأضاف "لا أحد يتصور أن بإمكانه البقاء بعيداً من قدرتنا".

قدرات قتالية

وزارة الدفاع المصرية كانت أعلنت في مايو (أيار) العام الماضي التوقيع على عقد مع فرنسا لشراء 30 طائرة مقاتلة من طراز "رافال"، وهو الإعلان الذي تزامن مع توتر إزاء إثيوبيا حول السد، وذكر الخبير الاستراتيجي المصري اللواء نصر سالم حينها أن الصفقة تعزز القدرات القتالية للقوات المسلحة المصرية و"توجه رسالة ردع لكل من يحاول أن يهدد الأمن القومي المصري من جميع الاتجاهات، بما فيها التهديدات من الجنوب المتمثلة في سد النهضة".

وبحسب تقارير إعلامية تتميز الـ "رافال" بقدرات قتالية عالية تشمل القدرة على تنفيذ المهمات البعيدة المدى، فضلاً عن امتلاكها منظومة تسليح متطورة وقدرة عالية على المناورة، وتحمل جميع أنواع الصواريخ والأسلحة المتطورة بما فيها النووية و"كروز" المجنحة، إضافة إلى أنها مزودة بخاصية التزود بالوقود في الجو إلى جانب قدرتها على قطع 3700 كيلومتر، وهي مسافة كافية لتنفيذ الهجوم على سد النهضة من دون الحاجة إلى القواعد الجوية السودانية.

تحرك أميركي

خطاب إثيوبيا لإخطار مصر ببدء الملء الثالث في الـ 26 من يوليو الماضي جاء بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الأميركي الجديد للقرن الأفريقي مايك هامر إلى القاهرة، حيث التقى مسؤولين مصريين لبحث ملف السد، وصدر بيان عن السفارة الأميركية بالقاهرة بعنوان "التزام الولايات المتحدة بأمن المياه في مصر ودعم تسوية في شأن سد النهضة الإثيوبي الكبير"، ونقل البيان عن هامر قوله "نشارك بنشاط في دعم طريق دبلوماسي للمضي قدماً تحت رعاية الاتحاد الأفريقي للتوصل إلى اتفاق يوفر الحاجات طويلة الأجل لكل مواطن على امتداد نهر النيل".

عقب ذلك زار هامر إثيوبيا وبحث الملف نفسه مع مسؤوليها، إضافة إلى التباحث حول الوضع في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا.

وكان الرئيس الأميركي جو بايدن أعرب خلال لقائه نظيره المصري في جدة الشهر الماضي دعم الولايات المتحدة للأمن المائي لمصر ومساندة جهود التوصل إلى حل دبلوماسي يحقق مصالح جميع الأطراف ويسهم في إقامة منطقة أكثر سلاماً وازدهاراً، بحسب ما جاء في البيان الأميركي - المصري المشترك الذي نشره البيت الأبيض، وتضمن أن "الرئيسين جددا تأكيد ضرورة إبرام اتفاق في شأن ملء وتشغيل سد النهضة من دون مزيد من التأخير على النحو المنصوص عليه في بيان رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتاريخ الـ 15 من سبتمبر (أيلول) 2021 ووفقاً للقانون الدولي".

وأعقب الخطابين المصري والإثيوبي بيان لبعثة الإمارات في مجلس الأمن حثت خلاله مصر وإثيوبيا والسودان على مواصلة التفاوض حول سد النهضة بـ "نية حسنة"، مؤكدة دعمها للاتحاد الأفريقي ولالتزام الدول الثلاث بالمفاوضات التي يرعاها.

وقالت البعثة التي تمثل العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن حالياً عبر بيان إن الإمارات تؤمن بإمكان إنهاء المفاوضات في شأن سد النهضة الإثيوبي بشكل ناجح، وأن "إعلان المبادئ" لا يزال مرجعاً أساساً.

مفاوضات متوقفة

وعلى مدى أكثر من سبع سنوات تسعى القاهرة والخرطوم إلى توقيع اتفاق ملزم في شأن المبادئ التوجيهية لملء السد وتشغيله بموجب اتفاق "إعلان المبادئ" الذي وقعته الأطراف الثلاثة في مارس 2015.

وكانت آخر جولات التفاوض في أبريل (نيسان) من العام الماضي فشلت بعد عقدها على مدى أيام في كينشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية، التي كانت تترأس في ذلك الوقت الاتحاد الأفريقي، وقدم السودان خلال تلك الجولة من المفاوضات مقترحاً أيدته مصر بتوسيع الوساطة الدولية لتشمل الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بينما تمسكت إثيوبيا بوساطة الاتحاد الأفريقي فقط.

وتبع فشل التفاوض عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي في يوليو من العام نفسه بطلب من مصر والسودان أفضت إلى إصدار بيان رئاسي من المجلس في سبتمبر دعا فيه الأطراف الثلاثة للعودة إلى المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بغرض الانتهاء سريعاً من صياغة نص اتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة في إطار زمني معقول.

وقوبل البيان بترحيب مصري وسوداني، غير أنه أثار رفضاً من الجانب الإثيوبي الذي أعرب عن أسفه لتدخل المجلس في مسألة "تخرج عن نطاق اختصاصه"، بحسب وصف بيان صادر عن وزارة الخارجية الإثيوبية.

وأجرت إثيوبيا الملء الأول لبحيرة السد في يوليو 2020، حيث خزنت ما يقدر بـ 4.8 مليار متر مكعب من المياه، وفي العام التالي أعلنت عن نجاح المرحلة الثانية لملء بحيرة سد النهضة بما يقدر بـ 13.5 مليار متر مكعب من المياه، وسط اعتراضات مصرية وسودانية، وتبلغ السعة الاستيعابية القصوى لبحيرة سد النهضة 74 مليار متر مكعب.

المزيد من تقارير