Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ستتعاطى مصر مع سودان بحكم مدني؟

إعلان البرهان ودقلو الاستعداد لتسليم السلطة يثير التساؤلات في شأن علاقات الخرطوم الإقليمية

مفاوضات بين الأطراف السودانية تسهلها الأمم المتحدة والإيغاد والاتحاد الأفريقي لتشكيل حكومة مدنية (أ ف ب)

فتح تعهد رئيس المجلس الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو بحل المجلس وترك القوات المسلحة الحكم للمدنيين باب التوقعات حول شكل السودان في حال انتقال السلطة للمدنيين، وكيفية تعامل الأطراف الإقليمية معه، بخاصة مصر صاحبة الحدود الممتدة والارتباط التاريخي والثقافي والاقتصادي مع الخرطوم.

ومنذ قرارات البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي التي أطاحت المكون المدني في ثنائية الحكم السوداني، ظهرت اتهامات من القوى السياسية السودانية لمصر بدعم ما وصفوه بـ"الانقلاب العسكري"، حيث اتهمت وزيرة الخارجية في حكومة عبدالله حمدوك مريم الصادق المهدي القاهرة بتقديم المساندة لإجراءات البرهان التي شملت إعلان حالة الطوارئ، وحل مجلسي الوزراء والسيادة، وتشكيل مجلس وزراء جديد، وتعطيل العمل بمواد من الوثيقة الدستورية التي تختص بتشكيل مجلسي السيادة والوزراء واختصاصاتهما. وعزز تلك الاتهامات عدم مشاركة مصر في بيان رباعي لكل من السعودية والإمارات والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، دعوا فيه إلى ضرورة عودة الحكومة المدنية الانتقالية وإنهاء حالة الطوارئ في البلاد وإطلاق سراح المحتجزين.

انحياز مصري

وعلى الرغم من نفي مصر، على لسان وزير خارجيتها سامح شكري الانحياز إلى أي طرف سوداني، ظلت عديد من التقديرات في وسائل الإعلام تشير إلى اقتراب مصر من القوات المسلحة السودانية أكثر ممن يطلق عليهم "قوى الثورة"، ما دفع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" إلى تأكيد أن مصر لا تدعم المكون العسكري أو المدني، وذلك خلال تصريحات عقب زيارة لمصر في مارس (آذار) الماضي، كذلك شدد رئيس مجلس السيادة السوداني على أن العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني "لا تتغير بتغير الأنظمة"، مؤكداً في مؤتمر صحافي بالعاصمة المصرية أن مصر لا تدعم جهة في السودان دون أخرى.

وأمام حالة الاضطراب التي يشهدها السودان والتظاهرات شبه الأسبوعية في الخرطوم، قرر البرهان في 4 يوليو (تموز) الماضي عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في المفاوضات بين الأطراف السودانية التي تسهلها الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة والإيغاد والاتحاد الأفريقي)، وذلك إفساحاً للمجال أمام القوى السودانية "للجلوس لتشكيل حكومة من الكفاءات الوطنية"، وتلا ذلك إعلان نائب رئيس المجلس السيادي أن القوات النظامية قررت "ترك أمر الحكم للمدنيين، والتفرغ لأداء مهامها الوطنية المنصوص عليها في الدستور والقانون"، وهو ما رحبت به قوى الحرية والتغيير واعتبرته "امتداداً لخطوات تراجع السلطة"، و"إقراراً ببعض المطالب الجماهيرية"، مؤكدة في بيان أن قرار القوات المسلحة نتج من "بسالة شعبنا وتمسكه بقضاياه العادلة، واستكمال مسيرة ثورة ديسمبر المجيدة".

دعم الانقلاب

بدوره، قال القيادي بقوى الحرية والتغيير عروة الصادق لـ"اندبندنت عربية" إن السفير المصري لدى الخرطوم يجري لقاءات مستمرة مع السياسيين السودانيين أو من يطلق عليهم "المكون المدني"، لكنه وصفها بأنها "لا تتجاوز كونها لقاءات علاقات عامة، ينقل فيها وجهات نظر بعضهم بعضاً، لكنها لا تتعاطى مع جذور الصراع في السودان وتأثير الدور المصري فيه"، مضيفاً أن آخر تلك اللقاءات كان قبل أيام بمشاركة قوى المعارضة وقوى سياسية واجتماعية كثيرة للاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو (تموز) التي نظمتها السفارة في الخرطوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأعرب الصادق عن أسفه من أن "مصر الرسمية" دعمت ما سماه بانقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) وأيدت إجراءاته، وأردف أن القاهرة تراجعت عن ذلك "مع تنامي درجة الرفض للحكم العسكري في السودان، وتصاعد نبرة الاحتجاج ضد مصر من الهتاف إلى التصعيد بإغلاق الطريق القاري الذي يربط بين شمال السودان ومصر". وأضاف أن "جميع التقديرات المصرية تقوم على تقارير أمنية وتحركات أجهزة استخباراتية وأصحاب رؤوس أموال، ولا تستند إلى قراءات موضوعية".

ودعا الصادق مصر إلى لعب دور "الحياد الإيجابي" تجاه الشعب السوداني ومطالبه، عن طريق الضغط مع الرباعية (بريطانيا وأميركا والسعودية والإمارات) ودول الترويكا (النرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) والاتحاد الأوروبي "نحو تنحي العسكر عن السلطة ودعم تكوين حكومة كفاءات مستقلة".

دون تأثير

في المقابل، يرى منسق أبحاث وحدة أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية في بيروت محمد عبدالكريم أن تسليم السلطة بالسودان لأطراف مدنية لن يؤثر في التواصل بين مصر والسودان بعكس ما يعتقده بعضهم، موضحاً أن الحكومة التي دعا البرهان لتشكيلها هي حكومة تسيير أعمال، وإذا استمر الحكم المدني للسودان لن يؤثر في علاقتها مع مصر.

وقال عبد الكريم لـ"اندبندنت عربية" إن مصر ليس لديها أزمة في نقل الحكم للمكون المدني في السودان، نافياً أن تكون القاهرة داعمة للجيش السوداني على حساب الكيانات المدنية والأحزاب السياسية. وأكد أن لدى مصر عقيدة راسخة منذ قيام الجمهورية السودانية في 1956 بدعم استقرار وتنمية الدولة ووحدة الأراضي السودانية، وهي أكثر الدول مصلحة في استقرار الأوضاع في الداخل السوداني، وستدعم أي حلول لتحقيق ذلك لإعادة السودان موحداً وقوياً.

وأوضح أن مصر أبدت مرونة مع المكون المدني السوداني، وبعض الأحزاب لها مكاتب في القاهرة. أما عن احتمالية تسلم المكون المدني للسلطة وعلاقته بمصر وإثيوبيا مستقبلاً، قال عبدالكريم إن المكون المدني ليس بالضرورة مؤيداً للجانب الإثيوبي على حساب مصر، مؤكداً أن هناك أحزاباً سودانية مثل الاتحاد والأمة تجمعها علاقات قوية وتاريخية بالسلطة المصرية، إلى جانب استحالة استغناء أي رجل سياسي واقعي سوداني عن العلاقة مع مصر.

منع الانهيار

وأكد الباحث في الشؤون السودانية والأفريقية أن دعم مصر للقوات المسلحة السودانية هو جزء من استراتيجيتها لدعم الدولة السودانية والحيلولة دون انهيارها، بخاصة أن "هناك جانباً كبيراً من المنتمين للمعارضة السودانية غير الوطنية مدعوم بشكل واضح من أديس أبابا ويحمل أجندة ضد السودان ووحدته"، مشيراً إلى أن الجيش السوداني في النهاية هو مؤسسة وطنية هدفها حماية وطنها مهما كان الاختلاف معها في الأفكار أو طريقة الإدارة، واصفاً إياه بأنه "آخر خط لحماية السودان".

واستبعد عبدالكريم أن يتنازل رئيس مجلس السيادة السوداني عن إقامة انتخابات أو أن يسلم السلطة دون اقتراع شعبي، بخاصة في ظل عدم وجود دستور أو تشريع سوداني يحكم آلية تسليم السلطة.

وتربط مصر والسودان روابط سياسية واقتصادية متعددة، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.2 مليار دولار خلال العام الماضي، بزيادة أكثر من 63 في المئة عن العام الماضي حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كما تشاركت مصر مع المملكة المتحدة في حكم السودان بين عامي 1899 و1956.

المزيد من العالم العربي