Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما نراه الآن في أسواق النفط يختلف عن 2008

محاولة الربط لا تدعمها الأحداث التاريخية وهناك فروق كبيرة بينها

من أبرز الخلافات بين عام 2008 و2022 هو أن اتجاهات سعر صرف الدولار وأسعار الفائدة والإنفاق الحكومي متعاكسة تماما  (أ ف ب)

يختلف ما حصل أخيراً في أسواق النفط وما يحدث  الآن، وما سيحصل مستقبلاً عما وقع في عام 2008. والواقع يشير إلى أن الاختلافات ما بين الفترتين أكبر بكثير من التشابه بينهما، على الرغم من محاولة عديد من المحللين والصحافيين التركيز على التشابه بينهما. ولعل أهم الاختلافات هي  في أسباب ارتفاع الأسعار، ثم أسباب انهيارها.

وقبل التركيز على التفاصيل لا بد من توضيح أن القول بأنه ما زال هناك مجال كبير لارتفاع أسعار النفط الحالية لأن أسعار النفط الحقيقية في عام 2008 ما زالت أعلى بكثير من الحالية، هو مجرد مقولة لا تدعمها أي نظرية اقتصادية وليس عليها أي دليل، وأن من يروج لها هم بعض من يستفيدون مادياً من هذا الارتفاع لو حصل.

ماذا حصل في عام 2008؟

انتعشت أسعار النفط بشكل كبير بعد انهيارها في عام 1998 والربع الأول من 1999 حتى تجاوزت 35 دولاراً للبرميل في عام 2000. واستمرت الأسعار في الارتفاع مع وجود تقلبات عديدة حتى تجاوزت 50 دولاراً للبرميل في عام 2005.

وتجاوزت الأسعار 75 دولاراً للبرميل في عام 2006 ثم انخفضت ثم ارتفعت بعدها لتتجاوز 95 دولاراً في نهاية 2007. واستمرت الأسعار في الارتفاع في عام 2008 حتى تجاوز سعر خام غرب تكساس 145 دولاراً للبرميل في يوليو (تموز) 2008. بعد ذلك انخفضت الأسعار ثم انهارت في الربع الرابع من عام 2008، حيث كان أقل سعر إغلاق لخام غرب تكساس 33.87 دولار للبرميل يوم 19 ديسمبر (كانون الأول)، ثم تحسنت الأسعار بعد ذلك اليوم واستمرت في الارتفاع في عام 2009.

كان انتعاش الأسعار في 2000 نتيجة طبيعية لانخفاضها في عامي 1998 و1999 حيث إن الأسعار المنخفضة خفضت المعروض والاستثمارات، بينما رفعت الكمية المطلوبة من النفط. لكن حادثة 11 سبتمبر (أيلول) في 2001 هي التي قلبت الموازين رأساً على عقب. فعلى الرغم من أن حظر الطيران وقتها وانخفاض حركة السفر خفضا الطلب على النفط وأسعاره، فإن ما نتج منها لاحقاً أسهم بشكل كبير في رفع الأسعار في السنوات اللاحقة، فقد كان من أهم نتائجها زيادة الإنفاق العسكري، وحربان في كل من أفغانستان والعراق، وحرب ثالثة حول العالم على الإرهاب، وزيادة ضخمة في الإنفاق الأمني من القطاعين العام والخاص. ما أسهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع الطلب على النفط.

في الوقت ذاته بدأت العولمة تؤتي أكلها بعد أن انتقل عدد كبير من المصانع والشركات من الغرب إلى الشرق، فانتعشت الاقتصادات الآسيوية بشكل كبير، بينما استفادت الاقتصادات الغربية من البضائع الشرقية الرخيصة، التي منعت معدلات التضخم من الارتفاع، وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط ازدادت الأنشطة الاقتصادية وانتعشت التجارة الدولية ما أدى لارتفاع معدلات النمو الاقتصادي حول العالم وزاد الطلب على النفط وعزز من ارتفاع أسعاره.

ما سبق رفع من مستويات دخول الأفراد ومستويات الاستهلاك وعزز من ذلك الانخفاض المستمر في أسعار الفائدة والدولار الأميركي، ما أسهم أيضاً في دفع مستويات النمو الاقتصادي إلى مستويات أعلى، التي أسهمت بدورها في زيادة معدلات الطلب على النفط واستمرار أسعاره في الارتفاع. صاحب ذلك أيضاً انخفاض في الضرائب في بعض كبار الدول المستهلكة كجزء من فكر "العولمة"، الأمر الذي عزز من قوة معدلات النمو الاقتصادي.

باختصار، شهدت تلك الفترة تطورات لم تحدث تاريخياً وقد لا تكرر، تضافر عوامل عدة أسهمت جميعها في رفع معدلات النمو الاقتصادي عالمياً التي أسهمت بدورها في زيادة الطلب على النفط وارتفاع أسعاره إلى مستويات قياسية.

هذه العوامل تمثلت في زيادة الإنفاق الحكومي والعسكري والأمني وارتفاع دخول الأفراد، في الوقت الذي انخفضت فيه أسعار الفائدة والدولار والضرائب، لهذا لم يؤثر الارتفاع الكبير في أسعار النفط سلباً في النمو الاقتصادي ولم يؤد إلى التضخم.

في هذا الجو المليء بالتفاؤل كان واضحاً أن ارتفاع أسعار النفط المرتفعة ستستمر لأسباب عديدة، أهمها عدم تأثيرها في معدلات النمو الاقتصادي والتضخم، ووجود عديد من الحلقات المفرغة التي تؤدي كلها إلى إبقاء أسعار النفط في مستويات مرتفعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من ضمن هذه الحلقات العلاقة بين ارتفاع أسعار النفط والنمو الاقتصادي في الدول المنتجة له، فقد انتعشت اقتصادات هذه الدول بشكل كبير خصوصاً أن الإيرادات الضخمة شجعت حكومات هذه الدول على إكمال البنية التحتية  والشروع في بناء مشاريع ضخمة وهذا يؤدي إلى ارتفاع استهلاك الطاقة، ومن ثم يؤدي إلى انخفاض صادرات النفط أو على الأقل منع ارتفاعها، وهذا يسهم في دعم أسعار النفط.

ومن ضمن هذه الحلقات المفرغة وقتها اهتمام الدول النفطية وشركات النفط الوطنية بالغاز على حساب النفط، الأمر الذي يعني أن استثمارات النفط لن تواكب الاستمرار في ارتفاع الطلب على النفط.

وأصبح واضحاً وقتها، خصوصاً أن هناك حلقات مفرغة عديدة أخرى كلها داعمة لأسعار النفط المرتفعة، أن ارتفاع أسعار النفط لن يوقفه إلا توقف عجلة النمو الاقتصادي لأمور لا علاقة لها بالنفط. وهذا ما حصل فعلاً عندما انهار قطاع العقار الأميركي الذي نتج منه أزمة مالية خانقة وركود اقتصادي،   هوى بأسعار النفط بأكثر من 110 دولارات للبرميل.

أوجه الخلاف مع الأزمة الحالية

على الرغم من أن الارتفاع الحالي للأسعار واحتمال هبوطها يختلف جذرياً عما حصل في عام 2008، إلا أن هناك بعض أوجه التشابه التي تتمثل في آثار الأسعار المنخفضة وانخفاض الاستثمارات.

من أهم الاختلافات أن ارتفاع الأسعار في عام 2021 كان سببه الانتعاش السريع بعد الانتهاء من إغلاقات كورونا، في وقت انخفض فيه إنتاج النفط الأميركي بأكثر من 3 ملايين برميل يومياً مقارنة مع توقعات ما قبل كورونا. وفي ظل المستقبل المجهول قررت دول "أوبك+" زيادة الإنتاج بكميات محدودة شهرياً. ومن غرائب الأمور أن زيادة الإنفاق الحكومي بين أعوام 2002 و2008 أسهمت بشكل كبير في زيادة حركة السفر، لكن الإنفاق الحكومي في فترة كورونا لم يؤد إلى ذلك.

جاء هذا الانتعاش في الأسعار بعد سنوات عدة من انخفاض الاستثمار في صناعة النفط، لكن على خلاف ما حصل في عامي 1998 و1999، لم يكن الانخفاض في الاستثمار سببه انخفاض أسعار فقط، لكن وجود أربعة عوامل مهمة وهي:

1- مبالغات وكالة الطاقة الدولية وغيرها في نمو النفط الصخري بعد عام 2018، التي خفضت من الاستثمارات في الصناعة حول العالم.

2- تبني الحكومات الأوروبية وعدد من الشركات الكبيرة والبنوك سياسات محاربة التغير المناخي، التي نتج منها انسحاب صناديق استثمارية كبيرة من صناعة النفط والغاز، وتوقف عديد من البنوك عن إقراض شركات النفط والغاز.

3- مبالغات وكالة الطاقة الدولية ووسائل الإعلام في أثر الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية في الطلب على النفط.

4- وعود مرشحي الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية بإنهاء عهد النفط، وعلى رأسهم الرئيس الحالي جو بايدن، الذي تعهد بوقف التنقيب عن النفط في الأراضي والمياه الفيدرالية وإنهاء مستقبل شركات النفط. هذه الوعود، ثم نجاح جو بايدن بالرئاسة، أسهم أيضاً في منع تدفق الاستثمارات للصناعة على الرغم من الارتفاع المستمر في الأسعار.

ومن أوجه الاختلاف أيضاً أنه بمجرد انتهاء الأزمة المالية في عام 2009 ارتفعت الاستثمارات في قطاع النفط بشكل كبير خلال السنوات اللاحقة، ليس بسبب ارتفاع أسعار النفط فقط، لكن بسبب ثورة النفط الصخري أيضاً، هذا الأمر لم يتحقق الآن ولم تحقق شركات النفط الصخري انتعاشاً كبيراً في الإنتاج للسببين الثاني والرابع المذكورين أعلاه.

ولعل أبرز أوجه الخلاف هو الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا، فارتفاع أسعار النفط الشديد في عامي 2007 و2008 لم يكن سببه الرئيس سياسياً، لكن استمرار أسعار النفط في الارتفاع في عام 2022 كان سببه سياسياً بحتاً، حيث نتج من العقوبات المفروضة على روسيا إعادة هيكلة تجارة النفط العالمية، فرفعت التكاليف وخفضت من كفاءة الأسواق وزادت من هدر الموارد.

 

ومن أبرز الخلافات بين عام 2008 و2022 هو أن اتجاهات سعر صرف الدولار وأسعار الفائدة والإنفاق الحكومي متعاكسة تماماً. كما أدى الفساد الإداري في القطاع العقاري إلى الأزمة المالية في عام 2008 ولم يكن هناك تضخم، ولم تكن هناك قلاقل سياسية كما هي عليه الآن. المشكلة الآن وجود معدلات تضخم عالية نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والأغذية وهناك تظاهرات وقلاقل سياسية في عدد كبير من دول العالم الغنية والفقيرة. لهذا فإذا كان هناك ركود اقتصادي أو احتمال حدوثه مستقبلاً فإن سببه يختلف عما حصل في عام 2008.

ومن أبرز الاختلافات أن أسعار الغاز انهارت لأكثر من 14 سنة بعد 2008، وتوسعت خلالها صناعة الغاز المسال بشكل كبير. المشكلة الآن ارتفاع أسعار الغاز ووصول أسعار الغاز المسال في الأسواق الفورية إلى مستويات قياسية.

ولعل أهم فرق الآن هو أن الارتفاع في عام 2008 اقتصر على أسعار النفط، لكن الآن لدينا ارتفاع في كل أسعار مصادر الطاقة بما في ذلك النفط والغاز والفحم والكهرباء، وعلى عكس ما كان يروج له هناك ارتفاع كبير في تكاليف الطاقة المتجددة.

بالنسبة لأسواق النفط هناك اختلاف آخر، وهو وجود "أوبك+" الآن التي لم تكن موجودة في عام 2008. كما أن قدرتها على إدارة السوق أكبر بكثير مما كانت عليه "أوبك" في عام 2008، وتلاشي طاقتها الإنتاجية التي يمكن تسويقها خصوصاً مع وجود اجتماعات شهرية تمكنها من التأقلم بسرعة مع أي مستجدات، هذا يعني أن انخفاض الأسعار نتيجة ركود اقتصادي قد يكون محدوداً مقارنة مع الماضي.

بالنسبة للمستقبل جاءت ثورة النفط الصخري بإمدادات ضخمة بعد انتعاش أسعار النفط والاستثمارات بخاصة بعد عام 2010، لكن يبدو أن الوضع مختلف الآن، ومن ثم فإن احتمال حدوث أزمة طاقة على المديين المتوسط والطويل كبير. وفي حالة حدوث ركود اقتصادي الآن فإن هذا الركود سيزيد من حدة هذه الأزمة مستقبلاً بسبب انخفاض الاستثمارات الآن.

خلاصة الأمر إن محاولة ربط الوضع الحالي بما حصل بعام 2008 لا تدعمها الأحداث التاريخية وهناك فروق كبيرة بينها.

المزيد من آراء