Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسرحية "ليسيستراتا" لأريستوفان... نزعة نسوية مبكرة من الهزلي الإغريقي الكبير

كثيراً ما حوكيت واقتبست وسرقت من دون ذكر المصدر طوال آلاف السنين الماضية

من تقديم معاصر لـ"ليسيستراتا" (موقع المسرحية)

لم تكن مسرحية "ليسيستراتا" للكاتب الهزلي الإغريقي أريستوفان مسرحيته الوحيدة التي وصلتنا، وإن كانت مسرحياته العديدة التي نعرفها المتن المسرحي الوحيد تقريباً الذي بقي على الرغم من مرور آلاف السنين، بعكس ما حدث بالنسبة إلى المسرح التراجيدي الإغريقي الذي وصلنا من إنتاجاته الكبيرة أعمال باتت خالدة لما لا يقل عن ثلاثة كتاب كبار مؤسسين هم "إسخيلوس، وسوفوكليس ويوريبيدس"، أثرت الكتابة المسرحية العالمية والدراسات السياسية التاريخية بل حتى دراسات علم النفس والتحليل النفسي. وعلى الرغم من "فرادة" أريستوفان في هذا المجال فلا شك في أن كتاباته تمكنت من أن تقوم بالمهمة وتعكس نوعاً مسرحياً لا يقل بأي حال تسييساً وارتباطاً بالقضايا الاجتماعية من المسرح التراجيدي، بل ربما يتميز عنه بانغماسه حتى في ألاعيب نقد جمالي وفلسفي تجد خير تعبير عنها في مسرحية أريستوفان نفسه "السحب" التي ينسف فيها "أسطورة" سقراط، مبتذلاً أفكار وسيرة أبي الفلسفة الإنسانية هذا بشكل مثير للغضب حقاً، ولكن متى يتعين على المسرح الهزلي أن يستنكف عن إثارة الغضب؟

نسوية مبكرة جداً

الغضب نفسه نعرف أن أريستوفان قد استثاره في زمنه، وربما في أزمنة تالية، في أوساط النساء الأثينيات من خلال تعامله الفظ مع قضايا النساء والسخرية منهن، في عدد من مسرحياته على أي حال، ولكن ليس في كلها. فهو، بعد كل شيء، وفي واحدة من مسرحياته ستكون أقواها وأشهرها وستعيش أكثر منها جميعاً، عرف كيف يقدم للمرأة، كل امرأة، تحية وصورة ندر أن قدمها المسرح لها. ونتحدث هنا تحديداً عن "ليسيستراتا" تلك المسرحية التي كثيراً ما حوكيت واقتبست وسرقت من دون ذكر المصدر طوال آلاف السنين الماضية، ولدى الثقافات كافة وعندنا في بلداننا العربية، في مصر مرات عدة وحتى في لبنان حين اتخذت سينمائية لبنانية طموحة من موضوعها حبكة لفيلم عنونته "... وهلق لوين" تحدثت فيه، في نقل مباشر أكثر من اللازم مع إغفال ذكر المصدر، عن دور النساء في وضع حد للحرب الأهلية في لبنان بإضراب شهير كان بدعة في زمن الهزلي اليوناني الكبير، فأضحى مثيراً للابتسام لا أكثر في الزمن اللبناني الراهن، لكن هذا ليس موضوعنا هنا بالطبع. موضوعنا هو ذلك العمل المسرحي الكبير الذي يبقى خالداً على مر الزمن ويقدم خير مثال على الكيفية التي يمكن بها للمسرح أن يتعاطى مع شؤون الحياة والمجتمع ويستجيب للطموح الذي يخالج المرأة التواقة دائماً إلى السلام بالتعارض مع توق الرجال إلى الحرب والقتال.

حكاية امرأة استثنائية

بالتالي فإن "ليسيستراتا" كوميديا ​​يونانية قديمة من كتابة أريستوفان، تم عرضها في الأصل وربما للمرة الأولى في أثينا الكلاسيكية في عام 411 قبل الميلاد. وتتمحور أساساً حول عمل "ثوري" تقوم به امرأة استثنائية حين تقرر يوماً التصدي لإنهاء الحروب البيلوبونيسية بين دول المدن اليونانية. وهي حروب يخوضها الرجال باسم المدن جميعها من دون أن يعبأوا برأي المواطنين والمواطنات الآخرين. في وجه هؤلاء إذاً تقرر النساء بقيادة واحدة من أشجعهن وأحكمهن هي ليسيستراتا إيجاد طريقة فعالة لمنع الرجال من الاسترسال في خوض لعبة الحرب القذرة، ولا سيما بعد أن تخفق كل المحاولات والطرق الأخرى. وهكذا يتفتق ذهن تلك المرأة وقد أحاطت نفسها بصديقات وجارات مقربات إليها ثم بنساء أتين من مدن إغريقية عديدة أخرى يعانين ما تعانيه الأثينيات ولا يرضين عن قتال مدمر يخوضه رجالهن بين بعضهم بعضاً وكأنهم يلعبون، فكيف يمكن للنساء منع ذلك كله؟


ضد استراحة المحارب

ببساطة، بما أن الرجال يعودون في استراحات حربية من "الجبهات" تواقين لاستعراض ما قاموا به من بطولات في القتال وشاعرين بالشوق للنساء، "ما رأيكن يا صديقاتي في أن نمتنع عن إقامة العلاقات الجنسية معهم فنحرمهم من تلك المتعة ونجعلهم يدفعون غالياً ثمن ما يرتكبون؟". أول الأمر تبدو الفكرة جنونية ومضحكة. يوافق بعض النساء على مضض، وترفض أخريات الفكرة من أساسها وتشعر نساء بالحيرة. كيف يمكن حرمان جميع رجال الأرض من ممارسة الجنس، وهو الشيء الوحيد الذي تعرف النساء أن الرجال يرغبون فيه حقاً وكيف؟ بفصاحتها وقوة منطقها وعزمها الحاسم على وقف لعبة الحرب ولو بقيت وحيدة في الميدان، وعبر فصول المسرحية الحافلة بالمواقف والحوارات الهزلية التي لا تزال حتى اليوم مثالاً يحتذى في كتابة الحوارات ونقل الجدال المنطقي إلى خشبة المسرح، ستقنع ليسيستراتا نساء المدن المتحاربة بحجب الامتيازات الجنسية عن أزواجهن وعشاقهن كوسيلة لإجبار الرجال على التفاوض من أجل السلام - وهي استراتيجية، تؤجج المعركة بين الجنسين، ولكن قبل ذلك، وقبل عودة الرجال المتحاربين لعيش استراحتهم والاستمتاع بحكاياتهم، بين ليسيستراتا وقائد الشرطة القضائية الذي يتصدى لمحاولتهن، التي ستنجح في نهاية الأمر، احتلال الأكروبول في أعالي أثينا والاستيلاء على خزانة الدولة كنوع آخر من الضغط وفرض الأمر الواقع على الرجال. والحقيقة أن الحوارات التي تدور، صاخبة أحياناً، عميقة في أحيان أخرى، بين قائدة "الثورة النسائية" وقائد العسكر، ستبقى طوال الزمن نموذجاً مدهشاً في المنطق الإقناعي ومجابهة الحجة بالأقوى منها من الطرفين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

​​​​​​​
حين عاد الرجال

ولعل أهم ما يحدث خلال استشراء تلك الحوارات، وتحديداً كبديل عن العنف – فالنساء لا يتقنَّ لعبة العنف وليس لديهن في النهاية من سلاح أمضى من لسانهن وأجسادهن كما يستنتج القائد، من دون أن يزعج هذا الاستنتاج ليسيستراتا. أهم ما يحدث هو أن الرجال يعودون من دون أن يكونوا قد عرفوا شيئاً عما ينتظرهم، وأن بعض النساء بل معظمهن قد ضعفت مقاومتهن إما عن تعب وإما عن شوق للرجال وإما عن يأس من قدرة تحركهن على أن يأتي مفعوله. وهكذا تبدأ محاولات الالتفاف والخيانة في فصول بالغة القوة تكاد تترك ليسيستراتا وحيدة في معركتها، لكنها لا تيأس وتواصل النضال مجبرة حيناً، ومقنعةً، حيناً آخر، أقرب رفيقاتها على التراجع عن انسحابهن. ويكون لمنطقها الغلبة التي كانت هي واثقة من تحقيقها منذ البداية. وفي وقت يكون فيه منطقها قد أقنع قائد الشرطة فتساهل معها بعض الشيء في الأقل، يبدأ الرجال أنفسهم بالتراجع عن عدوانيتهم تدريجياً لتنتهي الأمور كما أرادتها تلك المرأة، التي يمكن النظر إليها على أنها كانت أول شخصية نسوية في تاريخ الأدب الهزلي في الأقل، علماً بأن لها سابقات في تاريخ الآداب الإغريقية الأخرى، عرفت العصور التالية كيف تحلل تحركاتهن ومواقفهن، مقابل عدم صعوبة تحليل مواقف ليسيستراتا التي تبدو دائماً من الوضوح بحيث إن الحوارات التي تنطق بها، سواء أمام رفيقاتها فيما كانت تعمل على تجميعهن، أو أمام "عدوها" المباشر قائد الشرطة المكلف منذ البداية بقمع تحركها وتحرك رفيقاتها، ومن ثم أمام تجمعات الرجال الغاضبين، تلك الحوارات دائماً ما بدت شديدة المعاصرة والراهنية في أي زمن من الأزمان، ما جعل "ليسيستراتا" المسرحية التي تبدو الأكثر قدرة على "التدوير" والعصرنة من بين المسرحيات الإغريقية كافة. وتحديداً بمنطقها وحواراتها التي يمكن أن ينطق بها أي زمن وأي حالة. ومن دون أن ننسى هنا تلك المجابهات الرائعة التي تدور بين كورس النساء العجائز وكورس الشيوخ الذكور والتي تكاد وحدها تكون فتحاً في عالم الفن كما في عالم السجال الاجتماعي.

ضد هيمنة الذكور

ويعود ذلك بالتأكيد إلى واقع أن "ليسيستراتا" تتميز بكونها عرضاً مبكراً للعلاقات الجنسية في مجتمع يهيمن عليه الذكور. إضافة إلى ذلك، يمثل هيكلها الدرامي تحولاً عن أعراف الكوميديا​​ القديمة، ما شكل منذ ذلك الحين نوعاً من اتجاه نموذجي لمهنة المؤلف. والحقيقة أن أريستوفان كان واعياً بذلك التحول الذي بدأ وكأنه في الوقت ذاته نوع من الانقلاب على الذات حوله من عدو للمرأة في مسرحه إلى واحد من أول وأشد المدافعين عنها في مجتمع الذكور، الذي لم يبلغ غيره ما بلغه هو في تسخيفه. ونعرف أن أريستوفان قد عاش بين 445 و385 قبل الميلاد تقريباً. ولم يصلنا كثير من المعلومات عن تربيته وتعليمه وحياته حتى وإن كان قد وصلنا عدد لا بأس به من مسرحياته التي تقف فريدة في ساحة الكتابة المسرحية الساخرة في الزمن الإغريقي، ومن أبرزها "السحب" و"الضفادع" و"النساء في مجلس الشيوخ" و"النساء في المهرجان" و"الطيور" وبلوتوس".

المزيد من مسرح