Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نجم الأدب النيجيري تشيغوزي أوبيوما يستعين بالتراجيديا الإغريقية

ينقل واقع أفريقيا المعاصرة وروايتاه "الصيادون" و"أوركسترا المغلوبين" بالعربية

الروائي النيجييري تشيغوزي اوبيوما (صفحة الكاتب- فيسبوك)

من بين دول القارة الأفريقية، كان لنيجيريا النصيب الأكبر من الكتاب والمثقفين البارزين على مستوى الأدب العالمي، بعضهم حظي بجائزة نوبل للآداب، والبعض الآخر كان حاضراً في ترشيحاتها على مدار سنوات طويلة، كما أن بعض الكتاب النيجيريين فاز بجائزة البوكر البريطانية، والبعض الآخر وصل إلى قوائمها القصيرة. غينوا أتشيبي، وول سوينكا، غابرييل أوكارا، آموس توتولا، كن سارو ويوا، بن أوكري، وتشيمامندا نغوزي أديتشي، هذه بعض الأسماء اللامعة في سماء الأدب الأفريقي والعالمي.

وثمة نجم صاعد جديد في الأدب النيجيري والعالمي، لفت الانتباه خلال السنوات القليلة الماضية، هو تشيغوزي أوبيوما Chigozie Obioma (من مواليد 1986) الذي يبدو عمله الروائي متصلاً بروح الثقافة النيجيرية، والأفريقية، مثله مثل أسلافه الكبار، وأخص بالذكر منهم تشينوا أتشيبي وآموس توتولا، اللذين يبدو تأثيرها واضحاً في الروايتين اللتين أنجزهما أوبيوماً، حيث نعثر على التأثيرات الغائرة لرواية أتشيبي "الأشياء تتداعى"Things Fall Apart  (1958)، ورواية توتولا "شارب خمر النخيل"The Palm Wine Drinkard (1952). وقد وصلت الرواية الأولى لأوبيوما "الصيادون" The Fishermen إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر البريطانية (2015)، كما وصلت روايته الثانية "أوركسترا المغلوبين" An Orchestra of Minorities إلى القائمة القصيرة أيضاً (2019)، واختير عضواً في لجنة تحكيم الجائزة عام 2021، كما أن روايته الأولى فازت بعديد من الجوائز البارزة الأخرى في بريطانيا وأميركا.

 

ميراث إفريقي عريق

يرتكز عمل أوبيوما الروائي على ميراث أفريقي عريق ممتد من الحكايات والمرويات والأمثال، والمأثورات، والأمثولات، وأدب الحكمة، كما أنه يمزج سرده لواقع نيجيريا الراهن، ومتخيله الروائي، بتلك المرويات والمأثورات، والأمثال، المستقاة من ثقافة شعب الإيبو Igbo، ولغتهم، مضفياً على نثره الروائي مجازاً ساحراً، ومعطياً حبكته القصصية، وشخصياته، والحكايات التي يرويها، أعماقاً تتصل بتلك الثقافة الأفريقية الغنية، وتضعها في مواجهة ثقافة الغرب المستعمر وقيمه التي دمرت الثقافة الأفريقية، وأخضعت شعوبها، فغادرها الاستعمار وهي حطام، شعوباً تتقاتل، وأفراداً يفتقدون الطريق. وهو ما يذكر بصورة خاصة، بكتابة سلف أوبيوما الكاتب النيجيري الراحل تشينوا أتشيبي (1930- 2013)، الذي ينتمي مثله إلى شعب الإيبو، وكان واحداً من الكتاب النيجيريين الذين ناصروا دولة بيافرا، وانفصال الشمال عن الجنوب، لأسباب عرقية ودينية وثقافية. وعلى الرغم من تلك الروافد المشتركة بين كتابة كل من أتشيبي وأوبيوما، ونهلهما من ميراث الإيبو، كشعب وثقافة، إلا أنهما يقفان في جهتين متقابلتين بخصوص رؤيتهما السياسية، فالكاتب الشاب يشير على لسان سارده، خصوصاً في روايته الثانية، أن حركة بيافرا دمرت شعب الإيبو، وزرعت بذور الشقاق، بين شمال نيجيريا وجنوبها، التي تتناسل في حاضر البلاد ومستقبلها.

تحكي رواية "الصيادون" (2015) لأوبيوما، التي نقلها إلى العربية المترجم المصري إيهاب عبد الحميد، ونشرتها دار جامعة حمد بن خليفة للنشر في الدوحة (2018)، عن أربعة من الإخوة، الذين أطلقوا على أنفسهم لقب "الصيادين"، يعيشون ضمن عائلة كثيرة العدد، إذ حلم والدهم، وهو وحيد أبويه، أن تكون له عائلة كبيرة في زمن تسعى فيه العائلات النيجيرية المعاصرة أن تحدد نسلها بسبب مصاعب الحياة ومتطلباتها الكثيرة هذه الأيام. وتبدو الحكاية في ظاهرها بسيطة، موظف في بنك ينتقل للعمل في مدينة بعيدة ويترك أبناءه الصغار في عهدة أمهم، فتحدث الكارثة تلو الكارثة، وتنهار العائلة ويتشتت شمل أبنائها، بعد أن يقتل أحدهم أخاه الأكبر، ثم ينتحر. هكذا يعيد أوبيوما الحكاية الأزلية لقابيل وهابيل في إطار معاصر، لكنه يتخذ تلاوين أفريقية ترجع في الوقت نفسه وجهاً من وجوه مسرحية "أوديب ملكاً" للإغريقي سوفوكليس، صانعاً بذلك تراجيديا نيجيرية معاصرة. وكما في "أوديب ملكاً"، تحضر النبوءة التي يطلقها المجنون أبولو مخبراً الولد الأكبر أن صياداً سيقتله، وبما أنه وإخوته بدأوا في الذهاب إلى النهر الملعون، المدعو أومي آلا، ليصطادوا، فقد فهم أن أحد إخوته سيقوم بقتله.

 

ثمة، في "الصيادون"، نسيج يستعير خيوطاً من حكاية قابيل وهابيل، وأخرى من "أوديب ملكا" (فالمجنون أبولو يقتل أخاه ويغتصب أمه)، وحكايات عن إلغاء الانتخابات الرئاسية النيجيرية في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وما تبعها من شغب وتخريب ومواجهات على أسس عرقية ودينية وقبلية ومناطقية، لكن الكاتب النيجيري الشاب يبني من هذه الحكايات المتراكبة معماراً فنياً يجعل من روايته مجازاً لتاريخ نيجيريا المعاصر، بعد رحيل الاستعمار، ليقتتل الإخوة، وتتمزق البلاد، ويعم الفساد. وتلعب النبوءة، التي أطلقها المجنون أبولو، كمفتاح لنقد أوبيوما لحال نيجيريا في الوقت الراهن، بدءاً من تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن. ففي البنية العميقة للرواية يرمز أبولو للقوة الاستعمارية التي بذرت الشقاق بين الإخوة، ثم عادت لتتحكم بعد رحيل جيوشها من خلال وكلائها المحليين. وهناك إشارات في الرواية تدل على أن الكاتب سعى من خلال سرد هذه التراجيديا العائلية، التي انتهت بقتل أبولو على يد اثنين من الإخوة الباقين، إلى الكناية عن الوضع السياسي لنيجيريا في الوقت الراهن. صحيح أن الترميز، أي المطابقة بين شخصية أبولو والقوة الاستعمارية الغاشمة، يبدو غير مباشر، لكن قوة الحكاية، والبناء المجازي الذي تعمل على إشاعته في النص، يجعل حكاية قابيل وهابيل المعاصرة تفيض عن أصلها الأسطوري وتتجسد كراهن معاصر ما بعد كولونيالي لنيجيريا وصراعاتها الداخلية.

الطابع المجازي

اللافت في هذا العمل الأول للكاتب، الذي لم يكن قد بلغ الثلاثين من العمر عندما أنجز كتابة "الصيادون"، هو اللغة المدهشة، ذات الطابع المجازي، التصويري، والطاقة الإيحائية، بل الشعرية العالية، وقدرة الكلمات على أن تفيض خارج معانيها المباشرة، واستيحاء ثقافة الإيبو التي تتكلم بالأمثال والحكايات، للتعبير عن المعاني العميقة للكلام. فهو، بلا أي شك، عمل مشبوب، طموح، سعى إلى الكشف عن المشكلات السياسية، الاجتماعية، العرقية، الدينية والثقافية، العميقة، التي تقيم في الصراعات الدائرة في نيجيريا، كما في أفريقيا.

العمل الثاني لأوبيوما "أوركسترا المغلوبين" (2019)، الذي نقلته إلى العربية المترجمة الفلسطينية خلود عمرو، باجتهاد واضح ولافت في الترجمة، وصدر عن دار التنوير، بالتعاون مع دار جامعة حمد بن خليفة (2021)، أكثر طموحاً، وأوسع دائرة، ويحاول أن يلقي ضوءاً ساطعاً على مشكلات الداخل، في الوقت الذي يسعى فيه إلى قراءة علاقات الأنا والآخر، الذات الأفريقية في بلاد الآخرين، حتى ولو كانوا على حواف الغرب، والبلدان التي استعمرت أفريقيا.

 لربما، وبسبب توسيع أوبيوما لدائرة سرده، ومحاولته بحث العلاقات المعقدة بين الأعراق والثقافات المختلفة، في عالم معاصر تحتشد فيه الخلافات بين البشر على خلفيات عرقية وإثنية ودينية وثقافية مختلفة، بدا عمله الأخير أقل تركيزاً، وانشغالاً ببؤرة السرد لديه، ومحتشداً بالثرثرة أحياناً، لكنه، على الرغم من عوامل الضعف هذه، يكتسب قوته، وعنفوانه السردي، من لجوئه إلى تأويل الأحداث والحكايات، الكثيرة في هذا العمل السردي الضخم، من توظيفه مفهوم القرين الحامي (التشي Che)، المستمد من ثقافة شعب الإيبو، حيث يتخذ من القرين الحامي سارداً يروي حكاية الشخصية التي يلازمها ويحميها من عوادي الزمان، فلا يقدر، لاقتصار دوره على الإقناع لا الجبر. هنا تكمن قوة الرواية، ورسالتها الفلسفية، وتعبيرها الموارب عن مأساة الإنسان المعاصر في أفريقيا، الذي لم يجلب له خروج الاستعمار العدالة والرخاء، بل حكاما فاسدين، طغاة، ومجتمعات تعلو فيها الطبقات بعضها فوق بعض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتلخص حكاية الشخصية الرئيسة في "أوركسترا المغلوبين"، التي يرويها قرينه الحامي، في عشقه للطيور الداجنة، غير القادرة على الدفاع عن نفسها، المستسلمة لمصيرها، التي يطلق عليها والده وصف "جماعة الأقليات"، أو "المغلوبين" (بحسب ترجمة خلود عمرو للعنوان)، أو "المستضعفين"، غير القادرين على الدفاع عن أنفسهم. وتقود هذه العاطفة النبيلة صاحبها، في طفولته، إلى الوقوع في عشق فرخ إوز يصطاد والده أمه، لكنه يرديه قتيلاً في النهاية عندما يسلبه صديقه منه. ولا شك أن هذه الحكاية المأساوية المدهشة تقود القارئ إلى توقع ما سيحدث في نهاية هذا العمل الروائي، فقصة الحب التي تنشأ بينه وبين الصبية الغنية، التي تنتمي إلى عائلة عريقة وغنية في نيجيريا، أبوها زعيم قبلي كبير، ستنتهي بالطريقة نفسها، مفضية إلى مأساة. وسوف يتعزز هذا الاعتقاد لدى القارئ من خلال تعاقب الأحداث التي تدفع الشخصية، كما يخبرنا قرينه الحامي، إلى بيع جميع ما يملكه، والسفر إلى جمهورية شمال قبرص، ليتابع دراسته ويكون جديراً بابنة الزعيم، التي أنقذها من الانتحار فوقعت في غرامه.

حب وطيور

تنقسم أحداث "أوركسترا المغلوبين" إلى مسارين يقود الأول منهما التالي، فهي تسرد في جزئها الأول حكاية الشاب النيجيري، الواقع في غرام الطيور الداجنة، وعشق ابنة الزعيم الذي يناصبه هو وعائلته الاحتقار ويرونه جاهلاً غير جدير بابنتهم. أما في الجزء الثاني فيقودنا القرين الحامي إلى التعرف على المأساة التي حلت به في أرض الغربة، بعد أن احتال عليه أحد زملائه السابقين في المدرسة، وسلبه ماله، لكن المشكلة في هذا الجزء من الرواية تتمثل في منعطف الأحداث التي يأخذنا إليها الراوي، حيث تتهم الشخصية الرئيسة باغتصاب امرأة تركية ومحاولة قتل زوجها، فيما الحقيقة تقول إنه كان يدافع عنها ضد محاولة الزوج الغيور خنقها.

ويبدو أن خلفية قراءات الكاتب في الكلاسيكيات الإغريقية، وتفضيله النوع التراجيدي، ورغبته في كتابة حكاية مأساوية (تستند إلى حكاية صديق له مات ميتة مفجعة في مصعد حين كانا يدرسان في إحدى جامعات شمال قبرص)، جعلته يضع شخصيته في هذه المتوالية المستمرة من سوء الحظ، والقدر المأساوي، والظلم الذي يطحن المستضعفين فلا يقدرون على الرد والدفاع عن أنفسهم.

تسعى رواية "أوركسترا المغلوبين" إلى تصوير غياب العدالة، والبون الشاسع المتسع بين الناس، في بلده نيجيريا، وفي باقي بلدان ما يسمى العالم الثالث، أو الدول غير النامية، لكن أوبيوما يستخدم للتعبير عن ذلك سارداً غير مرئي، روحاً، أو قريناً حامياً، يلازم الشخصية، ويصور ما يدور داخلها، وما يحدث لها، وما يحل بها من مآسٍ. ويدافع القرين الحامي، في سرده لوقائع مأساة الشخصية التي كلف بحمايتها، خلال مرافعته التي يقدمها أمام محكمة الآلهة، عن الشخصية المروي عنها، محاولاً تبرئتها من القتل الخطأ، غير المقصود، الذي تسببت به في محاولة للانتقام لكرامتها المهدورة.

 إن حكمة الآباء العظماء، بتعبير القرين الحامي، توضع هنا في مقابل طيش الأبناء المعاصرين الذين نسوا حكمة آبائهم العظام، وسلبت الثقافة الغربية الاستهلاكية ألبابهم، فانقسم المجتمع وتقوضت أركانه، واغترب أبناؤه عن واقعهم، فوقعت المأساة. تبدو الرسالة الأخيرة وكأنها تمثل غاية هذا العمل، المحتشد بالحكايات الممتعة، والأحداث اللاهثة، والوصف المدهش لعوالم الشخصيات، والاقتراض الكثير من ثقافة شعب الإيبو، وأمثاله، وأمثولاته، للإضاءة على عالم معاصر هو نقيض تام لتلك العوالم التي تصفها حكايات الإيبو.

المزيد من ثقافة