Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيتر بروك أعاد تأسيس المسرح رؤية وإخراجا وتمثيلا وجمهورا

المخرج المستكشف وضع نظريات تطبيقية وجاب ملاحم التراث البشري وآفاق الحداثة

بيتر بروك أسطورة المسرح العالمي (لاين فيستيفال)

لم ينل مسرحي في حياته من التقدير والتبجيل ما ناله البريطاني بيتر بروك، وكم كان مصيبا وصفه بأنه" أسطورة المسرح في القرن الـ 20" أو بأنه "أعظم مسرحي على قيد الحياة".

ظل بيتر بروك بأعماله ونظرياته المسرحية ورحلاته التي جاب خلالها أركان الأرض، وبتجاربه الفنية والإنسانية الخصبة هنا وهناك، مصدر إلهام لمئات المسرحيين حول العالم، ونموذجاً للمسرحي الذي لا يكف عن البحث والاستكشاف والتفاعل مع جماعات ربما لم تعرف المسرح من قبل، حتى إنه في مسرحيته الأخيرة التي قدمها العام 2019 وعنوانها "لماذا؟"، بدا وكأنه مصر على مساءلة المسرح وهو في الـ 93 من عمره.

في كتابه" النقطة المتحولة... 40 عاماً في استكشاف المسرح" الذي كان الناقد المصري الراحل فاروق عبدالقادر أول من ترجمه إلى العربية ووضعه في متناول القراء العرب، وصدر العام 1991 في سلسلة عالم المعرفة الكويتية، يطرح بيت بروك الأسئلة التي سبق أن طرحها في كتابه" المساحة الفارغة " الذي ترجمه عبدالقادر أيضاً وصدر عن دار الهلال المصرية عام 1986.

إن بيتر بروك كما يقول عبدالقادر في تقديمه لـ "النقطة المتحولة" رجل مسرح، ولهذا انطلق من البديهة البسيطة وهي أن المسرح يجب أن يكون مسرحاً، بمعنى أن يقدم مسرحية لا محاضرة أو قصة أو حشداً من الأفكار أو منشوراً دعائياً، وحين اعتمد هذه الحقيقة لم يعد يحمل تقديساً زائفاً لنص بعينه أو تراث بعينه، وكان هذا يعني طرح الأسئلة الأساس مثل،

لماذا المسرح على الإطلاق؟ ما هدفه؟ هل هو مفارقة تاريخية؟ هل هو أثر بال متخلف يجب أن يحال إلى الاستيداع؟ هل لخشبة المسرح مكان حقيقي في حياتنا؟ أية وظيفة يمكن أن يؤديها المسرح؟ وماذا يمكنها أن تكتشف؟ ما خصائصها وما سماتها العامة؟

لا أجوبة حاسمة

يطلب الناقد فاروق عبدالقادر في مقدمته ألا نتوقع إجابات حاسمة ونهائية يقدمها بيتر بروك لهذه الأسئلة ومثلها، فالفن لا يعرف مثل هذه الإجابات، لكن بروك يقدم إجابته هو، وإجابته محددة بشروط وجوده، وهي كذلك لا تنفصل عن تاريخ كتابتها.

 يقول بروك "هذه صورة المؤلف لحظة الكتابة والبحث داخل مسرح متحلل ومتطور، وكلما مضيت في العمل أصبحت هذه النتائج أقل شمولاً".

هو إذاً كتاب يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من إجابات ويشرح مبررات الرفض أكثر مما يفسر أسباب القبول ويمزق أستار الوهم والخداع وسوء النية والقصور والعجز عن الاكتمال التي تلف المسرح في أشكاله الأربعة التي ناقشها، (المسرح الميت والمقدس والخشن والمباشر).

وفي مجال بحثه يدور حول ثوابت ثلاثة هي الممثل والمخرج والجمهور، وإذا كانت كتابات كثيرة قد نشرت حول الممثل وفن التمثيل وبدرجة أقل حول المخرج ووظيفته، فلعل فناناً معاصراً لم يتناول دور الجمهور بهذا الشمول والنفاذ كما تناوله بروك.

الجمهور في قلب التجربة

يضع بيتر بروك الجمهور في قلب التجربة المسرحية ويلقي عليه عبئها "هنا ترجع المشكلة مرة أخرى إلى المتفرج، هل يود أي تغيير في شروطه؟ هل يود أن يتغير شيء في نفسه أو حياته أو مجتمعه؟ إذا لم يكن يريد فهو ليس بحاجة إلى المسرح، من حيث هو امتحان قاس، منظار مقرب، أضواء كاشفة.

من ناحية أخرى قد يود أن يكون المسرح هذا كله، وفي هذه الحال لن يصبح في حاجة إلى المسرح فقط، لكنه بحاجة لكل شيء يستخرجه منه، بحاجة ملحة إلى الأثر الذي يخدش وإلى أن يبقى هذا الأثر ولا يزول.

يرى بروك أن القوة الدافعة للمسرح الكلاسيكي والتجاري على السواء ظلت طوال قرون هي إحداث أثر في الجمهور، وجاء رد فعل المسرح التجريبي اليوم كي يمضي إلى أقصى النقيض، ومن أجل أن تظل الآلة المسرحية دائرة بكفاءة فإن العلاقة بالجمهور هي الخيوط التي تربط أجزاء الآلة معاً.

المسألة ليست فقط هي الحصول على ضحك الجمهور أو تصفيقه، وما أسهل أن ينزلق ممثلون ومخرجون إلى النظر للجمهور باعتباره عدداً وباعتباره متقلب المزاج، فحتى الفنانون الجادون يتخذون إزاء الجمهور أحد موقفين، إما أن يعملوا على كسبه واستمالته والسيطرة عليه وجلده بالسياط وإرغامه على الصمت وامتلاكه، وإما تجاهله "فلنعمل لأنفسنا كأنه ليس موجوداً هناك".

السبيل إلى تعلم علاقة مختلفة مع الجمهور يحدده بروك بأنه القيام بسلاسل طويلة من الارتجالات بعيداً مما اعتاده جمهور المسرح في خضم الحياة، من دون شيء معد من قبل على الإطلاق، مثل حوار حقيقي يمكن أن يبدأ من أي نقطة ويمضي في أي اتجاه.

بهذا المعنى يأتي الممثلون إلى الجمهور وهم مستعدون لتقديم حوار لا تقديم عرض، ومن الناحية التقنية فإن إخراج الحوار المسرحي يعني خلق مواضيع ومواقف لهذا الجمهور الخاص، تتيح له أن يؤثر في تطور الرواية خلال العرض.

علاقات مختلفة

ينصح بيتر بروك الممثل بأن يبدأ بتحسس الجمهور بأبسط الطرق، كأن يلعب بموضوع ما أو يتكلم أو يقدم شذرات من العلاقات الإنسانية من طريق الموسيقى والرقص والغناء، وهو من خلال ذلك يسبر استجابات الجمهور، تماماً كما في المحادثة حين تستشعر على الفور ما الذي يعني الشخص الآخر ويهمه، وحين يجد الممثل الأرض المشتركة ويبدأ في تنميتها يجب أن يضع في اعتباره كل الإشارات الصغيرة التي تومئ إلى استجابات جمهوره، وسرعان ما يحس الجمهور بهذا ويفهم أنه شريك في تنمية الفعل، وسيحس بالدهشة والسعادة لاكتشاف أنه يلعب دوراً في الحدث.

هكذا اكتشف بروك خلال تجاربه في أفريقيا وأميركا وفرنسا وهو يقدم أعماله في القرى النائية وفي المناطق الحضرية الخشنة، أمام الأقليات العرقية والمسنين والأطفال والجانحين وقاصري العقل والصم والعميان، أن ليس هناك عرضان متطابقان على الإطلاق، مما يعني الاستجابة في كل مرة لما يمس الجمهور ويجعله قريباً من العرض ومشاركاً فيه.

وقد تعلمنا، كما يقول بروك، أن الارتجال تقنية صعبة على نحو استثنائي ودقيق، ومختلف كل الاختلاف عن تلك الفكرة البالغة العمومية، عن "الحادثة" أو "الواقعة" التلقائية.

الارتجال يقتضي مهارة فائقة من جانب الممثلين في كل نواحي المسرح، ويتطلب تدريباً خاصاً وقدرة هائلة على العطاء وحساً بالفكاهة، والارتجال الأصيل الذي يتصاعد إلى التقاء حقيقي لا يحدث إلا حين يحس المشاهدون بأنهم موضع حب الممثلين واحترامهم.

رحلات طويلة

لقد قطع بيتر بروك وفريقه من الممثلين ذوي الجنسيات المختلفة والأطر الثقافية المتباينة رحلات طويلة ليقدموا عروضهم في وسط أفريقيا وأطراف استراليا وأماكن مختلفة من آسيا وأميركا.

تجربة فنية وإنسانية لم يفعلها غيره، إذ قدم عروضاً لا تقل أهمية عن سابقاتها في المسرح المعاصر، مثل "أورغاست" عن كتاب الزرادشتيين القديم، "الأفستا" عام 1971، و"الأيك" عن قبيلة أفريقية تعاني الجفاف والمجاعة في 1975، و"اجتماع الطير" عن نص الشاعر الفارسي فريد الدين العطار في 1979، و"المهابهاراتا" الملحمة الهندية الرهيبة العام 1986 وسواها.

وكمثال لما يؤدي إليه مثل هذا البحث يكتب بروك عن "اجتماع الطير" أن "هذا العمل في تطور دائم، ولعبنا عدداً من صياغاته في أفريقيا وعدداً آخر في باريس وكثيراً عبر أميركا، وفي النهاية كنا نغير أطقم الممثلين على نحو دوري كل ليلة حتى يكتسب كل عضو في الجماعة فهماً جديداً لكل دور، وفي الأسبوع الأخير أصبح لدينا سبعة أزواج من الممثلين مسؤولين عن سبع صياغات للعمل، والليلة الأخيرة كانت تضم ثلاثة عروض يبدأ الأول في الثامنة مساء والثاني منتصف الليل والثالث في الفجر، وأول العروض كان ارتجالياً وثانيها كان هادئاً ملتزماً بالنص وثالثها كان ذا طابع احتفالي".

احترام الآخر

اللافت في اختيارات بروك أنه لم يكن محاصراً داخل أطر ثقافته الإغريقية الأوروبية أو قاصراً عليها، بل هو قادر على أن يبحث في تقديم "أوديب" كما يبحث في تقديم "الملك لير"، ويلتفت في الوقت ذاته نحو كتاب الزرادشتيين القديم، وصوفية فريد الدين العطار والملحمة الهندية الكبيرة "المهابهاراتا"، وهو حين يقترب من تلك الإبداعات الكبيرة الصادرة عن ثقافات أخرى فهو لا يقترب منها بأفكار مسبقة أو قوالب جاهزة، بل عليه أن يفسر مادته كي تتلاءم داخلها، لكنه يقترب منها باحترام ومحبة ورغبة صادقة في فهم منطقها الداخلي والوظيفة التي كانت تؤديها في الثقافة التي صدرت عنها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يؤمن بيتر بروك دائماً بفكرة الاختلاف ولا يدعي أبداً امتلاك اليقين، "لم أؤمن يوماً بوجود حقيقة واحدة مفردة، لا حقيقتي أنا ولا حقائق الآخرين، وإنني أعتقد أن كل المدارس والنظريات يمكن أن تكون مجدية في مكان ما وزمان بعينه، لكنني اكتشفت أيضاً أن الإنسان لا يمكن أن يعيش من دون توحد حار ومطلق بوجهة من وجهات النظر، ثم يمضي الزمن فنتغير نحن ويتغير العالم، ومن ثم تتبدل الأهداف وتتحول وجهات النظر.

إنني أنظر ورائي إلى سنوات طويلة حافلة بكتابة المقالات والحديث عن أفكار في أماكن مختلفة ومناسبات لا حد لتنوعها، ويفاجئني وجود شيء واحد ثابت ودائم، وكي يصبح لوجهة النظر فائدة ما فيجب أن يلتزم بها صاحبها التزاماً كاملاً، وأن يدافع عنها حرفياً حتى الموت".

دروس الإخراج

وعن كيفية تعاطيه مع العمل المسرحي يقدم بروك درساً لكل مخرج، فهو حين يبدأ العمل في مسرحية يبدأ بإحساس داخلي عميق من دون شكل كأنه رائحة أو ضوء أو ظل، وهذا أساس مهنته وأساس دوره كما يقول، وهو إعداده لبداية التدريبات على المسرحية التي سيشرع فيها، وثمة إحساس داخلي من دون شكل وهو صلته بالمسرحية واقتناعه بأن هذه المسرحية يجب أن يتم إخراجها اليوم. ومن دون هذا اليقين لن يستطيع إخراجها. يقول، "الإعداد يعني التقدم نحو تلك الفكرة، فأبدأ بإقامة المشهد المسرحي ثم أحطمه، أقيمه ثم أهدمه، وأنا أفكر في حلول له، أي نوع من الأزياء والأدوات؟ أي نوع من الألوان؟ وتلك كلها أدوات اللغة التي يمكن أن تجعل هذا الإحساس الداخلي أقرب إلى أن يكون أكثر تماسكاً، وتدريجاً سينبثق عنه الشكل، وهو شكل يجب إخضاعه للتجريب والتعديل، لكنه يبقى شكلاً قد انبثق وهو ليس مغلقاً، لأنه ليس إلا المشهد المسرحي، فالمشهد ليس سوى الأساس، المنصة، ثم يبدأ العمل مع الممثلين".

حرية الممثل

إن العمل في التدريبات يجب، كما يقول بروك، أن يخلق جواً عاماً يشرع فيه الممثلون بملء حرياتهم في تقديم كل مايمكنهم تقديمه للمسرحية، لهذا سيكون كل شيء مفتوحاً وطلقاً في المراحل الأولى من التدريبات، ولا يفرض عليها شيئاً على الإطلاق، وبمعنى من المعاني فإن هذا يعارض على خط مستقيم التكنيك الذي يستخدمه المخرج الذي يلقي خطاباً في اليوم الأول للتدريبات، يتحدث فيه عن المسرحية ومنهجه في الاقتراب منها. يقول، "هكذا سنبدأ التدريبات. قد نبدأها باحتفال، نبدأها بأي شيء، ولكن لا نبدؤها أبداً بالأفكار".

إن بوسع المخرج كما يقول بروك أن يتعامل مع المسرحية مثل الفيلم السينمائي، ومن ثم فهو يستخدم كل العناصر المسرحية من ممثلين ومصممين وموسيقيين وكأنهم خدم له، من أجل أن ينقل للعالم كله ما يريد أن يقول، ويرى بروك أننا يجب أن نقسم فعل الإخراج من منتصفه تماماً، فنصف الفعل ينصرف للإدارة والتوجيه، أي تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات، وأن تكون له الكلمة الأولى والأخيرة في الرفض والقبول، أما النصف الثاني فينصرف إلى تحقيق الاتجاه الصحيح للعمل، وهنا يصبح المخرج قابضاً على الدفة.

المزيد من ثقافة