Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا ساعدت أقمار التجسس على منع نشوب حرب عالمية

أطلقت عصر المراقبة المستمر للعدو وأنهت عنصر المفاجأة في المعارك

أصبحت أقمار التجسس ميدان معركة رئيس خلال الحرب الباردة (ناسا)

يرتفع منطاد مخصص لرصد الطقس في هواء القطب الشمالي حاملاً معه الميكروفيلم. تنقض طائرة روسية من طراز "ميغ" تحلق بسرعة "ماخ 2" [= ضعفي سرعة الصوت]، لإيقاع المنطاد في شرك. ولكن، يضغط الكابتن فيراداي على زر التحكم من بعد، فيما يحدّق في السماء الباردة أثناء وقوفه على الجليد. تنفجر كبسولة الفيلم ويسقط الحطام على الثلج. ويتراجع الجيشان اللذان يواجهان بعضهما بعضاً عبر [منطقة مليئة بـ] النفايات الباردة، في العاصفة الثلجية.

صحيح أن هذه خاتمة فيلم من بطولة ممثلين هوليووديين كروك هدسون وباتريك ماكغوهان، وليست مواجهة بين "الجيش الأحمر" السوفياتي ومجموعة من العملاء السريين الغربيين، لكنها على الأغلب واحدة من أفضل النهايات لحبكة روائية عن "الحرب الباردة" في التاريخ السينمائي. والأهم من هذا هو أن "محطة الجليد زيبرا"، التي كتبها الروائي ألاستير ماكلين، استندت إلى شيء حقيقي.

لقد أُرسِلَ هدسون الذي أدى دور فيراداي قائد الغواصة الأميركية، إلى القطب الشمالي لاستعادة فيلم أسقط هناك عقب إخراجه من قمر استطلاع. وكان [فيراداي] يسابق للتغلب على السوفيات الذين استماتوا للحصول على الفيلم. وفي ستينيات القرن العشرين، كانت أمور كهذه تجري فعلاً.

ومن المنصف أن يُقال اليوم إننا معتادون على أن نكون تحت المراقبة، سواء أكانت النتيجة حسنة أم سيئة. ويجري ذلك إما عبر تلفزيونات الدارة المغلقة في مخازن السوبرماركت، أو لأن عاداتنا في التسوق عبر الإنترنت تؤدي إلى نشوء عدد غير محدد من الخوارزميات [معادلات رياضية في برامج الكومبيوتر] المصممة كي تبيعنا مزيداً من السلع. ونبدو غير منزعجين بالقدر نفسه حين نعرف أن الأقمار الاصطناعية التي تدور حول كوكبنا تسجل كل شيء من تدمير الغابات إلى مستويات التلوث ووصولاً إلى المنشآت العسكرية لقوى أجنبية. إنّ هذا واضح تماماً. وتشكّل معلومات استخباراتية مستقاة من الأقمار الاصطناعية مصدراً للكثير مما نعرفه عن الغزو الروسي لأوكرانيا.

وبالعودة إلى ستينيات القرن الماضي، لم تكن الحال على هذا النحو إبّان ذروة "الحرب الباردة" بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ففي ذلك الوقت، إذا أردت أن تلقي نظرة خاطفة على أراضي العدو، لكنت في حاجة إلى إرسال طائرة إلى مجاله الجوي تكون قادرة على التحليق على ارتفاعات عالية، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر واضحة. لقد أرسلت الولايات المتحدة طائرات تنهض بمهمات من هذا النوع منذ عام 1956، لكن حينما أُسقِطَتْ طائرة التجسس من طراز "لوكهيد يو- 2" التي قادها الطيار الأميركي غاري باورز فوق جبال الأورال في مايو (أيار) 1960، لاحظ كبار الضباط وجود حاجة إلى أدوات أكثر تعقيداً من أجل مراقبة الجانب الآخر من "الستار الحديدي" [تعبير أُطلِقَ على الحدود الفعلية والمعنوية بين المعسكرين الغربي والسوفياتي إبّان الحرب الباردة].

ولقد أُعطي برنامج القمر الاصطناعي "كورونا" المخصص للاستطلاع الجوي بالصور، الضوء الأخضر من قبل الرئيس دوايت إيزنهاور في عام 1958. ويشرح جيمس ديفيد، وهو أمين في قسم تاريخ الفضاء في "متحف سميثسونيان الوطني للطيران والفضاء" في واشنطن العاصمة، أن الرئيس "أصدر مرسوماً ينص على أنه [البرنامج] سيكون مشروعاً مشتركاً بين وكالة الاستخبارات المركزية والقوى الجوية الأميركية". وأضاف ديفيد، "أدى ذلك في النهاية إلى إنشاء "مكتب الاستطلاع الوطني" في عام 1961. وبحلول الوقت الذي أُسقِطَتْ فيه طائرة باورز، لم يكن أي قمر اصطناعي قد أُطلق بالفعل". ومن الجلي أنه وُجِدتْ ضرورة ملحة لدفع عجلة برنامج القمر "كورونا" إلى الأمام بالسرعة الممكنة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي يونيو (حزيران) 1960، أُطلق قمر اصطناعي إلى مدار قطبي مع إدّعاء أنه مخصص لقياس الإشعاع الشمسي، وذلك بعبور أراض سوفياتية. وحمل ذلك القمر اسم "سولراد". ويذكر ديفيد "لكن كان له أيضاً استخدام مختلف". فقد شكّل اختباراً تجريبياً للقمر "كورونا". ويوضح ديفيد، "لقد شُغِّلَ 34 مرة قبل أن يتوقف عن العمل، بيد أنه عمل في البحث عن محطات الرادار داخل الاتحاد السوفياتي والصين". وكان "سولراد" أول قمر اصطناعي للاستطلاع العسكري.

وبحلول ذلك الوقت، بات القمر الاصطناعي "كورونا" ذاته جاهزاً للإطلاق. وبعد محاولات عدة غير ناجحة، أُرسِلَ القمر الاصطناعي الأول إلى المدار في 10 أغسطس (آب) 1960. ولم يحمل أي فيلم لكن كانت على متنه كبسولة اختبار جرى إخراجها بنجاح، وجرت استعادتها بعدما غاصت إلى قاع المحيط الهادئ. وشكَّلتْ تلك الكبسولة أول جسم صنعه الإنسان جرت إعادته من الفضاء بسلام.

ويذكر ديفيد "على الرغم أنه كان من المفترض أن يكون سرياً للغاية، لم يستطع السياسيون أن يسيطروا على أنفسهم. ونُقِلَتْ الكبسولة إلى البيت الأبيض حيث عقد أيزنهاور مؤتمراً صحافياً للتباهي بالإنجازات الأميركية". ويضيف ديفيد، "بعد ثمانية أيام، عبر القمر كورونا فوق الاتحاد السوفياتي ثماني مرات، وهو يحمل فيلماً هذه المرة. وقد صور في كل عبور أكثر مما غطته أي طائرة من نوع "يو 2" U2 على الإطلاق". وعلى ذلك النحو، بدأ عصر أقمار التجسس.

جرت العادة على قذف الكبسولات التي تحمل الأفلام [التي صورتها الأقمار الاصطناعية] خارج الأقمار بواسطة مظلات لضمان عدم تفككها عندما تصطدم بالأرض أو بمياه المحيط، وكي تتمكن طائرات من التقاطها في منتصف رحلة الهبوط [إلى الأرض]، تماماً على غرار ما صوّره فيلم "محطة الجليد زيبرا". لكن إذا ساءت الأمور، فإنها مصممة أيضاً كي تطفو لمدة 24 ساعة مع إصدارها إشارات منها [تدل على مكان وجودها].

وبطبيعة الحال، لم تجرِ الأمور دائماً وفق ما خُطِّطَ لها. إذ حمل كل قمر اصطناعي مبكر كبسولتين، عُرفتا باسم "دلاء الأفلام"، وحُميَتا بواسطة درع حراري خلال رحلة العودة إلى الأرض [أثناء عودتها من القمر الاصطناعي إلى الأرض، يؤدي احتكاك الكبسولة مع الهواء في الغلاف الجوي للأرض إلى توليد حرارة مرتفعة على سطحها. بالتالي، توجّب حمايتها من تلك الحرارة بواسطة الدرع الحراري]. وفي العادة، تنفتح المظلات التي تحمل تلك الكبسولات على ارتفاع 60 ألف قدم. وحتى حينما اشتغلت المظلات بشكل جيد، فقد كان ممكناً أن تنحرف الكبسولات بشكل ملحوظ عن المسار. وغالباً ما كانت الكبسولات المفقودة تغرق على الفور. وفي عام 1964، فوجئ عمال مزرعة في فنزويلا حين وجدوا محصولهم من قصب السكر وقد بات مسطحاً بفعل حاوية معدنية كبيرة كتب عليها "سريّ". ومنذ ذلك الوقت، وضعت "وكالة الاستخبارات الأميركية" على جانب "دلاء الأفلام" تعليمات تشرح بلغات مختلفة ما يتوجب عمله حينما يُعثر عليها.

وفي هذه الأثناء، أطلق السوفيات القمر "زينيت" في عام 1962. وبينما كان البريطانيون والفرنسيون والصينيون سيطلقون في نهاية المطاف أقمارهم الاصطناعية الخاصة، فإن القوتين الأعظم [أميركا والاتحاد السوفياتي] نفّذتا القسط الأكبر من ذلك النشاط المداري المبكر. وكان أول قمر استطلاع سوفياتي هو في الواقع نسخة معدلة من مركبة "فوستوك" الفضائية التي حملت رائد الفضاء السوفياتي يوري غاغارين في أول رحلةٍ بشرية إلى الفضاء قبل عام واحد من ذلك التاريخ. وفي ديسمبر (كانون الأول) 1961، فشلت المحاولة الأولى بشكل مذهل فكان لا بد من تدميرها من بُعد في أعقاب الإطلاق. لقد تعلّم السوفيات من أخطائهم، شأنهم شأن الأميركيين.

وتظاهر السوفيات، على غرار ما فعل الأميركيون أيضاً، بأن "زينيت" يستخدم للبحث العلمي حصراً، وأطلقوا عليه أسماً عاماً هو "كوزموس". ولم يحمل القمر "زينيت" كبسولات أفلام كي يقذفها إلى الغلاف الجوي، فكان لا بد من إعادة المركبة الفضائية بكاملها إلى الأرض في عملية عقد المهندسون الأمل على أن تكون هبوطاً في كازاخستان يجري التحكم به. وفي أكثر من مرة، لم يتبقَ من المركبة سوى كومة من الرماد الطري المحروق. في بعض الأحيان، لم تهبط بقايا المركبة حتى على الرقعة التي خُطِّطَ أن يجري الهبوط فيها. وقد هبط أحد أقمار "زينيت" في مياه نهر الفولغا على بعد أمتار من صيادي أسماك مذهولين.

وفيما جاءت الرحلات الجوية قصيرة، إذ لم تستغرق أحياناً أكثر من 4 أيام، فإن أقمار "كورونا" بقيت في الجو إلى حين استهلاك الفيلم بأكمله. كانت أنظمة "زينيت" معقدةً للغاية. إذ زُوّدت تلك الأقمار الاصطناعية برابط لاسلكي آمن لا يستقبل البيانات إلا حين يعبر فوق أراضٍ سوفياتية، وذلك لتفادي التدخل [في مهمته] من قبل عملاء أجانب.

وقد استعملت أقمار "كورونا" المبكرة شريط أفلام خاص من مقاس 70 مللم طوّرته شركة "كوداك" كي يتيح للأقمار التقاط صور بزاوية واسعة. وحمل كل قمر اصطناعي ما يقدر بـميل ونصف الميل من الأفلام. وإذا كان ذلك يبدو طويلاً بشكل استثنائي، فمع وصول الوقت الذي حلت فيه كاميرات استطلاع رقمية محل الأقمار الاصطناعية، اعتمدت الأخيرة على الأفلام العادية التي تطاولت بشكل مذهل لتبلغ 60 ميلاً للشريط. وربما كان من المفارقات أن الفيلم صار بطول يكاد يعادل المسافة بين ألاسكا وروسيا عبر "مضيق بيرينغ". وجرى إرساله في ثمانية دلاء.

 

ومن أجل معايرة كاميرات القمر الاصطناعي واختبار دقتها، أنشأت القوات الجوية الأميركية شبكة من الصلبان الخراسانية في صحراء أريزونا. وهناك 267 من هذه الصلبان، يقع الأول على بعد ميلٍ من الثاني، فيما يقف الأخير على مسافة بوصة واحدة من الذي يسبقه مباشرة، إذ تتضاءل المسافات الفاصلة بين تلك الصلبان بصورة تدريجية. ويشير ديفيد إلى أن "أقمار كورونا المبكرة كان يمكنها أن تكتشف أجساماً يبلغ ارتفاعها حوالي 40 قدماً من ارتفاع يصل إلى قرابة 100 ميل (...) وحتى في ذلك الوقت لم تستطع بالضرورة تحديد طبيعة ذلك الجسم. وفي الوقت الذي جرى فيه التوقف عن استعمال الأقمار الاصطناعية التي تعتمد على الأفلام التقليدية في سبعينيات القرن الماضي، وصلت تلك الدقة إلى 12 بوصة أو كانت أفضل من ذلك. لا نعرف تحديداً لأن جزءاً من البيانات، بل الكثير منها، لا يزال سرياً حتى الآن".

ويشير ديفيد إنه يشعر بالاحباط لأن الولايات المتحدة لا تزال متكتمة على كثير من المعلومات [التي جمعتها] أقمارها الاصطناعية التجسسية. ويتابع "لقد تغير العالم، ومعظمها [المعلومات] لم يعد لها صلة [بنا] اليوم". لكن على الرغم من مطالبات متكررة، لم يجر رفع السرية رسمياً إلا عن أجزاء ضئيلة منها. وفي عام 1995، أمر الرئيس بيل كلينتون بنشر 860 ألف صورة [التقطها] برنامج القمر "كورونا" بين عامي 1960 و 1972، فوضعت قيد الاستخدام العام. بالتالي، كانت تلك آخر مجموعة كبيرة من صور أقمار التجسس يجري وضعها قيد الاستخدام في المجال العام.

وفي مرحلة مبكرة من برنامج "كورونا"، التقطت تلك الأقمار الاصطناعية صوراً فوتوغرافية بشكل مستمر مع وجود فترات توقف منتظمة، الأمر الذي يعني أن كثيراً من هذه الصور يكاد يكون عديم القيمة. وفي مرحلة تالية، أُنتِجَتْ أقمار اصطناعية يمكن إيقافها عن العمل عند عبورها فوق أراضي دول صديقة أو فوق المحيط، بغية الحفاظ على مساحة أفلامها من أجل تصوير أراضٍ سوفياتية أو أحياناً صينية.

وبقدر ما أثبت القمر "كورونا" أنه مفيد، إذ التقط صوراً لحوالي 750 مليون ميل مربع من كوكبنا في أكثر من 120 مهمة، إلا إن الكاميرات والأفلام الأخف وزناً والأفضل نوعية، دفعت بالجيش الأميركي إلى المطالبة باستبداله. ووفق أحد مؤسسي "مكتب الاستطلاع الوطني"، سيدني دريل، "كنا في حاجة إلى القدرة على تصوير مؤخرة بريجينيف، ولم يكن هناك حل آخر".

من المفترض أنه لم يجرِ التقاط أي صورة بالأقمار الاصطناعية للجزء الخلفي من [جسم] الرئيس السوفياتي، لكن "الجيش احتاج إلى معرفة مواقع المطارات، ومجمعات الصواريخ، ومنشآت الرادار، والمفاعلات النووية"، بحسب تعبير ديفيد. ويتابع، "كانت المشكلة الدائمة هي أن [أراضي] الاتحاد السوفياتي تمتد على 11 منطقة زمنية". وتمثّل الحل في إطلاق الأقمار الاصطناعية المسماة "غامبيت" التي اشتغلت لاحقاً جنباً إلى جنب مع نظام "هكساغون"، وهو نوع آخر من الأقمار الاصطناعية التي تعتمد على الأفلام التقليدية. وقد استطاع الأخير أن يستوعب تصوير مساحة قدرها 370 × 15 ميلاً بحرياً بدقة عالية.

وعلى الرغم من السرية الرسمية، فقد أُفرِجَ عن نماذج لعمل القمرين الاصطناعيين "غامبيت" و"هكساغون" في عام 2011، وعُرِضَتْ في "متحف الفضاء والجو" ليوم واحد مفرد، وذلك بعد مرور 25 عاماً كاملة من انتهاء مهماتهما. وذكر أولئك الذين عملوا على تصميمها وتشغيلها أن زوجاتهم ستتمكن في نهاية المطاف من رؤية ما الذي كانوا يفعلونه "في المكتب" طيلة سنوات عدّة.

في ذلك الوقت، تمتع "غامبيت" بطاقة تتكفل بإبقائه ناشطاً لوقت طويل. وقد أُطلق أول هذه الأقمار في عام 1963 وآخرها في عام 1984، مع وجود نية لتنفيذ مهمات قصيرة للغاية، بلغ معدلها الوسطي حوالى 6 أيام، بهدف الحصول على "معلومات محددة عن القدرات التقنية والعلمية التي تهدد البلاد". وفي البداية، استعمل "غامبيت" كاميرات ستيريو لبناء صور ثلاثية الأبعاد لصوامع الصواريخ السوفياتية.

وفي وقت لاحق، وبعد عقد شراكة مع "هكساغون"، استطاع "غامبيت" أن يحدد منطقة تنطوي على أهمية محتملة، وبعد ذلك يجري "هكساغون" مناورة [حول هذا الموقع] الذي من المرجح أن يكون في معظم الحالات مخبأ صواريخ، أو مطاراً أو قاعدةً عسكريةً، من أجل تصويره بدقة أعلى. وبخلاف ذلك، استعملت تلك الأقمار الاصطناعية لتحديد المحاصيل الزراعية وإزالة الغابات أو التلوث في دول الكتلة الشرقية، ما يساعد على تحديد [مستوى] الأمن الغذائي للاتحاد السوفياتي والأذى الذي يلحق ببيئته جرّاء عمليات التصنيع المنفلتة من القيود. ووصف دريل ذلك، "قد بدأنا ندرك أننا لن نحتاج إلى أسلحة نووية (...) لأنهم كانوا يقومون بتسميم بلادهم بشكل جيد بأنفسهم".

وعلى غرار معظم أقمار الاستطلاع التي أطلقت لاحقاً، جاء القمر "هكساغون"، الذي أطلِقَ أولاً في 1971 من قاعدة "فاندنبورغ" الجوية في كاليفورنيا، بحجم عملاق يساوي حافلة بطابق واحد. وأُطلِق عليه لقب "الطائر الكبير". وذكر موقع "سبيس دوت كوم" أن المؤرخ العسكري دواين داي وصف القمر "هكساغون" بأنه "تكنولوجيا قوية للغاية. وحينما أُطلِقَ، بدا السوفيات [قد أصبحوا] فجأة متخلفين بعشر سنوات". وقد زُوّدَ بكاميرات دوّارة بدلاً من العدسات الثابتة، وكانت تتحرك ذهاباً وإياباً في عملية شبهها المشغّلون بــ"جزّ العشب". ويوضح فيل بريسيل، مصمم الكاميرات [التي زوّد بها هكساغون]، أنها تعتبر حتى الآن النظام الأكثر تعقيداً الذي وضعته الولايات المتحدة على الإطلاق في المدار ولكن، "لأسباب واضحة، لا أستطيع أن أتباهى بذلك على الإطلاق. فحتى في المختبر، تحدّثنا بلغة مشفرة ولم نستعمل قط كلمات كـ"فيلم" بل سميناه دائماً "مادة"، وذلك كتحوّط من وجود أحد ما يسترق السمع".

جاءت مهمات "هكساغون" أطول بشكل كبير من مهمات "كورونا" أو "غامبيت"، إلا أن مشكلات الكبسولات التي تحمل الفيلم [من القمر الاصطناعي وتعود بها إلى الأرض]، بقيت مستمرة. وفي 1972، غرق أحد "دلاء الأفلام" من إحدى رحلات "هكساغون" المبكرة على الفور حينما اصطدم بمياه المحيط الهادئ عقب إصابة مظلاته بأضرار بسبب طائرة أُرسلت لإمساكها. واحتوى [دلو الأفلام] على صور لقواعد غواصات سوفياتية استمات الأسطول الأميركي للحصول عليها. وكانت مركبة غواصة الأعماق "تريستي 2" التابعة للأسطول قد أرسلت لاستعادة ذلك "الدلو" من عمق 3 أميال تحت سطح البحر. في تقريره الرسمي، ذكر قائد الغواصة "في محاولتي الأولى للإمساك به، دفعته أكثر في الطمي (...) لكننا حفرنا أكثر، وجرفناه إلى الأعلى مع طن من الترسبات ودلو مملوء بمخلوقات أعماق البحار. ثم صعدنا به إلى السطح".

استطعنا أن نعرف متى يجري إطلاق صاروخ من المجمع "أ"، ويطير نحو الهدف "باء" بسرعة "إكس"، وعلى ارتفاع "واي"، ودقة قدرها "زد". وشكّل الأمر إنجازاً تقنياً مدهشاً بالنسبة إلى ذلك الزمن

لقد نُفّذت المهمة بنجاح، خلافاً للرحلة رقم عشرين والأخيرة لـ"هكساغون" التي وصلت إلى نهاية معيبة. وفي 26 أبريل (نيسان) 1986، بعد أشهر قليلة من كارثة المكوك "تشالنجر" [الذي انفجر في الفضاء بعد ثوانٍ من إطلاقه، وقضى الرواد الذين كانوا على متنه] وفي اليوم نفسه الذي وقع فيه الانفجار في محطة "تشيرنوبل" النووية في أوكرانيا، انفجرت مركبة إطلاق القمر الاصطناعي، وهي صاروخ "تيتان 34 دي المعزز"، بعد ثوان من إقلاعها.

بالتالي، مثّلت كرة النار [الانفجار] نهاية مؤسفة لعصر التجسس بالأفلام. وإنّ هي إلا فترة بسيطة حتى حلت سلسلة "كينن" من الأقمار الاصطناعية التي تستخدم كاميرات رقمية ترسل صوراً مشفرة إلى الأرض، بديلاً من برنامج القمر "هكساغون". وقد جربت الولايات المتحدة حظها من قَبل مع نظام شبه رقمي. إذ عمل برنامج أقمار "ساموس" الاصطناعية التي قُصِدَ منها ذات يوم أن تكون بديلاً من أقمار "كورونا"، على تظهير أفلامه الملتقطة في الفضاء قبل إجراء عملية مسح إلكتروني لتلك الصور ثم إرسال اللقطات إلى الأرض عبر تقنية البث من بُعد بتقنية تعتمد معايير الراديو. بيد أن تشغيل مختبر تصوير يعمل بصورة أوتوماتيكية [بغية تظهير الأفلام] في المدار، هو أمرٌ يتطلب حيزاً ووقتاً، بل إنه غالباً ما أُصيب بأعطال. ومثّلت سلسلة "كينن" تحسناً لافتاً. وقد انتهى العالم السري لإخراج الأفلام [من الأقمار الاصطناعية إلى الغلاف الجوي للأرض] ثم الاندفاع لاستعادتها.

وطوال تلك الفترة، أجرى الاتحاد السوفياتي بطبيعة الحال تحسينات على أنظمة أقماره الاصطناعية. هكذا حلّتْ أقمار "يانتار" بديلاً من "زينيت" في عام 1981. ونظراً إلى أن القمر "زينيت" يبقى على علوٍ مرتفع طيلة أيام معدودة، فقد احتاج برنامجه إلى أكثر من 600 عملية إطلاق. وإذ استطاع القمر "يانتار" مواصلة الدوران فترة أطول [من كورونا]، فإنه قد استُبدِل أخيراً بالاستغناء عن وضع أقمار اصطناعية تحمل أفلاماً تقليدية، في مدارات تجسسية حول الأرض. وفي وقت لاحق، عُدِّل كي يعمل عبر التقاط الصور الرقمية. وعلى غرار القمر "هكساغون"، فقد طور الاتحاد السوفياتي قمراً اصطناعياً أكبر، أطلق عليه "أورليتس"، من أجل العمل بالتوازي مع "يانتار". وفي نهاية حياته التشغيلية، حُمِّلَ القمر "أورليتس" بـ22 عبوة أفلام قابلة للاسترجاع من الفضاء. وجاء في قصة نشرتها إحدى الصحف الروسية في سبعينيات القرن العشرين، ومن المحتمل أن تكون مختلقة، عن عبوة قذفها قمر اصطناعي للتجسس فوق منطقة البحر الكاريبي وسقطت في البحر تماماً على حافة المياه الإقليمية الكوبية. وكان هناك بحّار عادي من دون رتبة، على متن سفينة تابعة لسلاح البحرية الأميركية عند نهاية الحدود البحرية للولايات المتحدة مع كوبا، التي تعتبر دولة حليفة للاتحاد السوفياتي. وقد رُصِدَ ذلك البحّار بواسطة زورق دورية كوبي. وحمل البحّار رمحاً طويلاً للغاية، يصل إلى منطقة المياه الكوبية، في محاولة لاصطياد ما بدا أنه عبوة الفيلم [التي أسقطها قمر تجسس سوفياتي] بواسطة خطّاف. واختار الكوبيون إطلاق النار على تلك العبوة وإغراقها بدلاً من أن تقع في أيد أميركية. ويذكر ديفيد أنه "لا يوجد تسجيل فعلي يُظهر فيلم لقمر اصطناعي يقع في يد الطرف الآخر(...). وقد شكّل ذلك الأمر مصدر خوف دائم لكلا الجهازين السريين [في الولايات المتحد والاتحاد السوفياتي]".

في حادث مشابِه، انفتحت مظلات إحدى عبوات الأفلام الآتية من أحد أقمار "أورليتس"، قبل الأوان بشكل عرضي، بالقرب من الحدود الفنلندية. وتفاقمت المشكلة بسبب الرياح العاتية التي دفعت بمظلات العبوة باتجاه الغرب. وجرى تنبيه حراس الحدود السوفيات من قبل المراقبين الجويين إلى أن عبوة ربما تكون قد سقطت على الجانب الفنلندي من الحدود. ولحسن حظهم، لم يكن الأمر كذلك. فقد اصطدمت العبوة بمركز حدودي وحطمت سقفه وذلك على بعد 25 متراً من فنلندا. ولحسن الحظ، لم يكن هناك أحد في الداخل.

وبطبيعة الأمر، تضمنت مهمات أقمار المراقبة ما هو أكثر من التصوير، أو صناعة الصور وفق مصطلح تداوله العملاء السريون. فقد استخدمت الأقمار الاصطناعية في الكشف عن منصات إطلاق صواريخ العدو واختبارات الأسلحة النووية. كذلك عملت على اعتراض الإشارات والكشف عن الرادارات. ويستعمل البعض الرادارات في وضع صور للتضاريس والبنى الواقعة تحتها، وهذا مفيد خصوصاً في الليل أو في ظروف [تكون فيها السماء] ملبدة بالغيوم وهي تعتبر بمثابة اللعنة بالنسبة لمشغلي الاستطلاع الأرضي بالصور.

ويلفت ديفيد إلى أنه "غالباً ما كانت استخبارات الإشارات مفيدة بمثل فائدة استخبارات التصوير. إذا كان بمقدورك أن تعترض رادار العدو فإنك تستطيع أن تحدد مواقع محطاته، وأن تطور تدابير مضادة من أجل التشويش على أنظمة الكشف الخاصة به. وعلى نحوٍ مماثل، فإن الاستخبارات المعتمدة على تقنيات القياس من بُعد التي يمكنها اعتراض الرسائل التي تبثّها الصواريخ إلى محطاتها الأرضية، لا تقدر بثمن. وبوسعك أن تعرف السرعة والارتفاع والمسار، وفي حالة السيناريو الأفضل، [تستطيع أن تحصل على] معلومات عن أنظمة التدمير الذاتي".

ويتابع، "نحن نعرف الكثير عن برنامج كوريا الشمالية بفضل ذلك [تقنيات القياس من بُعد]. ولكن، حتى في ستينيات القرن الماضي أمكَنَ الحصول على كثير من المعلومات الاستخباراتية عن برنامج صواريخ الخصم. وقد تمكنا من معرفة متى يجري إطلاق صاروخ من المجمع "أ"، وأنه يطير نحو الهدف "باء" بسرعة "إكس"، وعلى ارتفاع "واي"، ودقة قدرها "زد". وشكل ذلك انجازاً تقنياً مدهشاً بالنسبة إلى ذلك الزمن".

وفي ملمح متصل، طارت غالبية أقمار الاستطلاع في مدار قطبي كي يوفر لها تغطية أكبر لليابسة وأقل للمحيطات. وفي المقابل، وضع نظام "أوريون" الأميركي لأقمار الاستخبارات، مركباته بطريقة تمكنها من إعطاء الإشارات ضمن مدار ثابت بالنسبة إلى الأرض. وقد أثبت بأنه أفضل بكثير في تتبع إشارات الراديو التي تُبث أثناء رحلة كاملة لصاروخ من الإقلاع وحتى الاصطدام [بالهدف]. ونفذت أقمار "أوكو" السوفياتية وظيفة مماثلة.

إذن، هل تُستخدم أقمار الاستطلاع للأشياء السيئة وحدها؟ لا، ليس بعد الآن. لقد جرى نشرها من أجل إنفاذ حقوق الإنسان من طريق مراقبة جماعات المهاجرين جرّاء حروب كحرب كوسوفو أو جنوب السودان، وكذلك ساعدت في توجيه بعثات الإغاثة أثناء الكوارث الطبيعية. وسمح نشر صور القمر "كورونا" للعلماء أن يكتشفوا التغيرات البيئية ويدرسوا المواقع الاثرية القديمة من الأعلى.

وفي السياق نفسه، يُحكى إن أقمار الاستطلاع ساعدت، على غرار الأسلحة النووية التي تكتشفها [الأقمار]، في الحفاظ على السلام خلال "الحرب الباردة". فقد عرف كل طرف ما كان الآخر يفعله، وأدركا أيضاً أن كليهما لديه القدرة الواضحة على تدمير الآخر. وصرح الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في خطابه عن "حال الاتحاد" لعام 1980 بأن "أقمار الاستطلاع الجوي بالصور تملك أهمية كبيرة بالنسبة إلى استقرار الشؤون العالمية، وتقدّم مساهمة كبيرة للدول كافة".

وفي المقابل، تتمثّل الحجة المضادة في أن المراقبة من طريق الأقمار الاصطناعية لن تكون ضرورية في عالم خالٍ من الأسلحة النووية أو الجيوش. لكن، لا تزال تلك الأشياء موجودة. ويوضح ديفيد بشكل لا لبس فيه الإنجاز العظيم لبرنامج القمر الاصطناعي المبكر. ويشدّد على أن "المحصلة النهائية في هذا الشأن تتمثّل في أنه حينما يكون لديك استطلاع بالأقمار الاصطناعية، تأتي تغطيتك مستمرة وواسعة ومن دون مخاطر، على العكس مما يمكن اعتراضه [من أدوات مثل] الجواسيس على الأرض أو الطائرات. وكذلك تكون كمية المعلومات الاستخباراتية ونوعيتها ضخمة. وقد اكتشف القمر "كورونا" كل مجمعات صواريخ الاتحاد السوفياتي البالستية العابرة للقارات الـ25. ومن دون شك، شكّل ذلك الكشف الإنجاز الرئيس للبرنامج المبكر. وفي الوقت ذاته، كان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية يتعرف إلى ما لدينا منها [مجمعات صواريخنا]".

وحينما عُرِض القمران "هكساغون" و"غامبيت"، اعتبر روب لانديس، وهو مهندس في "مركز جونسون للفضاء" في هيوستون بولاية تكساس، أنه "عليك أن تنسب الفضل لأيزنهاور الذي كان من جيل لم يرغب بمزيد من المفاجآت، أو بمزيد من "بيرل هاربور" [إشارة إلى الغارة اليابانية المفاجئة على ذلك الميناء الأميركي، وتدمير جزء من الأسطول الأميركي فيه. وقد حدثت تلك الغارة ضمن الحرب العالمية الثانية. وسبقت انخراط الولايات المتحدة في معارك مباشرة ضد اليابان في آسيا]. بصراحة إن [برنامج الأقمار الاصطناعية] قد منع نشوب حرب عالمية ثالثة".

وفي عام 1967، أعلن الرئيس الأميركي ليندون جونسون "لقد أنفقنا ربما 40 مليار دولار على برامج الفضاء. وإذا لم تتمخض عن شيء سوى التصوير من الفضاء، فستكون جديرة بعشرة أضعاف تكلفتها، لأننا نعرف الليلة كم هو عدد الصواريخ التي يملكها العدو، واتضح أن تخميناتنا كانت بعيدة [عن الواقع]".

ومما لا شك فيه أن الرئيس السوفياتي ليونيد بريجينيف أخبر المكتب السياسي [للحزب الشيوعي السوفياتي، وهو أعلى مراتبه التنظيمية القيادية] في الكرملين الشيء نفسه. وسواء أكانت النتيجة حسنة أو سيئة، ومع وجود بعض المطبات على طول الطريق، فقد حافظت أقمار التجسس على الانفراج في فترة من تاريخنا كانت ربما شبيهة بالوقت الحالي، حينما مثّل الانفراج كل ما توجب علينا التشبث به.

 

نشر في "اندبندنت" بتاريخ 04 يوليو 2022

  

© The Independent

المزيد من فضاء