Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثلاثون عاما من دون الاتحاد السوفياتي... من المسؤول؟ (1-2)

بوريس يلتسين أمام محكمة التاريخ

استمد بوريس يلتسين شهرته وسطوته من المبالغة في تنفيذ تعليمات الحزب الشيوعي السوفياتي (أ . ب)

شأن الكثيرين من زعماء ذلك العهد، خرج بوريس يلتسين من معطف الحزب الشيوعي السوفياتي. استمد شهرته وسطوته من المبالغة في تنفيذ تعليمات هذا الحزب. استكانته للمقررات الحزبية لم تكن أقل درجة عن تلك الحرب، التي عاد وشنّها ضد هذه المقررات. في تاريخه الكثير من الغرائب التي تتوارى معها الدهشة لترسم ملامح شخصية أسطورية، طالما كانت ملء السمع والبصر على مدى ما يزيد على عقد من الزمان.

المغامرة والتحدّي من أهم سمات شخصيته. يقولون إن الوطن ترك بصماته عليها، وسيبيريا والأورال يجعلان القناة لا تلين، ومن شبّ على شيء شاب عليه.

العناد في صدر الخصال والضيم والإساءة لا يغفرهما. أما النسيان، فلم يكن من طباعه، وإن حاول التسامي فوق أحزانه وتناسى خيانة الأصدقاء. مع ميخائيل غورباتشوف صنع الأسطورة، ومن أحزان الصديق نسج سلسلة أفراحه. ومع الرفاق كثيراً ما فضّل الفراق، ومع النظام بدأ رحلته في البحث عن الذات.

من التعاون إلى التوتر

يقول يلتسين في اعترافاته إن علاقته مع غورباتشوف بدأت في السبعينيات، يوم كان كل منهما يشغل قمة الهرم الحزبي في مقاطعته. يلتسين في سفيردلوفسك (جبال الأورال)، وغورباتشوف في ستافروبول (بالقرب من شمال القوقاز).

"تعرّفنا بداية من خلال التليفون. كثيراً ما كان كل منا يحتاج لعون الآخر، ففي الأورال توجد المعادن، وفي ستافروبول توجد المواد الغذائية. لم يكن يعطي عادة ما هو فوق المسموح به، لكنه كان يساعدنا من خلال الطيور واللحوم.

وحينما انتخب سكرتيراً للجنة المركزية للحزب الشيوعي، تقدّمت إليه وصافحته مهنئاً من كل قلبي بالمنصب الجديد. وكثيراً ما ترددت عليه بعد ذلك، نظراً لأن الزراعة في مقاطعة سفيردلوفسك لم تكن تسير على ما يرام. وأذكر أننا كنا نتعانق بحرارة لدى لقائنا في مكتبه. فقد كانت العلاقات طيبة ويبدو لي أنه كان مختلفاً عما هو عليه اليوم. فقد كان في بداية عمله في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي أكثر صراحة وإخلاصاً وانفتاحاً على الآخرين. كان توّاقاً لإصلاح شؤون الزراعة، وراح يعمل كثيراً ويوطّد علاقاته مع الجمهوريات والمقاطعات".

يمضي يلتسين في اعترافاته ليكشف عن ملامح توتر أصابت علاقته مع غورباتشوف، وينتقد أسلوب مخاطبته لمرؤوسيه من خلال استعماله صيغة المفرد معهم تأكيداً من جانبه على مستوى علاقته بهم. أما عن دعوته للعمل في مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي في عام 1985، بعد تولّي غورباتشوف لمهام الأمين العام للحزب، يقول يلتسين إنه تلقّى مكالمة هاتفية من فلاديمير دولجيخ، سكرتير اللجنة المركزية آنذاك، يدعوه فيها إلى الانتقال للعمل في اللجنة المركزية، رئيساً للجنة البناء، وهي الدعوة التي رفضها لأسباب عدة، أهمها أن المنصب كان أقل من منصبه كأمين أول للجنة الحزب في مقاطعة كبرى مثل مقاطعة سفيردلوفسك. قال إن آخرين قد انتقلوا من مثل منصبه مثل كيريلنيكو وريابوف إلى منصب سكرتير اللجنة المركزية. وكما توقّع يلتسين، اتصل به في اليوم التالي يغور ليغاتشيف، عضو المكتب السياسي وسكرتير اللجنة المركزية، الذي كان يعتبر الشخصية الثانية في الحزب بعد غورباتشوف. وحين أخبره بالرفض وإصراره عليه، بدا ليغاتشيف أكثر إصراراً وحسماً، إذ قال ما نصه:

"لقد قرر المكتب السياسي، وعليك بوصفك شيوعياً الامتثال للقرار والسفر إلى العاصمة".

 وهو ما أذعن له، إذ سرعان ما بدأ عمله في مقر اللجنة المركزية في 12 أبريل (نيسان) من عام 1985.

الرئيس مرؤوسا

ويصف يلتسين أولى أيام حياته في العاصمة:

"عرضوا علي المسكن الجديد. وكان المزاج معتلّاً، ولذا فقد كان الأمر بالنسبة لي سيّان، ووافقت على ما عرضوه. مسكن في منطقة محطة قطار "بيلاروسيا" في شارع تفيرسكايا يامسكايا. ضجيج ومنطقة قذرة. في وقت تقطن القيادات الحزبية منطقة كونتسيفو، حيث الهدوء والنظافة والراحة".

عن شخصيته، يقول يلتسين: "لم أعمل طيلة حياتي مرؤوساً، ولم أخضع لتبعية أحد. لم أشغل وظيفة نائب، بل كنت رئيساً للقطاع، لكنني لم أشغل منصب نائب رئيس ما هو أكبر من القطاع".

ويتابع يلتسين:

"طالما تعودت تحمّل المسؤولية، فقد كان العمل في اللجنة المركزية للحزب يتّسم بكثير من العبثية. يقوم على ضرورة الامتثال للأوامر والتنفيذ والخضوع للتحذيرات، وهو ما كان محنة عصيبة لشخص مثلي، يعشق الحرية، ويتمتع بقدر هائل من الاعتزاز بالنفس".

ويعود يلتسين إلى علاقته مع خصمه التاريخي، ميخائيل غورباتشوف، ليقول إنه، وفي إطار عمله في اللجنة المركزية من خلال منصبه الجديد، تعامل مع الأمين العام، ولكن تلفونياً. اعترف صراحة بأن الدهشة أصابته من جراء عدم رغبته في اللقاء والحديث معه، لا سيما لأنه كان يرتبط معه بعلاقات طبيعية إلى جانب أن غورباتشوف كان يعلم جيداً أن كلاً منهما انتقل إلى منصبه الجديد من موقع مماثل. لربما كان يريد أن يقول، إن غورباتشوف لم يكن أفضل منه! ولماذا ربما. لقد قالها صراحة عبر الكثير من صفحات تلك الاعترافات، التي سجّلها في عام 1990، لتغدو إعلاناً عن نهج المواجهة لخطواته التالية، وإطاراً للصراع مع القطب الآخر، الذي اعترف له بفضل الحصول على منصب سكرتير اللجنة المركزية في يوليو (تموز) 1985، ثم ضمّه إلى المكتب السياسي عضواً احتياطياً إلى جانب أمانة لجنة الحزب في العاصمة، في فبراير (شباط) من العام التالي.

مصيبة غورباتشوف الكبرى

وقال يلتسين إنه طالع كتاب غورباتشوف "البيريسترويكا والفكر الجديد"، وكان يأمل في أن يعثر على إجابة عن تلك الأسئلة المطروحة حول الطريق الجديد، لكنه لم يستطع. أكّد كذلك أن غورباتشوف لم يكن يعرف السبيل إلى إعادة بناء البيت السوفياتي بعد. وأوضح أن مصيبة غورباتشوف الكبرى تكمن في أنه لم يتّخذ أية خطوات استراتيجية نظرية عميقة نحو هذا الهدف. وأضاف أن الكارثة الرئيسة لغورباتشوف تنحصر في خوفه من الإقدام على خطوات حاسمة بالغة الضرورة. وكان الحديث يدور عن تردّي الأوضاع الاقتصادية. وأشار يلتسين إلى خشية غورباتشوف من المساس بمصالح الماكينة البيروقراطية الحزبية. قال إنه كان مطلوباً عدم الاكتفاء بالعبارات الرنانة الفضفاضة عن البيريسترويكا، والتحول إلى خطوات فعّالة لم يقدم عليها غورباتشوف. أعرب عن خيبة أمله في الزعيم الذي كان يتصور إدراكه لعبثية سياسة أنصاف الحلول واستحالة الجلوس على مقعدين في وقت واحد.

وكشف يلتسين عن تاريخ بداية النهاية في علاقته مع صاحب فكرة دعوته إلى العاصمة وتكليفه بأمانة الحزب في موسكو خليفة لفيكتور غريشين الذي كان مرشحاً لخلافة قسطنطين تشيرنينكو، منافساً في ذلك لميخائيل غورباتشوف! قال إن ذلك حدث خلال اجتماع المكتب السياسي الذي عقد في خريف عام 1987 لمناقشة تقرير الأمين العام، الذي أعده لإلقائه في الذكرى السبعين لثورة أكتوبر (تشرين الأول) الاشتراكية العظمى. وتمثّل السبب في تلك الملاحظات الاقتصادية التي وجهها بوريس يلتسين إلى التقرير، وأخرجت غورباتشوف عن طوره. قال يلتسين إن غورباتشوف صار يتجاهلني بعد ذلك الاجتماع على الرغم من اللقاءات الدورية التي كانت تجمعنا. لا يمد لي يده للسلام، ولا يلتفت إلي ويرد على تحيتي باقتضاب... "وقد أدركت أنه قرر آنذاك الانتهاء من كل تلك الحكاية، فقد صرت غريباً في صفوف فريقه المطيع!".

ما لم يقله يلتسين إنه كان "بيدقاً" على لوحة شطرنج وألعوبة بين يدي غورباتشوف وساعده الأيمن يغور ليغاتشيف من أجل تنفيذ مخطط الإطاحة بالكثيرين من المنافسين السابقين لغورباتشوف في الصراع على زعامة الحزب والدولة. لم يقل يلتسين إن غورباتشوف اختاره ليتبوأ منصب أمين العاصمة الذي كان يشغله غريمه فيكتور غريشين عضو المكتب السياسي، الذي كان يطمح إلى الفوز بما حصل عليه غورباتشوف من مكانة ومناصب. ولم يقل يلتسين إنه شارك في مأساة غريشين الذي أحيل إلى التقاعد ولم يحصل على حقوقه التقاعدية وامتيازاته الحزبية كعضو مكتب سياسي سابق، ما اضطره إلى تأجير مسكنه في قلب العاصمة من أجل توفير "لقمة العيش".

وما إن تيسر لغورباتشوف التخلص من خصوم الأمس، حتى تحول إلى يلتسين، في محاولة للتخلص منه، وهو الذي حاول استغلال منصبه كأمين للعاصمة لتحقيق أكبر نسبة من الشعبية والجماهيرية التي رفعته إلى صدارة الصف الأول. وذلك ما كان في صدارة أسباب الشقاق، الذي دفع غورباتشوف إلى "طرده" من عضوية المكتب السياسي، وتعيينه رئيساً للجنة الإسكان والبناء، ما أسفر عن إصابته بأزمة قلبية كادت تقضي عليه.  

صراع في العاصمة

إذاً، الخلاف عميق الجذور، يستند في بعض أركانه إلى خصال شخصية تبدّت في قالب عمومي، وشأن الكثير من الجبهات الشعبية، التي قامت إبان فترة البيريسترويكا في جمهوريات البلطيق، تأييداً لهذه البيريسترويكا لتتحول في ما بعد إلى سيف يهدد بقاءها. اتخذ بوريس يلتسين موقفاً مناوئاً لغورباتشوف. رفع الرجل في البداية شعار تأييد البيريسترويكا، وطالب بتسريع وتيرتها، وحمايتها من تطاولات الخصوم. شن الحرب ضد الحزب نكاية في عدد من رموزه ومنهم يغور ليغاتشيف، الذي كان تولى بعد أعباء التخلّص من يلتسين وطرده من المكتب السياسي. استفاد من الصحوة الشعبية التي فجّرها غورباتشوف. بيدي لا بيد عمرو. تخلى عن امتيازاته الحزبية، وكان يدرك أن رحيله عن المكتب السياسي يعني بالتبعية رحيله عن كل هذه الامتيازات، التي آلت في ما بعد إلى "الرعيل الديمقراطي" في الكرملين، الذي ورث الاتحاد السوفياتي وما عليه وفي باطن أراضيه من ثروات طبيعية تبلغ ما يزيد على 30 في المئة من ثروات العالم، ومعها كل السيارات والمساكن الفاخرة والبيوت الريفية "الداتشا" في ضواحي العاصمة، ومواقع العمل المتميّزة للأهل والأقارب والأصدقاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يتغيّر شيء عن ذي قبل، والحملة على الفساد على موسكو تواصل إماطة اللثام عن الكثير من الأسماء والوقائع التي طاولت في نهاية الأمر بوريس يلتسين وعائلته، وهو ما كشف عنه النائب العام لروسيا الاتحادية ما كلفه منصبه، إذ جرى اتهامه في فضيحة أخلاقية جرى نشر بعض تفاصيلها في حينه.

رحل يلتسين وفي الحلق غصّة. تجاهل في كتابه دور يغور ليغاتشيف الذي طالما شغل منصب المسؤول عن الكوادر الحزبية منذ عهد الزعيم الأسبق، يوري أندروبوف. لم يجد فيه سوى السلبيات، فيما أغفل قيمة دعوته له للعمل في مقر اللجنة المركزية، لذا كان طبيعياً أن يصب جام غضبه على ذلك الرجل الذي لم يفعل سوى ما أمر به غورباتشوف. ولعل ذلك هو ما كان يدركه يلتسين حين قال إن أمين عام الحزب كان يستطيع الدفاع عنه وحمايته من انتقادات خصومه ومناوئيه.

غير أن الرصيد الشعبي لميخائيل غورباتشوف آنذاك كان لا يزال وفيراً. ولم يكن يستطيع رفع لواء المواجهة المباشرة معه. اكتفى بإعلان أن الخلاف يقتصر فقط حول وتيرة البيريسترويكا وضرورة "تسريع تنفيذها"، وحول ضرورة إعادة بناء الحزب، وليس تصفيته والانسحاب منه كما فعل حين واتته الفرصة عام 1990.

وأعود لأذكر أنني لقيته في ربيع عام 1989، بعد أن عاد إلى الأضواء عضواً في مؤتمر نواب الشعب للاتحاد السوفياتي، ليستقطب اهتمام الصحافيين من منظور تمتّعه بحب الملايين من أبناء العاصمة، وتحوّله إلى رمز للمقاومة في كل ربوع الاتحاد السوفياتي. آنذاك، وفي معرض ذلك الحديث الصحافي، كشف يلتسين عن عدائه السافر وخصومته المريرة مع يغور ليغاتشيف. أعرب عن مودّة خالصة لعدد من أعضاء المكتب السياسي، وفي مقدمهم نيكولاي ريجكوف، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي آنذاك. لكن العزم على الانتقام من ميخائيل غورباتشوف لم يكن قد بلغ بعد الحد الذي ضاعت عنده الدولة، بعد أن ضاعت الرؤية لدى زعيمها.

وحين توالت اللقاءات واقتصر الحديث على تصريحات مقتضبة، فرضها تغيّر المواقع، بعد تدفق الأضواء التي اتّسم بعضها بطابع العالمية، صار واضحاً أن الانتقام صار هدفاً، حتى ولو كان الثمن ضياع الدولة.

من الحزب إلى الشارع

كنّا نتابعه مودّة وتعاطفاً مع رجل ساقته الظروف والأقدار إلى مواجهة مع أقسى آليات التعسّف والقهر. نسير إلى جانبه في شوارع العاصمة، لنشهد الكثير من ملامح "السلطة الخفية"، نستمع إلى كلماته النارية، التي كان يلقيها في الاجتماعات الجماهيرية، من دون أن نعي في حقيقة الأمر أن ما يقوله ليس مجرد شعارات، وإن أدركنا أن الرجل خير من يقود الشارع، ويكسب الجماهير إلى جواره، وليس فقط لأن هذه الجماهير عادة ما تتعاطف مع من راح ضحية الماكينة الحزبية، التي طالما ألهبت ظهورها بقراراتها الجائرة.

ظلّت ثقته بنفسه لا محدودة، وإن اهتزّت قليلاً في بعض الأحيان. أذكره في ردهات قصر المؤتمرات بالكرملين، الذي شهد الحدث التاريخي – أول مؤتمر لنواب الشعب للاتحاد السوفياتي – وقد بدا متأثراً لعدم نجاحه في انتخابات اختيار أول برلمان سوفياتي من قوام أعضاء المؤتمر، ولكنني أذكره أيضاً وقد عادت إليه ثقته بنفسه، حين تخلّى النائب أليكسي كازانيك من سيبيريا عن مقعده لصالحه، ليبدو أكثر تصميماً على الانتقام. أعلنت عن ذلك نبرة صوته، وكلماته التي خرجت حادة وهو يدقّ المائدة بقبضة يده اليسرى، التي فقدت إبهامها وسبابتها نتيجة عبث طفولي إبان سنوات الصبا والشباب.

استفاد يلتسين مما صنعه غورباتشوف. كانت الغلاسنوست سلاحاً سلبه الخصوم منه، فأعاده إلى صدورهم بعد حين. استقطب الرفاق من كل حدب وصوب: روسلان حسب اللاتوف، الشيشاني الأصل، رئيس البرلمان والبروفيسور في معهد بليخانوف للاقتصاد القومي، أناتولي سوبتشاك، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة لينينغراد، وشغل في ما بعد منصب عمدة المدينة، بعد أن تحوّل اسمها إلى سان بطرسبورغ، غافريل بوبوف، أستاذ الاقتصاد الذي تولى في ما بعد منصب عمدة موسكو، وتخلى عنه ربما احتجاجاً على سياسة الرفاق، ويوري أفاناسيف، مدير معهد التاريخ التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي، والذي كان أول من رفع لواء الحرب ضد لينين شخصياً ثم ضد سياسته، وغينادي بوربوليس، أستاذ الماركسية اللينينية في جامعة سفيردلوفسك، الذي قاد الحملة الانتخابية ليلتسين في هذه المنطقة، لكن سرعان ما فقد المنصب بعد تأدية المهمة.

كان الأصدقاء كثيرين، معظمهم من نجوم المجتمع وأساطين السياسة والاقتصاد، ممن شكلوا "مجموعة النواب الإقليمية"، التي قادت جبهة المعارضة ضد غورباتشوف حتى رحيله في نهاية عام 1991.

لقد استمرّت المواجهة بين قطبي الساحة 1500 يوم، أو بقول آخر منذ اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في أكتوبر 1987، وحتى الساعات التسع التي استغرقها اللقاء الأخير للخصمين العتيدين في الكرملين في ديسمبر 1991.

وكان الخلاف في البداية يتعلق بالتكتيك، لكنه انتهى على نحو مأساوي حين تباينت الرؤية واختلفت الاستراتيجية. ولئن بدا بوريس يلتسين في العامين الأولين مثل التلميذ الذي يحاول تبرير أخطائه نظراً لتباين وضعية الخصمين خلال الفترة من 1986 وحتى 1988، فقد تحول إلى موقع مغاير اعتباراً من ربيع عام 1989، استناداً إلى شعبية جارفة مستفيداً من انحسار الأضواء عن زعيم البيريسترويكا التي راحت تلفظ آخر أنفاسها. في ذلك الحين، بدأت جولة جديدة من الصراع، وكأنما انتقام من الجولة السابقة، التي خسرها يلتسين بالنقاط بعد أن كاد يضيع "بالضربة القاضية" بلغة هواة الملاكمة.

عاد يلتسين قوياً مؤكداً صعوبة تنفيذ ما وعد به غورباتشوف، وكان غورباتشوف قد هدّده بقوله:

"إنني لن أسمح بعودتك إلى السياسة مرة أخرى".

حكاية شبه بوليسية

يذكر الكثيرون حكاية أشبه بالقصص البوليسية، شهدت العاصمة بعضاً من مشاهدها. وقع ذلك في أكتوبر من عام 1989، حينما ظهر يلتسين مبلل الثياب عند منتصف الليل في أطراف موسكو. آنذاك تحدّث البعض عن محاولة كانت تستهدف اغتياله من تدبير ميخائيل غورباتشوف، فيما روّج آخرون أخباراً تقول بوفاته نتيجة أزمة قلبية، وقد أثارت هذه الضجة الكبرى نقاشاً واسع النطاق في السوفيات الأعلى، زاد من حدّته ما نشرته جرائد محلية وعالمية حول سلوك يلتسين خلال جولته في الولايات المتحدة الأميركية، فيما حاول التلفزيون، من خلال فيلم تسجيلي لرحلته، تصويره على نحو بدا فيه مخموراً، لا يعي الكثير مما يدور حوله. وعقد السوفيات الأعلى جلسة خاصة تحدث فيها فاديم باكاتين وزير الداخلية في ذلك الحين، حيث أشار إلى أن يلتسين تقدّم عند منتصف ليل 28 سبتمبر 1989 ببلاغ شفهي إلى نقطة حراسة منطقة البيوت الريفية "الداتشا" التابعة لمجلس وزراء الاتحاد السوفياتي، في أطراف موسكو، يقول فيه إنه تعرّض لمحاولة اغتيال. قال إنه "كان مبلل الثياب، من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وفي حالة غير طبيعية". أخبر يلتسين الشرطة بأنه كان يستقل سيارته بعيداً بعض الشيء، بغية التريّض حتى نزل الأصدقاء. فوجئ بمجهولين يقطعون الطريق عليه، ويلقون على رأسه بجوال، حملوه فيه بعيداً، حيث ألقوا به من فوق الجسر إلى مياه النهر. غير أنه استطاع السباحة حتى الشاطئ، حيث التقط أنفاسه، واستعاد بعض قوته. وبعد أن تناول يلتسين الشاي الساخن الذي قدّمه إليه رجال الشرطة الذين ساعدوه على عصر ملابسه، طلب عدم إبلاغ المسؤولين بما حدث. وحين اتصل رجال الشرطة بالمنزل الذي كان يلتسين يقصده، اكتشفوا أن أصحابه في المستشفى منذ أيام!

الغريب أن وزير الداخلية أكّد في كلمته أن التحريّات أثبتت عدم صحّة الرواية، التي حكاها يلتسين، فيما طالبه يلتسين بعد يومين بالتوقف عن التحقيق في ما جرى، مؤكداً أن أحداً لم يحاول اغتياله، إلا أنه لم ينف واقعة زيارته للمنطقة. وبلغت الأزمة حدّاً بدا أقرب إلى العبثية، تداخلت فيها كل الأطراف، وإن حدد ملامحها فاديم باكاتين وزير الداخلية الأسبق بقوله إن:

"يلتسين يعتمد في شعبيته على ثلاثة أسس، أولها انتقاد السلطة، وثانيهما تصوير نفسه وكأنه ضحية هذه السلطة، فيما ينحصر ثالثها في الاستفادة من جماهيرية شعاراته التي تلقى رواجاً في الساحة السوفياتية".