Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خمسينية الهبوط على القمر تبشر بقرب صعود المرأة إليه

ترمب يمول برنامج ارتيمس عن عودة البشر إلى القمر في 2024

تحتفي الكرة الأرضية على الرغم من تمزقات شتى، بذكرى مرور نصف قرن على وصول أول إنسان إلى القمر. حتى الآن، لم تسر قدما بشر على جرم فضائي سوى ذلك التابع المنير للأرض. وبكل تواضع وحذر، يجدر التنبّه إلى أنّ الجسد البشري لم يصل مباشرة إلى جرم كوني آخر، فيما وصل الروبوت بـ"جسده" المؤتمت إلى أماكن فضائية كثيرة. إذ هبط روبوت- سيارة على المريخ (1997)، ونزل روبوت استكشافي على مذنب "67 بي" بعد أن حملته إليه المركبة "روزيتا"(2004). لا داعي للذعر، لكن لنتذكر أيضاً أن الأهداف البعيدة لمغامرة الإنسان في الفضاء، مثل الوصول إلى كواكب نائية في مجرات اخرى، ربما تكون مجالاً واسعاً "للتكامل" بين "أجساد" البشر والروبوتات. يقتضي ذلك الأمر نقاشاً من نوع آخر.

ثمة جسد آخر استطاع خطف كثير من وهج الاحتفاء بنصف قرن على سير رائد الفضاء الراحل نيل آرمسترونغ على القمر. نعم... إنها المرأة. إذ بشرت "الوكالة الوطنية (الأميركية) للفضاء والطيران" ("ناسا")، بأن الجسد النسوي سيصعد إلى القمر في 2024، ضمن برنامج عودة البشر إليه يحمل إسم "آرتيمس" Artemis. واقتُبِسَ الإسم من الميثيولوجيا الإغريقية، ويشير إلى إلهة القنص والصيد التي كانت شقيقة توأماً للإله "أبوللو" الذي أُعطيَ إسمه الى البرنامج الشهير لمركبات فضاء أوصلت الإنسان إلى القمر. ويلاحظ أنّ الذين مشوا على القمر كانوا من الذكور. بقدر ما، يرد إلى الذهن أن صعود المرأة عالمياً وأميركياً يتصل أيضاً بوصولهن إلى القمر. في أميركا تحديداً، نافسن على الرئاسة الأولى (لم يفزن... ليس بعد)، وصعدت حركة "#مي تو" #MeToo لتكرس تزايد قوّتهن في الحياة اليوميّة، ونجحن في تحدي دخول قوات النخبة العسكرية المتسمة بالقوة الجسديّة العالية و... القائمة طويلة. وأيضاً، في أميركا التي تُعاني عودة مُرّة للعرقية والعنصرية المتعددة الأشكال، هل تكون المرأة الأولى التي ستسير على القمر ملوّنة البشرة؟ هل تسير أكثر من امرأة هناك فيحققن تنوّعاً وتفاعلاً عجز عنه الرجال، مع تذكّر أن الذين ساروا على القمر كانوا كلهم بيض البشرة؟

في المقابل، ثمة مرارة في تأخّر وصول الجسد النسوي إلى القمر قرابة 55 سنة عن الرجل، مثلما كان مرّاً إلغاء مهمة فضائية كانت مقررة في يوم المرأة العالمي في مارس (آذار) 2019، لتزجي تحية إلى النساء عبر سير فريق نسوي بالكامل في الفضاء. أُلغيَت المهمة، لكن الإصرار النسوي مازال متوثباً، ولا تزيده العثرات إلا تصميماً على مواصلة الإنجاز تلو الآخر. وتذكيراً، وصلت المرأة الى الفضاء في العام 1963، حين صعدت في مركبة سوفياتيّة رائدة الفضاء فالنتينا تريشكوفا لتكون أول امراة ترتاد الفضاء الكوني.

العلوم تتفاعل مع "وود ستوك" وتحدي المستحيل

إذاً، يصعب الحديث عن الوصول البشري الأول إلى القمر، من دون الحديث مواصلة الحديث عن الجسد! في العام 1969، كان العالم في لحظة تحدٍ حداثية، تُعلي العقلانية وتحتفي بفورات الفرد والجسد. لم تكن شوارع باريس قد نسيت وقع أقدام شبابها الثائر الذي قاد حراكاً تجاوبت معه الشبيبة عالمياً، وأسقط النظام الأبوي للرئيس شارل ديغول. (بين قوسين، سار الشاب اليميني نيكولا ساركوزي في تظاهرات مضادة انتصرت آنذاك للنظام الأبوي الديغولي. وتترافق خمسينية القمر مع مثوله أمام القضاء بتهمة الفساد أثناء ولايته الرئاسيّة، في سابقة نادرة في تاريخ الجمهورية الفرنسيّة بعد الحرب العالمية الثانية).

في حقبة الوصول الى القمر، تحدى شبيبة أميركا نظام "الحرب الباردة" في ظواهر شملت الاحتجاجات الواسعة على حرب فيتنام وسباق التسلّح النووي، والحضور الشبابي المُكثّف لحفلات فرقة الـ"بيتلز" إبّان زيارتها التاريخية إلى بلاد "العم سام"، والتمرّد الجسدي والثقافي في احتفالية "وود ستوك" الهائلة التي أعلت شأن التفلت في رغبات الجنس، والثورة على المكبوت، والاحتفاء بصعود هائل لمشروع العقلانية المنتصر للفردانية وجسدها، والمتحدي للنصوص الأسطورية في أشكالها كافة. لعل الجملة الأكثر تكثيفاً لتلك اللحظة كانت "كُن واقعياً... أطلب المستحيل".

إذاً، الأرجح أن الجسد الإنساني صعد إلى القمر محمولاً بقوة تحدي العقلانية وفردانيتها وجسدها لـ"المستحيل". كانت لحظة فوّارة لكنها لم تدم طويلاً. إذ حملت حقبة السبعينات وما بعدها، عودة قوية لأخيلة ظُنّ طويلاً إنّها اختفت، تشمل الميثيولوجيا ونصوصها الأساطيرية المتنوّعة، إضافة الى الهويات الجماعيّة والكليّة المستولية على الفردانية وعقلانيتها وأجسادها وتمرّداتها. صعد نقاش أميركي يشكك في الوصول الى القمر. ظهر فيلم "برج الجدي-1" Capricorn -01 (1979)، مُسقِطاً هذا الشك على رحلة مفترضة الى المريخ.

لم ينجُ من ذلك التشكيك حتى أول من سار على القمر ووضع علم أميركا على سطحه. وقبل سنوات من وفاته، وُجِد من يعترضه في الحرم الجامعي، بعد أن انتقل الى حياة هادئة استاذاً لعلوم الطيران في جامعة "سانسيناتي" ثم "شارلوتسفيل"، طالباً منه أن يضع يده على الإنجيل ويقسم أن رحلته الى القمر لم تكن تمثيلاً! وأُصيب آرمسترونغ بالكآبة في سنواته الأخيرة، ثم رحل بهدوء. بقيت قدمه مطبوعة على التراب الناعم في "بحر الهدوء" حيث حطّت المركبة "النسر" في 20 تموز (يوليو) 1969، في مشهدية تتحدى الزمن، تُكمِلها جملة غدت شهيرة إذ نطق بها أول لسان بشري يتحدث من القمر الى الأرض "إنها خطوة صغيرة لرجل، لكنها قفزة عملاقة للبشرية".

في بيان نعيه، لم تتردّد عائلته في وصف رائد الفضاء نيل آرمسترونغ (05 آب (أغسطس) 1930- 25 آب (أغسطس) 2012) بأنه "لم يعتبر نفسه أبداً سوى شخص يؤدي واجبه. لم يفقد الدهشة الطفولية بالاكتشاف. لم يقبل أنه بطل لأميركا والجنس البشري، إلا بتلكؤ أصيل". وفي نعيها أيضاً، ذكرت "ناسا" أنه قاد أول عملية التحام بين مركبتين فضائتين إبّان رحلة المركبة "جميني 8" في 1966.

حققت تلك الرحلة انتصاراً وطنياً لأميركا. وفي رثائه، استعاد الرئيس السابق باراك أوباما ظلاً من حلم تحدي المستحيل الذي رافق سير أقدام آرمسترونغ على القمر، ووصف تلك الخطى بأنها "حملت تطلّعات أمّة بأسرها. وأظهرت أن الروح الأميركية ترى أبعد مما يمكن تصوّره". وفي تلك الحقبة، تحدى الرئيس الراحل جون كينيدي، منافسه العملاق الاتحاد السوفياتي، بأن يكون القمر هدفاً للسباق في الفضاء، بعد أن حقّق السوفيات سبقاً بإطلاقهم القمر الاصطناعي الأول "سبوتنيك" (1957). وانتصرت قدما أرمسترونغ لتحدي الرئيس كينيدي الذي غاب ذلك النصر الأسطوري.

وفي قاعدة "كايب كانفرال" بولاية فلوريدا، حوّلت "ناسا" الغرفة التي قادت عملية "أبوللو 11"، متحفاً يحتفظ بمكوّنات تلك اللحظة: الكومبيوترات والكراسي والسترات المُعلّقة والحاملات الخشبية للأوراق والأقلام الملونة والحاسبات اليدوية وغيرها. ما زالت تلك الأشياء على حالها، بل لعلها تشارك القمر في بكائه "إبنه الأول القادم من الأرض"، بحسب كلمات ميت رومني المرشح الجمهوري إلى الرئاسة في 2012، لدى رثائه آرمسترونغ.

قوات فضائية وقرية قمرية؟ هل يصدق ترمب؟

في 2012، رحل آرمسترونغ على بُعْد أيام قليلة من عيد ميلاده، وقرابة شهرين من الذكرى المئوية للعالِم الألماني فيرمر فون براون (1912- 1977)، رائد صناعة الصواريخ في الجيش النازي، بل أحد روادها التاريخيّين. وبعد هزيمة الرايخ الثالث،  عمل براون مع "الوكالة الأميركية للفضاء والطيران" بعد انهيار الرايخ النازي الثالث، وأشرف على صنع الصاروخ "ساتورن" الذي حمل المركبة "أبوللو 11" إلى القمر.

وتُذكّر خمسينية القمر بوجود أبعاد عسكرية متنوعة طالما رافقت مغامرة استكشاف الفضاء.

في 18 يونيو (حزيران) 2018، أمر الرئيس دونالد ترمب بإنشاء فرع سادس للجيش الأميركي يركز على الفضاء. جاء ذلك بعد أشهر من توقيعه توجيهاً رئاسيّاً في أواخر 2017، يقضي بتبني برنامج عودة رواد أميركا الى القمر، تمهيداً للوصول إلى المريخ. وآنذاك، تناقلت وسائط الإعلام الخبر تحت عناوين مثل "عودة أميركا إلى القمر".

وقد استُهلّت تلك العودة القمرية أثناء ولاية الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش (الإبن) الذي بشّر بقرب إنشاء قرية علمية تستقر في القمر، وتكون محطّة لانطلاق مركبات تحمل رواداً إلى المريخ وسواه. وآنذاك كما الحال حاضراً، بدا المجتمع الأميركي متحمّساً ومشكّكاً، لأن الحزب الجمهوري مال في العقود الأخيرة إلى البرودة في شأن الخطط العلميّة الكبرى التي لا تتضمن مردوداً مباشراً يوازي ما يبذل فيها من أموال. وقبيل ختام الولاية الثانية لبوش الإبن، أوقفت لجنة رئاسيّة تلك الخطة متذرّعة بغياب التوافق بين تكاليفها وأهدافها، مشيرة إلى أن إرسال بشر إلى أهداف فضائيّة بعيدة يمثل أمراً باهظ التكلفة لكنه غير واضح الآفاق!

ترى، كيف تسير الأمور مع خطة ترمب في العودة إلى القمر التي وعد بأن يخصص لها، وفق تغريدة على "تويتر"، 1.5 مليار دولار؟ هل يستمر تدفق تلك الأموال، أم سيكون للسياسة رأي آخر؟ لننتظر ولنر.

المزيد من فضاء