Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أين الأرمن في لبنان؟

تراجع دورهم وأعدادهم يعني أن ثمة ما يتغيّر وما يُخسر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وحتى أخلاقياً

نصب تذكاري لأبوللو الذي واصل توزيع صحيفة "أزتاك" الأرمنية في برج حمود حتى يومه الأخير (اندبندنت عربية)

يمكن ببساطة، إذا ما قورن الزمن اللبناني الحالي بمراحل تاريخية سابقة، الخروج بانطباع بتقلّص حضور اللبنانيين من أصل أرمني في المشهد العام. لا يستند هذا إلى تراجع أعداد المشاركين منهم في العمليات الانتخابية فحسب، إذ لم يكن هؤلاء، ولا مرّة، أعداداً فحسب. بل إن عددهم، المحدود نسبيّاً، لم يحل دون لعبهم دوراً "أكبر" من حجمهم. حصل ذلك في أزمان عدة، كما في السياسة كذلك في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والفنون والعمارة والمهن والحرف والرياضة... والمطبخ أيضاً.

وإذ كانت أولويات الأرمن منذ وطأوا أرض لبنان الاستمرار في الحياة ومواجهة تحدّياتها والعمل والتعلّم والنجاح والحفاظ على الهويّة، لم تتردد قيادتهم السياسية والدينية، الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيليّة، في أداء دور يمكن وصفه بـ"الوسيط" و"تدوير الزوايا" بين القوى السياسية اللبنانية المتخاصمة والمتحاربة.

أين الأرمن في لبنان؟ سؤال لا يعني اللبنانيين من أصل أرمني فحسب، ولا يعني البحث عنهم فحسب، بل يعني لبنان كله واللبنانيين كافة. فتراجع دور الأرمن، وتراجع أعدادهم، وهو ما يحصل حقّاً، يعني أن ثمة في لبنان ما يتغيّر، وهو تراجع دور الوسط والوسيط بين القوى السياسية، وقد برع الأرمن في ذلك، بل يعني أن ثمة ما يُخسر، سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً وحتّى أخلاقيّاً.

وأوّل ما يُخسر، في هذا المجال، هو الإنسان اللبناني من أصل أرمني، بما يمثّل من قيم لا تُخفى على اللبنانيين كافة. وفي طليعة هذه القيم، العمل والصبر والاحتراف والإبداع المهني والفني، والاندماج من دون التخلّي عن الهوية، وعدم الصدام مع المحيط أو التمترس في محور ضد آخر.

فهذا الإنسان وهذه القيم هما ما جعل للبنانيين من أصل أرمني حضوراً ودوراً، حتّى قبل أن تكون لهم حصّة في النظام والدولة، ابتداءً من مطلع ستينيات القرن العشرين. وهم الذين "باتوا" لبنانيين، مثل الآخرين تماماً، منذ إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920.

كُتب عنهم

قال ملطبرون عن الأرمن "إنهم أرباب تجلّد، وصبر، واقتصاد في المعيشة. وأرباب همم لا تكلّ، ولا تمل. وعاداتهم الانهماك في التجارة والصناعة. ولذلك كانت أرزاقهم واسعة أينما حلّوا من بلاد المجر إلى الصين. تعلّقت آمالهم في الأسفار البعيدة، فيسافرون في الأقطار التي لا يمكن الأفرنج الدخول فيها... ولهم حواصل تجارة، ومراسلات، ومشاركات في جميع المحال. ومنهم من يشتغل بالحِرف والصنائع اليدوية. ومنهم صيارف، وسماسرة. ومنهم وكلاء للباشوات وغيرهم من الأعيان. وهم أصحاب قناعة. فلهذا يحفظون ما يكتسبون. وهم، في بلادهم كما في البلاد الغريبة، يعيشون بالاجتماع والائتناس، كل عائلة مع كبيرها كأنّهم أخوة تحت حكم كبارهم سنّاً؛ وكأنَّ مشايخهم آباءُ عشائرهم، فتراهم جميعاً على قلب رجل واحد، لا مشاحنة بينهم ولا تباغض. وهذه العيشة بين أقاربهم لا تمنع من تجبّرهم، وظلمهم لمن كان من غير دمهم، فالعائلة بعضها مع بعض في اتفاق دائماً، ومع عائلة أخرى قد يقع الخصام والحقد".

وكتب أحمد أمين في "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية": "اشتهروا بجودة الصنعة وإتقانها، والمهارة في التجارة، وعدم المبالاة بالغربة. ولذلك نجحوا حيث لم ينجح غيرهم، وكسبوا من الأموال ما تضخّمت به ثرواتهم. وإذا سابقوا الوطني في التجارة والصناعة، سبقوه".

متصرّفا لبنان الأول والأخير

يرد في "دائرة المعارف": "وقد نزل لبنان عددٌ لا بأس به من الأرمن في هجراتهم المتعددة. وكان منهم، في هجراتهم القديمة، أسر عديدة اندمجت مع الموارنة، منتقلة إلى مذهبهم، عاملة في طائفتهم. فنبغ منها رجالات في عالمي الدين والدنيا، أحباراً، ورؤساء رهبانيّات، وكهنة علماء، ورجال سياسة، وإدارة، وأدب... ثم يذكر التاريخ اللبناني أن أول متصرّف، وآخر متصرّف، في نظامه الدولي (1861- 1915) كانا من الأرمن وهما قره بت أرتين باشا داوديان المعروف بداود باشا (1861- 1868) وأوهانس قيومجيان، أو أوخانس باشا (1913- 1915).

 

 

وكانا من المتصرّفين المذكورين بوطنيّتهم اللبنانية، وبغيرتهم على مصالح "الجبل"، كلما تعارضت مع مصالح "الباب العالي".

أما داود باشا فهو أشهرهم وأحبّهم للبنان وإليه. تسلّم أزمّة الأحكام على إثر إعلان النظام الجديد. فأظهر نشاطاً يُذكر في كثير من الإصلاحات الداخليّة والأعمال العمرانية، بادئاً بجعل مركز الحكومة في أرض الجبل. فاشترى سراي دير القمر من ورثة الأمير يوسف شهاب، واستأجر قصر الأمير بشير في بتدّين، ثم اشتراه من أرملته الست حسنجهان. واستأجر دار الأمير أفندي شهاب في سبنيه بجوار بعبدا لإقامته في فصل الشتاء. وأنشأ جريدة رسمية باسم "لبنان" واشترى لها مطبعة كانت تنشرها باللغتين العربية والفرنسية. ثم صرف همّه إلى نشر التعليم، فرأى أن كل طائفة من الطوائف اللبنانية تنعم بعدة مدارس، ما عدا الدروز، فأنشأ لهم مدرسة كبيرة في عبيه، ورتّب لها أوقافاً تضمن بقاءها، فاستمرّت نحو قرن كامل معروفة "بالداودية" إقراراً بفضل المنشئ. وباشر تنظيم الجند اللبناني، المستقل عن الجيش التركي، عاهداً في ذلك ضباطاً فرنسيين. وشق أول طريق للعربات بين دير القمر وبتدّين، وباشر شق الطريق بين بتدّين وبيروت. وعلى عهده، سنة 1863، انتهت شركة فرنسية من شق طريق "الديليجانس"- أي العربات الكبيرة- بين بيروت ودمشق.

ولعل أصعب ما عرض له هو تعويد القوم احترام النظام الجديد، الذي خرج بلبنان من عهد الإقطاع المتتابع مدة القرون، إلى عهد من الحكم كان يقضي بالمساواة تجاه القانون بين الأمير، والمقدَّم، والشيخ، وسائر طبقات الشعب من صُنَّاع، وعمَّال، وتجّار، وفلاحين. وهو ما أثار عليه بعض رجال الإقطاع في الجنوب، وفي الشمال بنوع خاص، غيرة منهم على المحافظة على امتيازاتهم الموروثة، مع أنه راعى، أول الأمر، أبناء الأسر العريقة فكان يعيّن منهم كبار الموظّفين.

ولم يفتأ عن المطالبة بحق لبنان في استعادة أراضيه المسلوخة، من مرافئ وسهول، الضرورية لحياته الاقتصادية: بيروت، وصيدا، وطرابلس، ووادي التيم، وبعلبك. أما البقاع فكان يحصّل وارداته بنفسه.

 

 

أما أوهانس باشا فمعروف بإخلاصه للبنان بموقفه من خرق نظامه باحتلال الجيش التركي أراضيه، وبتقديم استقالته من المتصرّفية في 5 يونيو (حزيران) 1915".

دير ومخيمات وصواريخ

يشهد دير سيدة بزمار، الذي بُدء تشييده على تلة في كسروان تطل على خليج جونية عام 1749 وانتهى إلى حلّته الحالية في العام 1964، على وصول الأرمن إلى لبنان قبل نحو ثلاثة قرون. ويعتبر الدير مقر البطريركية الأرمنية الكاثوليكية التي تأسست عبر البطريرك إبراهام بطرس الأول أردزيفيان. ويحتوي الدير على كثير من ذاكرة الشعب الأرمني، الذي اعتنق الدين المسيحي في العام 301 على يد القديس غريغوريوس المنوّر. ويضم كنيسة سيدة الانتقال الأثرية التي بنيت في 1771 تعلوها قبة تتوسطها أولى الساعات التي ثُبتت على كنيسة في لبنان ويعود تاريخها إلى العام 1903. وتضم الكنيسة أيقونات الرسل الاثني عشر التي استقدمت من روما. ويحتوي الدير على متحف يحتفظ بمقتنيات قديمة للبطاركة والمطارنة وذخائر عود الصليب وشوكة من إكليل يسوع المسيح.

 

 

وقد وصل الأرمن إلى لبنان على دفعات. أبرز تلك المحطات التاريخية خلال الحرب العالمية الأولى ما بين 1915- 1916، مع نحو أربعين ألف مهجّر، تلتها محطة انتقال نحو عشرين ألفاً في العام 1939، نتيجة ويلات الحرب العالمية الثانية والتقسيم الذي أعقبها في شمال سوريا. وقد حلّوا بداية في الكرنتينا، واستقرّوا في برج حمّود ونواحي طرابلس وصيدا وصور، في مخيّمات استقبلت في ما بعد اللاجئين الفلسطينيين (1948). وما زالت آثار الأرمن هناك، كنائس وبيوتاً وأشجار توت. ويُعرف أن أول ما كان يشيّده اللاجئون الأرمن كنيسة ومدرسة، حتى قبل البيوت والمشاغل والمتاجر. وقد أُخذوا، نتيجة ما تعرّضوا له، بهاجس الحفاظ على الهوية واللغة، فبقيوا في مجمّعاتهم لهذا الغرض من دون أن ينغلقوا، بل اندمجوا إلى حد ما في المحيط وحرصوا على عدم إثارة المشكلات معه. وإذ راحوا يستقرّون، لا سيما في برج حمود، افتتحوا الورش والمتاجر وأسسوا الأندية والمدارس وجامعة "هايكازيان" (1955)، التي رعت في الستينيات تصنيع عدد من الصواريخ حملت اسم "الأرز"، من توقيع البروفيسور مانوج مانوجيان ومجموعة من الطلاب.

دور وطني لبناني

ويروي المطران جورج أسدوريان عن دور الكاردينال غريغور بطرس الخامس عشر أغاجانيان (1937-1962)، في المصالحة بين المسؤولين اللبنانيين، خصوصاً في زمن حرب 1958. ويذكّر باحتفاء بما يحفظه دير الأرمن الكاثوليك من ذكريات دور "الراعي" الذي لعبه أغاجانيان صاحب الموقع المتقدّم في الفاتيكان. وكذلك فعل البطريرك أغناطيوس بطرس باتانيان (1962- 1976).

وإبّان الحرب (1975- 1990)، حافظ الأرمن على مسافة من جميع الأطراف المتنازعة، ورفضوا، على الرغم من وجود ثلاثة أحزاب في ما بينهم، "الطاشناق" و"الهنشاك" و"الرمغفار"، وانتشار السلاح، الانخراط في ميليشيات هذه الجهة أو تلك المنطقة. وإذ شكّلت القيادة السياسية والدينية الأرمنية، في تلك الفترة، معبراً بين المتصارعين ومناطقهم، برز منهم شخصيّات ضليعة في الدستور والحقوق، وباللغة العربية، ومن هؤلاء النائب خاتشيك بابكيان الذي أسهم في مؤتمر الطائف الذي أُوقفت الحرب بموجب اتفاقه أواخر عام 1989. واقتصادياً، ازدهرت صناعة الأرمن وتجارتهم، انطلاقاً من محلّة برج حمود شرق العاصمة بيروت، فلم تحاصرها المتاريس ولم تعزلها انقسامات المناطق.

توجس وتحول

دخل اللبنانيون من أصل أرمني السياسة وبات لهم نواب (الآن ستة) ووزراء خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958- 1964). وتنوّعت أحزابهم الثلاثة، وأقواها "الطاشناق" ثم "الهنشاك" فـ"الرمغفار"، بين يمين ويسار. وعلى الرغم من أن "الطاشناق" كان قريباً من السياسة الأميركية، إلا أنه حرص على أن لا يترجم ذلك في لبنان انحيازاً ضد أحد، مختاراً النضال في القضية الأرمنية، بما في ذلك عسكرياً ضد المصالح التركية ومن أجل الاعتراف الدولي بالمذابح التي طاولت الشعب الأرمني. وعلى الرغم من أن "الرمغفار" لم يكن ماركسيّاً، إلا أنه اعترف بالاتحاد السوفياتي وأقام صلات معه. كذلك "الهنشاك"، بينهما، لم يتموضع في أي محور خلال الحرب الباردة عالمياً والساخنة محليّاً. وفي الأثناء، ظهرت تنظيمات أرمنية يسارية، بعضها ماركسي مارس "العنف الثوري" أو حمله شعاراً وأيديولوجية.

 

 

وهناك من يرصد تحوّلاً سياسياً أرمنيّاً مع انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيّات من القرن العشرين، ووقف الحرب الأهلية في لبنان. فآنذاك، مع خروج الجمهورية الأرمنية من المجال السوفياتي الروسي، اقتربت الأحزاب الأرمنية اللبنانية، وفي مقدّمها "الطاشناق"، من النظام السوري الذي نشطت علاقاته مع الولايات المتحدة وانضم ضباط وجنود من جيشه إلى التحالف الدولي لتحرير الكويت من الغزو العراقي. وانطلقت الأحزاب الأرمنية من حسابات محلية لبنانية وأخرى دولية لا تنفصل عن تركيا وسياساتها، إذ تشكل أنقرة ودورها والموقف منهما بوصلة بالنسبة إلى الأرمن. ومذذاك راح يتحالف "الطاشناق"، في الانتخابات النيابية والبلدية، وفي السياسة عموماً، مع حلفاء دمشق، ولا سيما النائب ميشال المر في دائرة المتن الشمالي حيث مركز الثقل الأرمني، إضافة إلى البقاع. وفي بيروت، تكرر التحالف مع الرئيس رفيق الحريري، الذي خصّ الأرمن بنشرة إخبارية يومية بلغتهم على تلفزيونه، "المستقبل". وإذ لم يقاطع اللبنانيون من أصل أرمني الانتخابات (1992)، مثلما فعلت الأحزاب المسيحية، حصل تصدّع في العلاقات مع "التيار العوني" و"القوات اللبنانية" و"الكتائب". وانفجر ذلك حين رجّح الصوت الأرمني كفّة خصوم هذه القوى، إلى حد رفع الصوت من الرئيس الأعلى لـ"الكتائب" أمين الجميل، ضد "الخيانة الوطنية" التي ارتكبها الصوت الأرمني.

وقد فرضت الحرب في سوريا، حيث ينتشر أرمن يرتبطون بشكل وثيق مع أبناء وطنهم الأم في لبنان، نفسها على السياسة الأرمنية في لبنان. فاللبنانيون من أصل أرمني، وكانوا قد بدأوا التناقص مهاجرين إلى أرمينيا وحاصلين على جنسيّتها، توجّسوا من تنامي الدور التركي وتوجّهاته هناك. كذلك أقلقتهم المجموعات الإسلامية وما يمكن أن يصيبهم في حال تمدّدت أو حكمت، وهم لا ينسون ما جرى بهم. هكذا، ومن دون أن يكونوا مع النظام السوري، أو في المحور الحليف له لبنانيّاً، وجدوا أنفسهم في موقع الحذر والنقيض من أنقرة والمجموعات الإسلامية المتشددة.

ثلاث موجات من الهجرة

وسط ذلك، ومع الانهيار الاقتصادي في لبنان، تجددت هجرة اللبنانيين من أصل أرمني، نحو أرمينيا والعالم. وهذه ليست الموجة الأولى. فسابقاً، بعد الحرب اللبنانية، انطلقت موجة ثانية من الهجرة، هذه المرة نحو أرمينيا. فقد اندفع كثيرون آنذاك إلى الحصول على جنسية "الوطن الأم" وشراء عقارات في الجمهورية حديثة الانفكاك، آنذاك، عن الاتحاد السوفياتي. علماً أن معظم اللبنانيين من أصل أرمني هم من مناطق تقع الآن ضمن الجمهورية التركية. ووقتذاك، يقول الباحث يغيا طاشجيان، "كانت العقارات رخيصة في العاصمة يريفان، فاشترى كثيرون منازل ومحالاً وما إلى ذلك. أمّا الآن فارتفعت الأسعار، ما دفع إلى الشراء في المناطق الأخرى".

أما الموجة الأولى من الهجرة فحصلت إبان الحرب اللبنانية، إذ هاجر من اللبنانيين من أصل أرمني الآلاف، إلى حد دفع الأحزاب الأرمنية إلى رفض الهجرة واتخاذ إجراءات تنظيمية قاسية بحق المهاجرين من أعضائها. لقد اعتبرت الأحزاب، وفق الأمين العام الحالي لـ"الطاشناق" هاغوب بقردونيان، أن "الهجرة بمثابة مغادرة لجبهة المعركة".

وعلى الرغم من ذلك، تؤكد الصحافية أرشو باليان العاملة في صحيفة "أزتاك" المصرّة وحيدة على الصدور ورقياً، وهي ناطقة باسم "الطاشناق"، أنها لم تسمع بأن مؤسسة أو حرفة أو مهنة عمل فيها الأرمن، واشتهروا بها، قد أقفلت نتيجة الموجة الثالثة، الحالية، من الهجرة. وتقول "إضافة إلى الطلاب الذين يقصدون أرمينيا لكون أقساط الجامعات هناك، ومنها الأميركية، أقل من كلفة التعليم الجامعي في لبنان، إن معظم من هاجروا افتتحوا فروعاً أخرى لأعمالهم الموجودة والمستمرة في لبنان، وهناك من لا يجد عملاً هنا فيهاجر مكرهاً، وكثيرون منهم يعملون في قطاع المطاعم والنقل العام".

 

 

ويتّفق طاشجيان وباليان على أن الدافع الرئيس للهجرة هو اقتصادي وليس سياسيّاً. وإذ تشدد باليان على أن "الأرمن لا ينفصلون عن اللبنانيين، وأسباب هجرتهم هي نفسها الأسباب التي تدفع اللبنانيين عموماً إلى الهجرة"، يلاحظ طاشجيان أن "هواجس الشباب الأرمن هي الأمور الاقتصادية والمعيشية، البطالة والعمل والكهرباء والمياه والصحة والتعليم...، مثل اللبنانيين كافة، وهي ما يدفع إلى الهجرة".

ولدعم القول بأن سبب الهجرة اقتصادي "أولاً"، يقول طاشجيان، وكذلك باليان، إن موجة الهجرة اندفعت بقوة بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) 2020. فهذا الحدث المأساوي الكارثي الذي قُتل جرّاءه نحو 250 شخصاً ودمّر أحياء واسعة من العاصمة ومحيطها جاء زيادة على الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتأزمة، وأقفل أبواب الانفراج على الأقل على المدى المنظور، بالنسبة إلى فئات واسعة من اللبنانيين ولا سيما الشباب ومتوسطي الأعمار الذين هاجر منهم منذ الانفجار نحو 150 ألفاً، منهم نسبة ممن هم من أصل أرمني.

خصوصية وشوق

وقد نشطت، وفق باليان وطاشجيان، الكنائس والأحزاب والمؤسسات التابعة لهذه وتلك، منذ بدء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وانتشار كورونا في تقديم الخدمات والمساعدات إلى المحتاجين الذين ازدادوا مع انفجار مرفأ بيروت. فقد رمّمت الكنائس والأحزاب الأرمنية، بدعم من الاغتراب، ومن دون مساعدة الدولة اللبنانية، "1496 منزلاً ومؤسسة صناعية وتجارية في 2020، و455 منزلاً ومؤسسة صناعية وتجارية في 2021"، وفق باليان. وتزامن ذلك مع الحرب في إقليم ناغورنو قره باغ، بين أرمينيا وأذربيجان، حيث تحوّلت إلى هناك وجهة الاهتمام الأرمني في العالم ومعه المساعدات، وفق طاشجيان.

ولا يُخفي طاشجيان أن هناك سبباً أرمنيّاً خاصّاً وراء الهجرة، ألا وهو الحصول على الجنسية الأرمنية. ففي ظل تدهور مكانة جواز السفر اللبناني عالميّاً، يفضّل الأرمن أن يحصلوا على جوازات تخوّلهم السفر إلى دول العالم من دون قيود وموانع.

وتلفت باليان إلى أن اللبنانيين من أصل أرمني الذين يهاجرون، سواء إلى أرمينيا أو غيرها، لا يبيعون عقاراتهم حتّى لو أن لا أحد من أسرهم في لبنان ينتفع منها. وهو ما يؤكده طاشجيان الذي يشير إلى أن كثيرين يكلّفون وكلاء لهم، أفراداً أو الكنيسة، لمتابعة شؤون أملاكهم في لبنان خلال غيابهم.

ويدل ذلك، وفق باليان وطاشجيان، على أن اللبنانيين من أصل أرمني لا يهاجرون لبنان نهائيّاً، سواء أكانت وجهتهم أرمينيا أم غيرها. وهم، وفق باليان، يزورون لبنان بين حين وآخر، خصوصاً خلال الصيف. وتقول إنها تسمع من كثيرين منهم عبارات الاشتياق إلى لبنان الوطن.

 

 

الفن والأدب

عرف اللبنانيون العديد من الفنانين والأدباء من أصل أرمني. وليس غريباً أن يكون الرسام بول غيراغوسيان الأبرز على هذا الصعيد. فلكونه رسّاماً لم ينشأ حاجز بينه وبين اللبنانيين وغيرهم، في حين واجه الأدباء والشعراء والفنانون الأرمن هذه المشكلة. وقليلة هي المحاولات الأرمنية أو اللبنانية لنقل الأدب الأرمني إلى العربية وقرائها. في مقدّمة هذه المحاولات ترجمة الشاعر سركيس غيراغوسيان مختارات من الشعر الأرمني إلى العربية، وهو الذي أعدّ دراسة عن مجلة "شعر" ونقل إلى الأرمنية قصائد لأدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا. وإضافة إلى الترجمات التي أعدها هارفارت وديكران كابويان (من سوريا)، أنجزت الكاتبة جولي مراد مختارات شاملة من الشعر الأرمني، وفي القاهرة أنجز الشاعر فاروجان كازانجيان مختارات.

وعلى الرغم من ذلك، تبقى هذه الحركة محدودة مقارنة بنقل الشعر الأرمني إلى الإنجليزية والفرنسية، إذ تُنشر بهاتين اللغتين أعمالٌ لشعراء أرمن من أجيال مختلفة، بما في ذلك الشباب، وبعضهم ممن يقيم في لبنان أو غادره، ومن هؤلاء هاروت بربريان، فينا هيوش تيكيان، كريكور بلديان، أوهانس بابكيان، وخاتشيك هاجاكيان الذي كتب بالأرمنية والعربية.

روائياً، نجد المعضلة ذاتها. فعلى الرغم من وجود حركة محترفة في هذا النوع من الكتابة، وبعض الروائيين الأرمن كتبوا أعمالاً سردية مهمّة عن الحرب الأهلية اللبنانية، أمثال كيفورك عجميان الذي يكتب بالإنجليزية أيضاً، وبوغوص سينابيان وآرمين أتاريان، ومعهم آرا أرزوني الذي يكتب في حقل المسرح، إلا أن منتجهم لم يُترجم إلى العربية.

ويذكر اللبنانيون جيّداً الممثل بيار جماجيان، المعروف منذ الثمانينيات باسم بيارو، الذي حمله في مسلسل "المعلمة والأستاذ". فجماجيان الذي أتقن العربية وفي رصيده عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، ارتبط اسمه بالمسرح الرحباني، وبعدما شارك في مسرحيتي "سهرية" (1973) و"نزل السرور" (1974) مع زياد الرحباني، مثّل في "ميس الريم" (1975) و"بترا" (1977) للأخوين عاصي ومنصور الرحباني. وتابع مع زياد في "فيلم أميركي طويل" (1980) بدور الأرمني ستيريو، ثم "شي فاشل" (1983).

أرقام

وفق الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، بلغ عدد الناخبين الأرمن الأرثوذكس 84031 في الانتخابات النيابية التي أجريت في مايو (أيار) 2022، مقابل 86138 ناخباً في دورة العام 2018.

وبلغ عدد الأرمن الكاثوليك 19981 ناخباً في 2022، وكان 20313 في 2018.

أما الذين اقترعوا من الأرمن في انتخابات 2022 فهو نحو 21 ألفاً، أي بنسبة 20 في المئة".

وخلص الباحث كمال فغالي، في دراسة ديمغرافية أعدّها تحت عنوان "الطوائف في لبنان" (2002)، إلى "انخفاض نسبة الأرمن الأرثوذكس من 10.3 في المئة إلى 1.7 في المئة، وانخفاض نسبة الأرمن الكاثوليك من 2.0 في المئة إلى 0.4 في المئة". ويأتي ذلك ضمن "انخفاض نسبة المسيحيين من 71.9 في المئة إلى 31.4 في المئة، وازدياد نسبة المسلمين من 25.4 في المئة إلى 68.4 في المئة".

ويصنّف فغالي الأرمن ضمن "المجموعات المذهبيّة المترهّلة"، ملاحظاً أن "نسبة الناخبين الشباب تراوحت بين 26.2 في المئة لدى الأرمن الكاثوليك و26 في المئة لدى الأرمن الأرثوذكس".

ويلفت فغالي إلى تدني نسب الإنجاب لدى المسيحيين قياساً لنسبها لدى المسلمين. وهو ما يؤكده طاشجيان الذي يذكر أن الأسر الأرمنية من الجيل الثاني كانت تنجب خمسة أو ستة أبناء، بينما يُكتفى اليوم باثنين أو واحد.