Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

105 أعوام على معاداة الأرمن: تركيا "تعالج" التاريخ بالإنكار والتجريم

لا تقدم رواية أنقرة أجوبة شافية عن سبب انتشار "الملة الصادقة" في المشرق العربي

ليست شحنات الكمامات والمعدات الطبية وحدها ما يتعرض للقرصنة الدولية هذه الأيام، تاريخ أمة بكامله أيضاً. "نرجو أن تكون صداقتنا أعلى من جبل "أرارات" وأطول من نهر يانغتسي"، عبارةُ مودّة كتبها الصينيون على صناديق مساعدات متجهة إلى أرمينيا لإعانتها على مكافحة كورونا كانت كفيلة بإثارة المشاعر القومية التركية والاحتجاج بشدّة.

لم تنل كل أحداث التاريخ والجغرافيا من جبل "أرارات" الذي لطالما كان جزءاً من أرمينيا التاريخية، ولكن حكام تركيا المتعاقبين يرفضون الاعتراف حتى بالاسم الأصلي للجبل، عثمانيون وقوميون و"أتاتوركيون" و"أردوغانيون" أجمعوا على دحض ذاكرة التاريخ، إن لم يكن بالنار والتهجير والإبادة، فبالترهيب والضغط والإنكار.

هكذا، بدل الخوض في تفاصيل ما جرى ما بين عامي 1915 و1923، وبدل النقاش إذا ما كان الحدث "إبادة" أو "جريمة عظيمة" أو "محرقة"، استمرت سبع سنوات، فإنّ حدّة الموقف التركي الرسمي الرافض أيّ مفردةٍ "أرمنية" مرتبطةٍ بالزمان والمكان تثير الريبة، ناهيك عن أنّ استرجاع السياق التاريخي للانتشار الأرمني في الأراضي الخاضعة للسلطنة العثمانية لا يقدم أجوبة مساعدة للمدافعين عن الموقف التركي.
 

 

105 من السنين وآلاف الوثائق والشهادات والمؤلفات واعترافات عشرات الدول والمنظمات، كل ذلك لم يغيّر في الموقف الرسمي لتركيا، الذي بلغ حدّ تجريم "إهانة القومية التركية"، بموجب المادة 301 من قانون العقوبات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السياق التاريخي

على الرغم من نجاح عددٍ كبيرٍ من الشخصيات الأرمنية في تبوّء مناصب اجتماعية مهمة في القسطنطينية، كانت الغالبية الأرمنية، حتى منتصف القرن الـ 19، تعيش في ظروف الفقر والتهديد، بسبب السياسة العثمانية التي أخذت تضيق ذرعاً بالأقليّات، ففرضت عليها الضرائب ولم تقدم لها الحماية من "غارات" خطف ونهب وقتل مستمرة، خصوصاً في مناطق الأطراف، ومنعتهم الحقوق المدنية.

 

ومع تزايد الضغوط الأوروبية الروسية على السلطنة لإعطاء الأقليات المسيحية حقوقها في النصف الثاني من القرن الـ 19، حافظ الأرمن على إخلاصهم للدولة العثمانية، حتى إنّ سلاطين الدولة كانوا يطلقون عليهم في مراسلاتهم وصف "الملة الصادقة"، كما يذكر "هوكر طاهر توفيق" في كتابه "الكُرد والمسألة الأرمنية 1877-1920" الصادر في عام 2014 والمستند في الأصل إلى أطروحة دكتوراه في التاريخ، وكما يذكر جمال باشا في مذكراته.

وفهم السياق التاريخي للوجود الأرمني في السلطنة العثمانية أمرٌ بالغ الأهمية كون الإنكار التركي للإبادة يستند إلى أحداث القرن الـ 18، وما عُرف بـ "المسألة الشرقية" التي أعقبت الحرب الروسية التركية عام 1774، إذ يستند الدفاع التركي إلى أنّ الأرمن كانوا متواطئين مع الروس لإضعاف السلطنة، وأنهم انخرطوا في مخطط بريطاني-أوروبي لاحقاً بهدف إثارة الشعور القومي داخل السلطنة، عشية الحرب العالمية الأولى، ولطالما كرر المسؤولون الأتراك القول إن أرشيفهم مفتوح أمام لجنة تقصّي حقائق دولية لدراسة تاريخ تلك الحقبة.

وفي حين يحتمل تعارض المصالح الدولية تزوير التاريخ، فإنّ الرواية التركية لم تستطع إقناع الأمم المتحدة أو أي جهة محايدة، بل إنّ بعض "المرافعات" التركية في هذه القضية تزيد موقف أنقرة سوءاً، كالحديث عن أن معظم الضحايا الأرمن قد مات بسبب الأوبئة والأمراض خلال الحرب العالمية، وأن عدداً صغيراً فقط قُتل في الاشتباكات المسلحة مع السلطات آنذاك.

ولا تقدم الرواية التركية أجوبة شافية عن سبب الانتشار الأرمني في المشرق العربي، ومصير ما لا يقل عن مليون و250 ألف أرمني (بحسب المصادر التركية الرسمية) كانوا يعيشون في السلطنة (الإحصاءات الأرمنية تتحدث عن ثلاثة ملايين). في حين تزيد مئات الصور وعشرات المقابر الموقف التركي صعوبة، إذا ما أسقطنا جدلاً الاعتماد على المؤرخين الذين قد يُشكك البعض في موضوعيتهم بسبب انتماءاتهم.

 

 

وبغض النظر عن الأسباب والسياق التاريخي، فإنّ المؤكد أن السلطات العثمانية كانت قررت في أواسط القرن الـ 19 تنفيذ تغيير ديموغرافي واسع بنقل الأرمن، بناء لتشريع موثق، نحو دير الزور في الصحراء السورية، بهدف قطع الروابط المحتملة بينهم وبين الروس، ولفسح المجال أمام تدفق المهاجرين نحو أراضي السلطنة بعد هزيمتها في معركة البلقان، وحاجتها إلى احتواء هؤلاء في مناطق سكن الأرمن.

الدوافع السياسية

ويعدّ الكتاب الصادر عام 2017، من ضمن سلسلة الإصدارات الأمنية عن جامعة "كورنيل" الشهيرة في نيويورك الأميركية تحت عنوان "الانفصال والأمن: شرح استراتيجية الدولة ضد الانفصاليين" لإحسان بات، يُعدّ أحد أبرز المراجع الحديثة في فهم الدوافع السياسية التي أفضت إلى وقوع الإبادة الأرمنية.

يقول بات في كتابه "تستجيب الدول بعنف للحركات الانفصالية إذا كانت الدولة المحتمَلة ستشكّل تهديداً أكبر حجماً ممّا تشكله الحركة الانفصالية العنيفة، تدرك البلاد احتمال وقوع حرب مستقبلية مع الدولة الجديدة المحتملة إذا كانت المجموعة الأثنية التي تقود الصراع الانفصالي ذات هوية منفصلة بشكل عميق عن هوية الدولة المركزية، وإذا كانت الدولة المجاورة عنيفة وغير مستقرة"، علماً أن المطالب الأرمنية لم تبلغ حد النداء بالانفصال والاستقلال، إلا بعدما بدأت السلطات الحاكمة التضييق على هذه الأقلية وحرمانها حقوقها، مع الإشارة إلى أنّ مؤرخين عدّة ممّن درسوا هذه الحقبة يتفقون على تفوق الأرمن اقتصادياً وعلمياً على بقية مكونات المجتمع التركي في تلك المرحلة، وأنّ السلطات هي من كان يعاني عدم الاستقرار نتيجة التركة العثمانية وتداعيات الحرب العالمية الأولى والتهديدات الإقليمية التي كانت تستشعر بها نتيجة مراكمة سنوات من العداء مع الجيران.

ويخصّص المؤلف الفصل الرابع من الكتاب للخوض في السياق الذي أودى إلى الإبادة، بعدما اعتمد الخطاب القومي التركي في مختلف المراحل داخلياً على شعارات إصلاحية. ويشير بات إلى أنه، في العقد الأول من القرن الـ 20، "تغيرت المعاملة العثمانية للمجتمع الأرمني مع تغيّر التهديدات لنظام الحكم، لم يكن للأمة الأرمنية لحظات انفصالية محورية على هذا النحو خلال هذه الفترة. وبدلاً من ذلك، كانت حالة المطالب والقومية الأرمينية ظاهرة شبه ثابتة".
 

 

ويعتبر بات أن "الضعف الخارجي المتزايد الناجم عن مشاركة تركيا في الحرب (العالمية الأولى) كان أمراً حاسماً في التصعيد الذي واجهه الأرمن، خصوصاً بالنظر إلى العلاقات بين روسيا والدولة العثمانية والجالية الأرمنية، عندما صعد الأتراك الشباب (تركيا الفتاة) إلى السلطة، كانت لديهم نظرة متفائلة نسبياً بشأن مستقبل الدولة في أوروبا، والأهم من ذلك أنهم تصوّروا الهوية العثمانية على أنها تشمل حضور الأرمن ومشاركتهم، ووفّرت هذه المعتقدات الثقة اللازمة لاستراتيجية المفاوضات والامتيازات، مع ذلك، وفي حلول 1914-1915، تغيرت معاملتهم للأرمن بشكل كبير، مع وجود عاملين يتعلّقان بالأمن الخارجي بشكل خاص، أولاً، شكل الإمبراطورية العثمانية المتغير بين عامي 1908 و1914، إذ فقدت بشكل أساسي كل أراضيها الأوروبية، يعني أن هوية الدولة أصبحت قائمة على تركيبة ضيقة".

عامل آخر يرى فيه المؤلف سبباً للتشفّي التركي من الأرمن، يتمثل في الدعم الروسي الذي حدث في وقت كان بقاء الإمبراطورية العثمانية في خطر، "كان للدعم القوي الذي قدمته روسيا للأرمن عواقب مادية وعاطفية، إذ واجهت الإمبراطورية العثمانية صعوبة كبيرة في الحرب العالمية الأولى، بالتزامن مع هذه العوامل، اعتماد القومية الأكثر حصرية وجنون الارتياب من قبل النظام التركي الشاب".

أحداث 1915-1923

ألقى وزير الدفاع العثماني أنور باشا مسؤولية فشله في استعادة ما خسرته السلطنة من أراضٍ من روسيا على عاتق الأرمن الذين رفضوا القتال إلى جانبه في شهر ديسمبر (كانون أول) عام 1914.

كان لهذا الاتهام الوقع المهم في تعزيز مشاعر العداء ضد الأرمن، الذي سرعان ما تُرجم بقرار عسكري بتحويل الأرمن الذين يخدمون في القوات المسلحة من المهمات اللوجستية إلى مهمات غير عسكرية، بهدف تجريدهم من عنصر القوة.
 

 

وتحوي الرواية الأرمنية عن هذه الحقبة شهادات كثيرة من مذكرات ضباط وقادة عثمانيين تؤكد ارتكاب تجاوزات عرقية، كما أنّ الذاكرة الشفوية للأرمن تتناقل عدداً كبيراً من القصص التي دُوّنت أو حُوّلت إلى أعمال فنية، واللافت أن المراسلات التي كُشف النقاب عنها تباعاً في عواصم الدول، التي كانت تمتلك تمثيلاً لدى السلطنة العثمانية، تؤكد وقوع أعمال التهجير بالحد الأدنى بزعم "إدارة الحرب" في وجه الروس.

في الـ 24 من أبريل (نيسان) 1915، أصدر وزير الداخلية طلعت باشا أمر اعتقال بحق عشرات من نُخب الأرمن في أراضي السلطنة في يوم عُرف بـ "الأحد الأحمر".

صار هذا التاريخ رمز القضية الأرمنية التي استمرت حتى عام 1923، وشهدت، بحسب الرواية الأرمنية، عمليات التهجير والإعدام والاغتيال والاغتصاب والتجويع والقتل والتسميم والحرق التي طالت مليوناً و500 ألف أرمني، في حين يتحدث بعض المصادر الأجنبية عن 800 ألف كحدّ أدنى، أما الرواية التركية الأشدّ مرونة، فلا تعترف إلّا بـ 300 ألف قضى معظمهم بسبب الأوبئة والجوع في الحرب العالمية!

في نهاية عام 2019، ترجمت إحدى دور النشر العربية كتاب "أوامر القتل– برقيات طلعت باشا والإبادة الأرمنية" لمؤلفه البروفيسور التركي في جامعة كلارك الأميركية تنار أكسام، ويكشف أكسام النقاب عن برقيات وصل إليها ودقق في موثوقيتها تُثبّت بالدليل الدامغ مسؤولية السلطات العثمانية عن عمليات "الإبادة" بحق الأرمن.

وذهب البروفيسور التركي، الذي وصفته "نيويورك تايمز" بـ "شيرلوك هولمز" المسألة الأرمنية، في بحثه عميقاً ليكشف عن تواطؤ ألماني آنذاك ومعرفة كاملة بالإرتكابات العثمانية. وتعرّض عمل الباحث التركي لحملة تشكيك واسعة في بلاده وتشويه لسمعته وأسلوبه العلمي، من دون أن تنال هذه الحملات من الانتشار العالمي لبحوثه وما توصّل إليه. ومع حلول عام 1930، كان الأرمن قد فقدوا جميع ممتلكاتهم في السلطنة العثمانية، إذ حُوّلت إلى موارد للجمهورية التركية الحديثة.

المسؤول الأول

في منتصف عام 2018، نشرت جامعة "برنستون" كتاب "طلعت باشا: أب تركيا الحديثة ومهندس الإبادة" للمؤلف هانس لوكاس كيسر.

يُعدّ الكتاب مرجعاً قيّماً وفريداً في اللغة الإنجليزية كونه يقدّم صورة وافية عن الزعيم السياسي الأهم في قيام تركيا الحديثة، باعتباره قد مهّد الطريق أمام مصطفى كمال أتاتورك بأفعاله المفصلية، وفي مقدمها انتهاكات الإبادة الأرمنية.

ويحكي الكتاب صورة السياسي التركي "النموذج" الذي دأب من تبعه من الساسة على استنساخ أساليبه بالدمج ما بين القومية التركية والعصبية الدينية، قبل استغلال هذه المشاعر للتهيئة لـ "حلول عنفية"، ويتحدث المؤلف عن بدء التخطيط للإبادة الأرمنية منذ عام 1910، حين كان طلعت باشا زعيماً لحركة "تركيا الفتاة"، كاشفاً عن أنّ التحالف العثماني مع ألمانيا كان ثمنه سكوت برلين عن المجازر بحق الأرمن.

وتكمن أهم إدانة لطلعت باشا وآخرين في عقوبة الإعدام الصادرة عن المحكمة العسكرية التي عُقدت عام 1919 في عهد السلطان محمد السادس والصدر الأعظم محمد فريد، لكنّ هذه المحاكمة لم يُكتب لها تنفيذ قراراتها بعد سنة، إذ أُلغيت القرارات بسبب "افتقارها إلى الشفافية"، ثم خضعت القضية برمّتها للتسييس الواضح على خلفية مفاوضات بريطانية-تركية لتبادل أسرى حرب.

وسبق صدور قرار إدانة طلعت باشا ورفاقه للمرة الأولى قرار عن جمعية "الاتحاد والترقي" بنفيه خارج البلاد عام 1918، فهرب الأول إلى برلين، حيث حاول ممارسة العمل السياسي من جديد وأنشأ صحيفة لم يُكتب لها التوسع بسبب نقص المال، وبقي طلعت باشا يجول في أوروبا براحته حتى 15 مارس (آذار) 1921، حين أطلق عليه الشاب سوغومون تهليريان النار أمام منزله في العاصمة الألمانية.

وفي حين أعلنت المحكمة الألمانية براءة الشاب الأرمني في جلسة كانت نتيجتها صادمة للجميع، فإنّ جثمان طلعت باشا قد عاد إلى مقبرة "الشهداء" في تركيا عام 1943، بعدما أعادت السلطات الاعتبار المعنوي له.

الإنكار والضغط

بحسب الكتاب الصادر عن جامعة "برنستون" الأميركية عام 2015 للمؤلف رونالد غريغور ساني، بعنوان "تاريخ الإبادة الأرمنية"، فإنّ محاكم عسكرية تركية عقدت جلسات عدّة بشأن ضباط وقادة عثمانيين شاركوا في أحداث عامَيْ 1915 و1916 ضد الأرمن، لكن الحكومات اللاحقة أسقطت جميع التهم.

وينقل الكتاب حوارات تفصيلية للوزير الأول محمد فريد عام 1919 في العاصمة الفرنسية باريس مع شخصيات عثمانية في إطار مساعيه لتلميع صورة بلاده، عشية المفاوضات المواكبة لترتيب نهاية الحرب العالمية الأولى، وتُثبت الحوارات التي أوردها الكتاب الأميركي معرفة كاملة بما جرى من انتهاكات بحق الأرمن، على أنّ المواقف الرسمية للحكومات التركية المتعاقبة لم تعترف بأصل وقوع عددٍ كبيرٍ من الأحداث، بل ذهبت بعيداً في إخراجها عن السياق التاريخي والإنكار الكامل لها.

ويستخدم القانون التركي الحالي عبارة "إعادة توطين" لوصف ما جرى في تلك الحقبة من الزمن، وبلغ حد الإنكار الزعم بأنّ الأرمن هم من نفّذوا عمليات قتل واسعة استهدفت الأتراك، علماً أن هذه المزاعم لا تفسّر كيفية حدوث ذلك في ظل افتقاد الأرمن للسلاح والتدريب.

وفي كتابه الصادر عام 2003 بعنوان "تفاهة الإنكار"، يخوض البروفيسور الإسرائيلي يائير أورون في عدم جدوى سياسة الإنكار إزاء الأحداث التاريخية الكبرى، متّخذاً من القضية الأرمنية نموذجاً للدلالة على ضعف الموقف التركي دولياً.

تجدر الإشارة إلى أنّ بعض التقارير تتحدث عن محاولات تركية لاستمالة مؤرخين بالمال، حتى إنّ شهادة المؤرخ الشهير برنارد لويس، المدافع عن تركيا قد حظيت بعدد كبير من الانتقاد قبل أن يعمد إلى التراجع الدبلوماسي عن نفي الإبادة، بعدما ظهر حجم "المحاباة" التركية له في مواقف عدة.

وكان المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد قد وجه انتقادات حادة كثيرة إلى لويس وأسلوبه في الاستشراق، مشكّكاً في حياديته ومتهماً إيّاه بـ "الجهل".

في الوقت الراهن، تعترف 31 دولة و49 ولاية أميركية بـ "الإبادة الأرمنية"، وفي فرنسا وسويسرا واليونان وسلوفاكيا، يُمنع إنكار الإبادة التي تعترف بها أيضاً الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي ومجلس أوروبا ومجلس الكنائس العالمي ومنظمة حقوق الإنسان وعشرات المنظمات العالمية.

إحياء الذكرى

لم يمنع وباء كورونا الأرمن من إحياء ذكرى "الإبادة" هذا العام، إذ تمت الاستعاضة عن الفعاليات التقليدية السنوية بجُملة نشاطات تراعي حالة الطوارئ الصحية، وتقرع الكنائس أجراسها على امتداد الأراضي الأرمنية، في حين تُطفأ الأنوار في شوارع يريفان والمدن الكبرى، بينما يتجمّع الأرمن في أنحاء العالم على شرفات منازلهم للتلويح بأنوار خفيفة إحياء للمناسبة، وفرض كورونا حظراً على زيارة النصب التذكارية التي تنتشر في أرمينيا.

أما في الولايات المتحدة، فقد أطلقت منظمات أرمنية مبادرة مشتركة لإطعام مليون و500 ألف شخص، في دلالة على عدد ضحايا الإبادة بحسب الرواية الأرمنية.

بدورها، كشفت الخارجية الأرمنية عن أنها تخطّط لعقد المنتدى العالمي الرابع لمكافحة جرائم الإبادة الجماعية هذا العام.

ماذا عن المستقبل؟

لا يوجد ما يشير في الأفق إلى نيّة تركية بالمرونة والكشف عن الوثائق المرتبطة بتلك المرحلة من التاريخ، كما أن تعقيدات الجوار الجيوستراتيجية بين الطرفين لا تشي بإمكانية نشوء علاقات طبيعية في المدى المنظور.

في الأزمة العالمية الراهنة بسبب كورونا، وقع سجال بين أنقرة ويريفان على خلفية مطالب أرمنية بإعادة سياحٍ أرمن كانوا في تركيا، التي تعمّدت إبراز المسألة على أنها طلب مساعدة، الأمر الذي نفاه المسؤولون الأرمن، واضعين إيّاه في نصاب تأمين عودة المواطنين إلى بلادهم.

 

 

وعن هذه الحادثة، تقول صحافية أميركية خبيرة في الشؤون التركية إن العلاقات بين أرمينيا وتركيا تشهد "مشاكل في التواصل" بشكل دائم، وفي هذا الوصف، دلالات كثيرة على عدم الثقة، وسواء كانت "إبادة جماعية" أو "جريمة عظمى" أو "محرقة"، فإنّ رفض تركيا الاعتراف بالمسؤولية عن أحداث كثيرة موثّقة جرت ما بين عامَيْ 1909 و1923، يزيد حجم التعاطف الدولي مع الأرمن،  وإن كان الاعتراف بـ "الإبادة" دولياً لا يزال محل حرج بالنسبة إلى عدد كبير من دول العالم بسب علاقاتها مع تركيا، فإن تكرار المسؤولين الأرمن أنهم لا يعادون الشعب التركي، بل يطالبون بحقهم في تدوين التاريخ كما حدث، يضيف بعداً درامياً لـ "جرح مفتوح" يمكن للسياسة أن تعالجه بهدوء وحكمة، وإلّا اضطرت مرغمة على ذلك بحسب التعبير التركي الذي يقول إن "للحقائق عادة سيئة، وهي أنها في نهاية المطاف تظهر تحت النور".