Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ناغورنو قره باغ": القصة الكاملة لأعقد مشاكل إرث الاتحاد السوفياتي

تعيش أذربيجان وأرمينيا في حالة حرب منذ تسعينيات القرن الماضي بعد حرب طاحنة أودت بحياة أكثر من 30 ألف شخص واستمرار المناوشات يهدد حالة وقف إطلاق النار

أحد أفراد القوات الأرمينية قرب منطقة حدود ناغورنو قره باغ (رويترز)

على وقع تجدد الاشتباكات الدامية بين الجيش الأذربيجاني والانفصاليين الأرمن، عاد الصراع التاريخي في إقليم "ناغورنو قره باغ" بين البلدين إلى الواجهة، مهدداً باحتمالات استدراج روسيا وتركيا أكبر داعمين لطرفي الأزمة الممتدة منذ عقود، إلى ساحاته.

فعودة المناوشات العسكرية التي قادت إلى مقتل عسكريين ومدنيين من الجانبين، وسط اتهامات كل طرف الآخر ببدء الأعمال العدائية، يعود تاريخها ليس فقط لعقود سابقة بل قرون مضت، لكن ذروته التي شهدتها تسعينيات القرن الماضي، وتمثلت في حرب طاحنة بين أذربيجان وأرمينيا، انتهت بقرار لوقف إطلاق النار من دون اتفاق سلام، تأبى الانتهاء، إذ تطالب باكو بعودة الإقليم إلى سلطتها وتعرض حكماً ذاتياً عليه، فيما تدعم أرمينيا انفصاله وتقدم مساعدات لسلطته المحلية التي غيرت اسمه إلى "آرتساخ". فما هي قصة ذلك الصراع التاريخي الممتد، الذي يعتبره المؤرخون أطول وأعقد المشكلات التي تفجرت في مناطق الاتحاد السوفياتي إثر انهياره عام 1991؟.

ماذا نعرف عن إقليم "ناغورنو قره باغ"؟

يعد إقليم "ناغورنو قره باغ" منطقة جبلية، تبلغ مساحتها حوالي 4,400 كيلومتر مربع، ويقع في الجزء الغربي من أذربيجان، على بعد نحو 270 كيلومتراً من عاصمتها باكو، وتعد قمة جبل "جياميش" التي يبلغ ارتفاعها 3724 متراً هي أعلى قمة جبلية هناك. وفي الإقليم كذلك مجموعة من الأنهار تستخدم مياها في الري وفي توليد الطاقة الكهرومائية.

ويتألف اسم الإقليم ذي الأغلبية من السكان الأرمن (نحو 95 في المئة من تعداد سكانه البالغ أكثر من 148 ألف نسمة من الأرمن والباقي عرقيات أخرى)، من مقطعين، هما، "ناغورنو" وتعني باللغة الروسية "الجبلية"، و"قره باغ" ومعناها باللغة التركية "الحديقة السوداء". لكن الأرمن يطلقون على الإقليم اسم "آرتساخ" ومعناها "غابة آر"، و"آر" هو "إله الشمس" عند الأرمن القدماء. فيما يطلق الأذريون عليها، اسم "يوخاري قره باغ"، أو "قره باغ العليا".

تسمى عاصمة الإقليم "ستيباناكرت" وتقع على قمة جبلية ترتفع 750 متراً فوق سطح البحر، وفق المؤرخين، أُنشئت تلك المدينة بعد الثورة البلشفية في أكتوبر (تشرين الأول) 1917 على موقع قرية خان كندي، وتغير اسمها إلى "إستبانا كيرت" تيمناً بالزعيم الشيوعي البلشفي إستبانا شاهوميان، الذي يتوسط تمثاله ميداناً رئيساً في المدينة ويحمل اسمه.

ووفق ما هو متاح من معلومات بشأن سكان الإقليم، يعمل أغلبهم بصورة رئيسة في الزراعة، مستفيدين من تعدد الأنهار ومياه الأمطار التي تهطل صيفاً في الري وتوليد الطاقة الكهربائية، كما يمارس بعضهم أنشطة اقتصادية من قبيل التنمية الحيوانية والصناعات الخفيفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن أهم معالم إقليم "ناغورنو قره باغ" مدينة "شوشا" التي يسميها الأرمن "شوشي"، وتُعد مكاناً مقدساً لديهم، ما يجعل تحديد وضعها النهائي العنصر الحاسم في التسوية. وتبعد شوشا عن عاصمة الإقليم إستبانا كيرت 13 كيلومتراً، وتقع على ارتفاع 2500 متر فوق سطح البحر، وهي موطن الشعراء والكتاب والأدباء الأذريين، وكانت الأغلبية الساحقة من سكانها قبل الحرب منهم، قبل أن يسيطر عليها الأرمن بمساهمة جنرال روسي شارك في الحرب السوفياتية الأفغانية (1980/1989). ومن معالم الإقليم كذلك قرية "فانك" الواقعة شمال غربي عاصمته، وتقع بالقرب منها أشهر وأهم الكنائس لدى الأرمن في كل أنحاء العالم.

وإبان الحكم السوفياتي، كانت منطقة "ناغورنو قره باغ" مأهولة بمواطنين من أصول أرمينية، كإقليم حكم ذاتي داخل أذربيجان. ومع تفكك الاتحاد السوفياتي، سعى سكان الإقليم إلى الوحدة مع أرمينيا، الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحرب.

خلفيات تاريخية للصراع

تعود جذور النزاع بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم "ناغورنو قره باغ" إلى عشرينيات القرن الماضي، عندما قرر الزعيم السوفياتي جوزف ستالين عام 1923 ضم الإقليم، الذي كانت تقطنه أغلبية أرمينية في ذلك الوقت، ويقع داخل حدود أذربيجان إلى أرمينيا ومنحه حكماً ذاتياً، في المقابل ضم ستالين إدارياً منطقة ناختشيفان التي تقع جغرافياً في قلب أرمينيا وتسكنها أغلبية أذرية إلى أذربيجان، وذلك بحسب المؤرخين، لزرع بذور صراع بين الدولتين يضمن للحكومة المركزية في موسكو نفوذاً دائماً، وبدأ معها الصراع الأذري الأرميني على "ناغورنو قره باغ".

وفي عام 1988 وتحديداً في العشرين من فبراير (شباط) كان إقليم "ناغورنو قره باغ" بأكمله يقف عند مفترق طرق، ففي ذلك التاريخ طلب المجلس السوفياتي القره باغي من موسكو، الموافقة على انضمام الإقليم نهائياً إلى أرمينيا، فيما اعترض النواب الأذر الممثلون في المجلس، فتوترت الأجواء وتحول الصراع المكتوم إلى أعمال عنف سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية في الإقليم سقط فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى من الطرفين.

وفي العام التالي (1989) ذهب الأرمن بصراع "ناغورنو قره باغ" خطوة إلى الأمام وذلك حينما اتخذ المجلس السوفياتي الأرميني قراراً بإعلان اتحاد قره باغ مع جمهورية أرمينيا. وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي في العام 1991، وإعلان كل من أرمينيا وأذربيجان الجمهوريتين المنضويتين سابقاً تحت لواء السوفيات استقلالهم فاجأ القادة السياسيون في إقليم "ناغورنو قره باغ" العالم بإعلان استقلالهم ورغبتهم في قيام جمهورية مستقلة غير تابعة لا إلى أذربيجان ولا إلى أرمينيا.

وفي حين اعترضت أذربيجان على إعلان استقلال "قره باغ" واعتبرته انفصالاً وتمرداً، وأرسلت قوات عسكرية لاستعادته، أعلنت أرمينيا دعمها للقادة السياسيين الأرمن ومدهم بالمال والسلاح، وهو ما نظرت إليه أذربيجان على أنه بمثابة إعلان الحرب، فاندلع القتال بينهم واستمرت الحرب الطاحنة طوال الفترة من 1992 حتى التوصل لوقف إطلاق النار عام 1994، وذلك بعد أن فقد من الجانبين أكثر من 30 ألف شخص من الأذريين والأرمن وشرد نحو مليون آخرين.

وفضلاً عن الخسائر في الأرواح، أرست الحرب حقائق ديموغرافية وجغرافية جديدة، فقد تسبب الصراع في حركة لجوء في الاتجاهين قُدرت بأكثر من 1.2 مليون، أغلبهم من الأذريين، وبسببها أصبح أغلب سكان الإقليم من الأرمن. وإضافة إلى سيطرة الأرمن على الإقليم، انتزعوا 7 مناطق حدودية أذرية أخرى (تقدر بـ20 في المئة من أراضي أذربيجان)، أمنت لهم تواصلاً طبيعياً عبر ممر "لاتشين" مع دولة أرمينيا، وقد تحمل أرمن المهجر تكاليف تعبيد هذا الممر الذي يبلغ طوله 60 كيلومتراً.

وبينما تطالب أذربيجان بعودة الإقليم إلى سلطتها، وتعرض على الأرمن فيه سلطات استقلالية واسعة في سياق حكم ذاتي حلاً للأزمة، تدعم أرمينيا انفصاله عن أذربيجان، وتقدم مساعدات لسلطته الانفصالية التي غيرت اسمه إلى "آرتساخ".

وفي مسعى لوقف الحرب، أصدر مجلس الأمن عام 1993 قراره رقم 822، وطالب فيه القوات الأرمينية بالانسحاب من الأقاليم المحتلة في أذربيجان، لكن القوات الأرمينية لم تمتثل للقرار. وانتهى القتال بين أذربيجان وأرمينيا على "ناغورنو قره باغ" عام 1994، عندما تم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار. وما زال الجانبان رسمياً في حالة حرب لأنهما لم يوقعا على معاهدة سلام.

 

عقدان ونيف من وقف هش لإطلاق النار

على مدار العقدين ونيف السابقين، لم تهدأ جبهة "ناغورنو قره باغ" من التوترات والمناوشات العسكرية بين الجانبين، رغم محاولات المجتمع الدولي وقيام وساطة روسية أميركية فرنسية تحت اسم "مجموعة مينسك"، لحث البلدين على توقيع اتفاق سلام يضع حداً لنهاية الصراع الممتد. وبقي الإقليم في محور العلاقات المتوترة بين يريفان وباكو.

ولم تكن الاشتباكات الراهنة سوى سلسلة طويلة من أوضاع وقف إطلاق نار هش تعيشه المنطقة الواقعة في قلب القوقاز، فالاشتباكات الأخيرة تأتي في أعقاب تصعيد على طول حدود البلدين، بعيداً عن "ناغورنو قره باغ"، في يوليو (تموز) الماضي، أودت بحياة 17 جندياً من الجانبين.

وفي الخامس من يوليو 2015، أعلنت أذربيجان تمكن قواتها العسكرية من إسقاط طائرتين من دون طيار تابعتين للجيش الأرميني، قالت إنها اكتشفتهما لدى قيامهما بجولات استطلاع فوق المواقع الأذرية بمنطقة "ترتر" على خط الجبهة بين البلدين. وتكثفت الاشتباكات في الأشهر التالية لذلك، إلى درجة دفعت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (التي تضم البلدين وترعى محادثات السلام بينهما بواسطة "مجموعة منسك") إلى التحذير من "أن الوضع القائم لم يعد محتملاً".

وأدى تطور الأحداث إلى أن استخدمت أذربيجان في ديسمبر (كانون الأول) 2015 (للمرة الأولى منذ 20 عاماً) دبابات ضد مواقع الانفصاليين في "ناغورنو قره باغ".

وفي الثاني من أبريل (نيسان) 2016، تبادل الجانبان اتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار على خط التماس، ما أدى إلى سقوط نحو 110 ضحايا، وهدد باشتعال الحرب بينهما، لكن وزارة الدفاع الأذرية أعلنت لاحقاً وقف إطلاق النار من جانب واحد، مهددة بالرد في حال تعرض قواتها للهجوم مجدداً.

وفي 27 سبتمبر (أيلول) 2020، لاحت نذر الحرب بين أذربيجان وأرمينيا مع اندلاع جولة عنيفة من التصعيد العسكري في الإقليم، حيث سقط قتلى وجرحى من الجانبين، وأعلن الانفصاليون الأرمن حالة الحرب والتعبئة العامة في الإقليم، وسط دعوات إقليمية ودولية لوقف القتال.

وأعلن رئيس الإدارة الأرمينية الانفصالية أرايك أرتونيان حالة الحرب والتعبئة العامة في جميع أراضي الإقليم، وقال (خلال جلسة طارئة للبرلمان في عاصمة الإقليم ستيباناكرت (خانكندي حسب تسميتها الأذرية)، إنه قرر إعلان الأحكام العرفية وتعبئة جميع الذكور القادرين على الخدمة العسكرية ممن تتجاوز أعمارهم 18 عاماً.

يشار إلى أنه في العام 2006، أقر أرمن الإقليم دستوراً كرسه باعتباره "جمهورية" مستقلة ومنفصلة عن أذربيجان، واختاروا مدينة "إستبانا كريت" عاصمة لهم. وحظيت الدولة الجديدة (التي استكملت بناء مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقانونية) بدعم من أرمينيا وروسيا، التي تستضيف أرمينيا إحدى قواعدها العسكرية القليلة في الخارج، بمقتضى تحالف أمني بينهما.

في المقابل يعترف المجتمع الدولي بإقليم "ناغورنو قره باغ" بوصفه منطقة تقع في إطار حدود أذربيجان، وعلى رغم إعلان القوى الأرمنية المسيطرة عليه انفصاله وقيام "جمهورية" فيه، فإنها لم تنل اعتراف أي دولة (بما في ذلك أرمينيا) باستقلال هذا الإقليم.

ولطالما تعثرت الجهود المبذولة لإحلال السلام النهائي في الإقليم بسبب قضايا شائكة، مثل قضية المناطق الواقعة خارجه، التي تسيطر عليها القوات الأرمينية. وتشكل عدة دول (على رأسها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا) "مجموعة مينسك" المفوضة دولياً بالعمل وسيطاً لحل هذا النزاع، ونظمت المجموعة عدة جولات من المحادثات لهذا الغرض، لكنها لم تكلل بالنجاح.

وفي 24 يونيو (حزيران) 2011، عقد الرئيسان الأرميني سيرج سركسيان والأذربيجاني إلهام علييف، محادثات في مدينة قازان الروسية برعاية من الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف. وفشل المجتمعون في التوصل إلى وثيقة إطار تلزم طرفي النزاع برفض استخدام القوة لحله وتضع تسوية لمشكلته، لكنهم أكدوا (في بيان أصدروه عقب الاجتماع) ضرورة التوصل إلى تفاهم متبادل حول مجموعة من القضايا ستساعد على خلق ظروف مواتية للموافقة على المبادئ الأساسية.

 

تحشيد دولي في الصراع

في الوقت الذي شهدت أرمينيا، التي صارت مسيحية منذ القرن الرابع، عدم استقرار سياسي واقتصادي بعد استقلالها عام 1991، حيث عرفت هذه الدولة الفقيرة وغير الساحلية عدة ثورات وعمليات قمع دموية، وعمليات اقتراع مطعون فيها، على خلفية نزوع عدة زعماء لممارسات زبائنية وسلطوية، تمثل أذربيجان بلداً شيعياً على ضفاف بحر قزوين، تحكمها عائلة واحدة منذ 1993. أدار الضابط السابق في المخابرات السوفياتية حيدر علييف البلد بقبضة من حديد حتى أكتوبر 2003، حين ورّث السلطة إلى ابنه إلهام قبل بضعة أسابيع من وفاته، ولم تكن التدخلات الأجنبية ببعيدة عن الصراع في "ناغورنو قره باغ".

فمن جانبها، جعلت تركيا التي لها طموحات جيو إستراتيجية في القوقاز وآسيا الوسطى، من أذربيجان الثرية بالمحروقات، التي يتحدث شعبها لغة متفرعة من التركية، حليفها الأساسي في المنطقة، وهي صداقة يعززها العداء المشترك لأرمينيا. وتدعم أنقرة باكو في رغبتها في استعادة "ناغورنو قره باغ"، وتصدر في شكل روتيني بيانات شديدة اللهجة تأييداً لهذا المسعى.

أما أرمينيا، فتكنّ ضغينة تجاه تركيا بسبب اتهام الإمبراطورية العثمانية بإبادة نحو مليون ونصف مليون أرميني خلال الحرب العالمية الأولى. واعترفت أكثر من 30 دولة بالأمر كإبادة، لكن، ترفض تركيا هذا الوصف لما حدث، وتتحدث عن مجازر متبادلة.

في الأثناء، تبقى روسيا أكبر قوة إقليمية، وهي تقيم مع أرمينيا علاقات أوثق من علاقاتها مع أذربيجان، لكنها تبيع الأسلحة للطرفين.

وانضمت يريفان إلى أحلاف سياسية واقتصادية وعسكرية تهيمن عليها موسكو، أبرزها منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

وفيما تحتاج أرمينيا إلى الشقيقة الروسية الكبرى أكثر من عدوها الأكثر ثراء، الذي ضاعف إنفاقه العسكري. تسعى أذربيجان إلى تحسين صورتها في العالم، بخاصة في الغرب، لإزالة سمعتها كبلد سلطوي تسوده المحسوبية، وتستخدم في ذلك مواردها النفطية.